27 مايو 2009

خمس نجوم وشبشب




خمس نجوم وشبشب



مستشفيات مصر العامرة خمس نجوم، بس ما تنساش جنب الخمس نجوم فيه شبشب بصباع، والصباع مقطوع كمان. والشبشب ده يرجع تاريخه إلى عهد قديم مش فاكره دلوقتي. لكن المهم إن الشبشب موجود والكل شايفه وعارفه، ومع ذلك لازلنا محتفظين بيه لأن الضنا غالي برضه!

شئ غريب (أو يمكن مش غريب) إن المستشفى أو الوحدة الصحية تكون زي الحمام – عافاكم الله – في الشكل والريحة والمضمون! وما تعرفش التطابق ده جه منين، وإيه وجه الشبة بينهم، لكن سبحان الله القادر على كل شئ فبمجرد دخولك لأي مكان يُفترض أنه بيقدم خدمة صحية يقفز إلى ذهنك صورة حمام عام بنفس الهيئة والريحة، وحتى الأفراد داخل المكان أقرب ما يكون إنهم بيقضوا حاجتهم عن إنهم بيشتغلوا!

ونرجع تاني للشبشب اللي لازق جنب الخمس نجوم، ومش عارف مين اللي قال إنهم خمس نجوم أصلاً، بس محدش يقدر يعترض على قضاء ربنا إذا كانت مستشفيات الحكومة خمس نجوم، ويمكن ده نسبة إلى الهلال والنجمة والواد دقدق، وده له صلة وثيقة بالنضافة والصحة، ويرجعنا تاني لموضوع الحمام اللي ما صدقنا قفلناه!

وصورة الوحدات الصحية من برة لا توحي أبداً إنها مأهولة، وإنما يُخيّل إليك أنها مهجورة، ومن مدة كمان، وما بتعرفش إنها شغالة غير من الناس اللي داخلة وخارجة، وإنما الوحدة بتكون مبنى قديم، ولو وحدة جديدة ده بيبقى أول كام شهر بس وتلاقيها قدمت ولمّت وساخة الدنيا عليها، وتتلم الزبالة من كل مكان حواليها، بل إن أحيانًا بيكون مقلب الزبالة بتاع المنطقة هو السور الخلفي للوحدة!

فيه حجم مخصوص للمرضات، وده وفقاً لكراسة الشروط اللي بتطلعها هيئة السكة الحديد! وأنا مابتريقش على الممرضات لا سمح الله وإنما بتريق على هيئة السكة الحديد! ولكن فعلاً شئ ملفت للانتباه إنك تلاقي الممرضة لا هي عارفة تمشي ولا سامحة لغيرها إنه يمشي، وكل اللي بتعمله إنها بتعمل شاي وبتجيب سندوتشات، وطبعاً الوظيفة المقدسة وهي خازن العيادة (حارسها) وأعتقد إن هنا فيه استفادة من الحجم في إنها تمنع أي حد تسوّل له نفسه الدخول برة دوره! فيه ممرضات حجم معدّل وفقاً لقرار وزارة القوى العاملة والبذور المهجنة وهو حجم طبيعي ولكنه مش متوفر بشكل كافي وفي نفس الوقت هو بيختلف عن النوع الأول في الحجم بس، وإنما بيأدي نفس الوظيفة بنفس البلادة والتبلد اللي تقريباً جزء أساسي من كورس التمريض. وأعتقد إن الشبشب اللي جنب الخمس نجوم ده كان بتاع ممرضة! وطبعاً ما نقدرش نعمم لإن يمكن يكون فيه ممرضة تشذ عن هذه القاعدة!


الأطباء الأعزاء الكرام واللي هم السبب الأساسي في الخمس نجوم، ليه بقى! أقولكم. لأن المريض بيتلخص في خمس حالات (راس، زور، صدر، بطن، ومجهول النسب!). والدوا بيتلخص في خمس مجاميع (مضاد حيوي، مسكن، مضاد للتقلصات، دوا كحة، دوا إسهال). ومهما كانت حالة المريض فهو هيقع يعني هيقع تحت طائلة أحد التصنيفات السابقة، والدوا اللي هياخده هيكون نوع من الأنواع السابقة أو تشكيلة منها، وعشان كدة الناس بتريح دماغها وتروح تجيب الجرعة من الصيدلية!

وهنا بعتقد إن الشبشب ده كان بتاع مريض اتضايق فحب يعبر عن رأيه للدكتور!


وطبعاً برضه ما نقدرش نعمم لأن أكيد فيه حد في حتة مش هنا!



أحمد فايز

امشي جنب الحيط




امشي جنب الحيط


أصبح دأب الشعب المصري هو المشي جنب الحيط، وأي حد عاوز يبقى في حاله يروح ويمشي جنب الحيط، ويقول يا حيطة داريني. بس ما تعرفش فين الحيط ده اللي كل الناس بتروح تمشي جنبه، يمكن حيطة مخصوص عاملاها الحكومة عشان الناس تمشي جنبها، كنوع من الدعم وتوفير الحيطان للشعب!

وفي ظل وجود تيارات متناقضة منها اللي بيأيد الحكومة تأييداً شديداً تطبيقـاً لمبدأ (معاهم معاهم .. عليهم عليهم)، ودول برضة تلاقيهم ماشيين جنب الحيط إلا إذا كان فيه دعم من الحكومة لهذه الفئة من الناس باستبدال الحيط وتسليم عدد واحد جذمة مقاس 45 بكعب حديد وبوز خشب للأتباع المخلصين عشان يقدروا يفرضوا سيادة القانون - كل حسب مفهومه - على الفئة الأخرى التي اختارت الوقوف في منطقة محظورة وتصادف أنها منطقة تدريب عسكري، والميت ملوش دية! ودول هم كمان ماشيين جنب الحيط لأنهم مش هيلاقوا حتة تانية يمشوا فيها إلا اللي يحب يغامر بحياته ويخرج عن حدود ظل الحيط وده بيكون هدف سهل للقناصة، لكن البعض بيصر على المقاومة والنضال لآخر فتلة في هدومه.

سياسة حكيمة فعلاً، كل عيل بيتولد بيستلم الحيطة بتاعته مع شهادة الميلاد عشان يتعود عليها من صغره ويفضل لازق فيها طول عمره. وتطلع الإشاعات والأساطير عن الحيطة والمستقبل المظلم اللي منتظر أي شخص يفكر في الابتعاد عن الحيطة بتاعته لأنه بالتأكيد مفقود مفقود يا ولدي.

والدعاية المستمرة التي لا تنقطع:

  • (مشيت جنب الحيطة النهاردة!)
  • (حيطة تشطيب لوكس بمقدم بسيط والتقسيط على مييييت سنة .. وموت يا حمار .. يا حمار)
  • (امشي جنب الحيط تبقى في السليم .. ونعيش كلنا)
  • (حتى لوني بمبي لو حيطك يا بلد)

ويقال إن المشي جنب الحيط يرجع تاريخه إلى عهد الفراعنة على أيام الملك (حيطا رع) اللي نقش على أحد المعابد مبدأ العمل بقانون (حيطة لكل مواطن) عشان الشعب كل واحد يخليه في نفسه ويحط لسانه جوا بقه ويتلزق جنب حيطته ويريح دماغ مستر رع. ومع مرور الأيام ولأننا نسل الفراعنة الكرام فضلنا محتفظين بهذا القانون السحري اللي هو حل كل المشاكل ودوا كل الأمراض العقلية المستعصية.


أحمد فايز

التجول داخل زجاجة



التجول داخل زجاجة


بلوريّة الأركان و الآفاق و الماضي و المستقبل، مشمسة دوماً و مظلمة دوماً، معزولة الأصوات و الروائح، و بعض الصور المتتابعة بين الحين و الحين تمر على استحياء، و صور أخرى تقف أمامي بالساعات فقط لكي تخرج لي لسانها !

منذ الصباح الباكر و حتى سقوط الشمس في بئر المغيب، و السير المُجـِدُّ في كافة الأقطار من أجل المال أو الطعام، و البحث المضني المكلل بالفشل و خيبة الرجاء، و الدعوات الحارة المتتالية من فم الشحاذ القاطن ناصية الطريق و التي ما تلبث أن تتحول إلى سباب حين لا تعره انتباهك. الشمس المحرقة في ساعة الظهيرة في يوم من أيام الصيف الملتهب، و البرد القارس في ليلة معتمة من أيام الشتاء البارد، و السيارات المتسابقة كل في مضمار حياته الخاصة و ليس لديك أدنى فرصة لعبور الطريق.

الخبز المحترق المهترئ المتسخ المقزز المكدس بالحشرات، و الماء العكر اللاذع المحمّل بالتراب، و نفس الحجرة القديمة الآيلة للسقوط بنفس العقار القديم الآيل للسقوط بنفس المدينة القديمة التي ليس لها أي وجود على الخريطة.

دخان السجائر المتزايد، و ازدياد اللهب مع استنشاق الغبار المتصاعد، و الهواء المتوقف عن الحراك، و الصمت الذي لا يعرف أي شئ عن هوية الكلام. هي حالة لا أستطيع تسميتها بالموت و لا بالحياة، و لا يمكن أن تكون من الماضي أو الحاضر أو المستقبل، و ليس من المفترض أن تكون واقعية و لا خيالية، و لكن التصوّر جائز في حالة أسرة تتكون من خمسة أفراد تتقاضى مائة جنية في الشهر و يجب عليها التعايش مع الوضع الراهن و تحمّل تكاليف الحياة التي أضحت باهظة حتى بالنسبة لشخص كان يعتقد نفسه ميسور الحال. طعام و مأوى و دواء كأدنى حد من متطلبات الحياة لفرد ربما يظل حياً لفترة من الزمن. وقت مستقطع من الحياة لا أدري إن كان من الحياة أم أنه تذكرة ذهاب و عودة لمنطقة اللا حياة.

هذه هي زجاجتنا السعيدة الحزينة التي نعيش فيها حتى أصبحت قبراً لا يوجد فيه ثقب إبرة للتنفس، و الحل هو الرضا بالأمر الواقع، و الإستسلام التام للتيار ليأخذكَ إلى القاع، و يسلبكَ الجزء المتبقى من الحياة لديكَ، و لا داعي للمقاومة فلا فائدة منها. زجاجة بها شوارع و قرى و بيوت و بشر و بعض الهواء الذي لا يصل إليه إلا الطبقات الأعلى من الناس، و نهر كبير لا يصلح للشرب، و إنما قبر لمن أراد الانتحار. 

عفواً إن كانت الحقيقة صارخة و جارحة، و قد لا تكون حقيقة و إنما هي مجرد قصة خيالية عن زجاجة ما.


أحــمـد فــايــز


17 مايو 2009

كوكب غباء



كوكب غباء


الواد ابني – ولا حول ولا قوة إلا بالله – اتولد وعنده مشكلة صعبة جداً، مع إننا كلنا في العيلة كويسين والحمد لله، الواد يا عيني اتولد (ذكي)! مش عارف أعمل إيه! لفيت بيه على كل الدكاترة وجبتله كل علاج قالولي عليه ومخلتش معايا مليم إلا وصرفته عليه عشان يتعالج ويبقى كويس كدة وغبي زيّنا. آخر مرة كنت عند دكتور كبير قوي، أول ما دخلت عليه استقبلني كويس جداً، وعمال يلاعب الواد، وبيسألني: "هو الولد ماله؟".
قولتله: "الولد .. للأسف .. ذكي".
اتنفض الدكتور واتغيرت ملامحه وقام جري على الأوضة التانية ورجع وهو لابس هدوم غريبة كدة زي رواد الفضاء وحاطط الكمامة ولابس الجوانتيات وبدأ يقرّب من الولد بحذر شديد وكأنه هينفجر في وشه! وبعد شوية فحوصات قعد معايا الدكتور وهو باين عليه الحزن، وقاللي: "يا أستاذ، ابنك للأسف ذكي فعلاً، ودي حاجة ما نقدرش نعترض عليها، ده قضاء ربنا، وللأسف مفيش علاج للمرض ده عندنا، بس ممكن تسافر بيه بره، بيقولوا إن هناك بيعملوا عمليات ذرع مخ غبي، عندهم بذور مخ غبية ومعتوهة، بيذرعوها في مخ ابنك وبتفضل تسقيها كل يوم لحد ما تكبر، وبعد شهرين تلاتة بيكون مخ ابنك الجديد نبّت وكبر وإن شاء الله يبقى كويس وآخر غباء. بس فيه مشكلة واحدة، وهية إن العملية دي مكلفة جداً، انت عارف إن حالة ابنك نادرة ومستعصية".
وخرجت من عند الدكتور وانا مش عارف أعمل إيه. الواد اللي حيلتي هيروح منّي. دا حتى الجيران عزّلوا، خايفين لا تكون الحالة معدية وتعديهم وتعدي عيالهم، ولما الشركة اللي أنا فيها عرفت إني عندي عيل ذكي رفدوني، واتهموني إني أنا كمان ذكي -والعياذ بالله– وبتظاهر بالغباء! يا رب اهديني لحل أساعد بيه ابني الوحيد. أيوة لقيتها، أنا أسفره كوكب ذكاء، لا لا حرام عليا، إزاي أبعته يعيش مع الناس دول، دول أذكيا -والعياذ بالله– حرام عليا أعمل فيه كدة، دا برضه مهما كان ابني. لكن الظاهر إن مفيش حل غير كدة، بس هودّيه إزاي! دا مفيش أي ميكروباصات بتروح هناك! وليهم حق، الناس خايفة تتعدي. طب أودّيه بالعجلة بتاعتي! بس دا المشوار بعيد، طب وانا أروح إزاي هناك! وهم هيسمحولنا نخش عندهم! مش عارف أعمل إيه، مش عارف. خلاص مفيش حل غير كدة. تاني يوم خدت العجلة بتاعتي وفردت الشراع بتاعها ووجهتها لكوكب ذكاء. وكل الناس تقوللي (ارجع يا مجنون، ارجع يا مجنون، ماتعملش في نفسك كدة، انت كدة بتنتحر). أنا ماسمعتش كلامهم، وكمّلت في سكتي لحد ما وصلت بوابة كوكب ذكاء، وهناك ركنت عجلتي وخبّطت على الباب، فتحلي واحد شكله زينا كدة، أنا خوفت جداً واترعبت، بس جمّدت قلبي، وكله يهون عشان خاطر ابني. لما شافني الراجل ده قالي: "أهلاً بيك في كوكبنا، كوكب ذكاء. اتفضل".
أنا مشيت بحذر، وبحاول أبعد عنه على قد ماقدر. ولما دخلت لقيت السما مليانه بلالين وورد، ولقيت فيه حاجات عالية، ولقيتهم حاطين المية في حاجات شفافة، والعجل عندهم ملوش جناحات، وشكلهم عادي يعني. أنا هديت شوية، وسألت الراجل اللي واقف عند الباب: "هو المستشفى عندكوا يروحولها منين؟".
قاللي: "امشي علطول هتلاقي يافطة مكتوب عليها مستشفى".
يافطة! يعني إيه يافطة! المهم مشيت وخلاص لحد ما قابلني مبنى كبير وشكله نضيف. وسألت واحد هناك: "هو فين المستشفى؟".
قاللي: "هي دي. اتفضل".
هي الناس هنا كلها بتقولي اتفضل ليه! دول شكلهم أذكيا بجد، ربنا يستر. ولما دخلت قابلتني واحدة وقالتلي: "اتفضل. إيه مشكلتك؟".
قولتلها: "دا ابني .. ابني .. ذكي".
قالتلي: "وإيه المشكلة؟".
قولتلها: "أنا عاوز أفحصه عشان اتطمّن عليه".
قالتلي: "ماشي. اتفضل معايا".
وخدت الواد مني، وكشفوا عليه، وقالولي: "الولد سليم وزي الفل، وكمان ذكاءه عالي جداً، وعشان كده هنعيّنه ملك على كوكبنا".
"ابني أنا! ملك! دا عنده خمس سنين! هيبقى ملك!".
قالتلي: "مش بالسن، وإنما بالعقل. احنا هنربيه ونكبره ونعلمه ولما يكبر هيبقى الملك بتاعنا".
الناس هنا شكلها كويسة، بس أنا مش فاهم هم ليها بيتصرفوا معانا كويس كدة، يكونش ده الذكاء اللي بيقولوا عنه! أنا شكلي مش هقدر أعيش معاهم هنا، مش هقدر أستحمل ذكاءهم. سيبتلهم ابني هناك ملك على كوكبهم، وخدت عجلتي وقلبت الشراع ورجعت تاني على كوكبنا العزيز (غباء). ولما رجعت لقيت الناس هم هم أغبيا زي ما هم. ركنت عجلتي قدام البيت، ودخلت نمت، وانا عارف إن محدش هيكلمني بعد كدة ولا يتعامل معايا لأني لسة راجع من كوكب ذكاء وأكيد اتعديت هناك وهم خايفين يتعدوا مني. الحقيقة، أنا يمكن أكون اتعديت فعلاً من الناس في كوكب ذكاء!

أقولكوا على نصيحة: (ما تخافوش تزوروا كوكب ذكاء. اركبوا عجلتكوا، وافردوا شراعها، وطيروا على هناك. جرّبوا، مش هتندموا).


أحمد فايز

لقد كنتَ نائماً




لقد كنتَ نائماً



هناك لحظاتٌ يتمرد فيها القلم وتتمرد فيها الأوراق على الواقع وعلى المفروض والمتوقع وعلى كل صور الإرادة الإنسانية، فقط يضع القلم مولوده الأول بعد حمل طويل لتتلقاهُ الأوراق ويبدأ عندها مشوار جديد.

بعد طول التخطيط والترتيب والحسابات والمهاترات لا تجرؤ هذه الريشة الواهية أن تتصدى لنسمة الهواء، تتكفأ في الطرقات وعلى الجدران وفي أي مكان شاءته الرياح، تتحسر! تندم! تبكي! وما الضيْر! فكل هذا سيذهب سُدى، فالرحيل مع أول قافلة.

هذه الأوراق المتناثرة في كل مكان تحاول أن تجمعها فاشلاً فتستسلم لهذا العبث ولهذه الفوضى العارمة التي اجتاحتكَ بلا سابق إنذار، وكنتَ قد اعتقدتَ مخطئاً أنكَ تملك زمام الأمور، إنها بالتاكيد لحظة من الضياع، لكن لا بأس، فكلنا ضائعون على متن هذه السفينة الضخمة العجوز الراسية في وسط اللامكان، والطريف أن كل منا يمسك بطرف ثوبه ويعتقد أنه على الطريق الصحيح، وأن هناك من يرشده ومن يؤنسه، ولو نظر أمامه بضع بوصات لرأى أن اليدين يديه وأن الثوب ثوبه!

يجري الصغار ويلعبون ويتمازحون وأنت تنظر بعينين لا تملكان عقلاً، فالعقل قد سبح بعيداً في مياه الذاكرة العميقة، حنينٌ إلى الراحة أو البلاهة أو أي صورة من صور اللاوعي التي تفقد عندها شعوركَ بكل ما يقلق أو ينغـّص عليكَ حياتكَ ولا يمنحكَ حتى بضع لحظات من الهدوء الفعلي، فدوماً تملك ذلك العقل الذي لا يتوقف عن سرد الهراء حول بطولاتكَ وماضيكَ وعملكَ ومالكَ ومشاعركَ وأصدقائكَ وأعدائكَ والحَجَر المُلقى على أول الطريق الذي تراه منذ أن تخرج من بيتكَ حتى تودّعه وتوليه ظهركَ. وحتى في الأحلام تتردد تلك الهواجس القديمة عن السقوط والبحث المضني، وعن حدائق الذهب التي تجنيها وما تلبث أن تتلاشى، وتلك الفتاة الجميلة التي تحتضنها بين ذراعيكَ المتكسّرين ثم تذوب كالدخان في ملابسكَ.

هذه هي الحقيقة المجردة بدون خداع أو تضليل، وحريٌّ بكَ أن تسمعها وتعقلها. فإن كنتَ من أنصار العقل والتفكير الموضوعي فعليكَ أن تبحث فيها وتفنّدها، وإن كنتَ من أنصار الشعور والوجدان فعليكَ أن تستشعرها وتحسها. هذا طبعاً إن كنتَ لاتزال حياً وتملك عقلاً أو وجداناً!

واعذرني إن لم أخبركَ بهذ مُسبقاً، فلعلكَ قد لاحظتَ هذه الكمية من الأصابع التي تضعها في أذنيكَ، وترتدي دوماً هذه النظارات القبيحة التي لم تكن ترى بها أي شئ سوى قدميكَ، وليتكَ كنتَ تراها على حقيقتها، وإنما أُخبركَ الآن حيث تعرّتْ لكَ الحقيقة بجسدها الدميم، بعد أن كانت دوماً تستر نفسها، بل وتحاول أن تغريكَ بهذه الملابس المزخرفة المثيرة، وحين تكشّفتْ رأيتَ أن كل هذا كان تزويراً منها وحماقة منكَ. وأن آذانكَ الكبيرة هذه لم تكن تسمع غير ما يُلقى فيها من قمامة الأفواه العَفِنة وألوان عقلكَ المصطنعة، وتلك العيون العمياء التي تمتلكها لم تخبركَ من قبل أنها لا ترى شيئاً، ولكنها أوهمتكَ ببعض الصور المختلقة من عقلكَ المريض، أن الورد ينبت في الصحراء، وأن الماء قد يتسلق الجدران، وأن الطيور تغني من فرط السعادة، وأنكَ قد تحيا حياة طبيعية وسط هذا الزخم من الشذوذ والاعتلال.

عفواً، لقد كنتَ نائماً لفترةٍ طويلةٍ جداً، وقد حان الوقت لكي تستيقظ.



أحمد فايز

رفيقي القديم




رفيقي القديم


أخبرني يا رفيقي القديم لماذا مللت الطيران وتكاسل جناحاكَ واستسلمْتَ لهذه الزوبعة تقذفكَ حيث شاءت؟! لماذا لا تصرخ في هذا الأفق الذي تشقه في الصباح وفي المساء؟! لماذا استسلمْتَ للسقوط والإرهاق والإعياء؟! أخبرني، فقد أساعدكَ حتى تعود لتملك تلك السماء من جديد، حتى يعود جناحاكَ يشقان السحاب الكثيف، ويعود صوتكَ يدوي في الأفق.

أذكر تلاقينا قديماً عند المرفأ المهجور، حيث يستريح كل منا من عنائه، نلتقط الأنفاس، نتبادل الحكايا والنكات، ثم تعود تحلق من جديد في هذا الفضاء الواسع. لمَ أراكَ اليوم حزيناً، مثقلاً بالهموم والأوجاع! لم تركتَ العِناد! وقد علمتكَ طويلاً عنيد الطبع. لم أراكَ اليوم كالمركب المتهالك في وسط المحيط يقذفها الموج إلى أي مكان! لم لا تقاوم التيار وتأمر جناحيكَ بمواصلة الطيران والتحليق!

يا رفيقي القديم إنه ليحزنني أن أراكَ على ما أنتَ عليه من الهزيمة والانكسار، ويتعبني رؤيتكَ على هذه الهيئة المزرية، فأنتَ من الأحياء ولكنكَ أقرب في صورتكَ إلى الأموات. أين البريق القديم في عينيكَ الواسعتين! وأين الصخب الذي اعتدتَ أن تحدِثه حولك! أين ترهاتي وترهاتكَ القديمة! انتهت ترهاتنا! وها أنا أراكَ وحيداً لا تملك حتى الرغبة في البقاء.

يا رفيقي، إن وجدتَ أن حياتكَ مجرد مزحة، فلم لا تبقيها حتى نمزح سوياً! وإن كنتَ تراها كذبة، فلم لا تتركها حتى نخلق من بين كذبها الداكن بعض الصدق اللامع! وإن كنتَ تحسبها طريقاً طويلاً من الألم، فهلا أعطيتني الفرصة كي أشارككَ هذا الألم فنقتسمه سوياً، يرشف كل منا بعض الجرعات منه!

يا رفيقي القديم، يعزّ عليّ ترككَ كالغريق ولا ألقي بنفسي خلفكَ كطوق نجاة، ويعزّ عليّ أن أراكَ مبعثراً كذرات الدقيق تذروها الرياح ولا أقف حاجزاً أمام هذي الرياح، ألملم ذراتكَ، أجمعكَ، وأعيدكَ كما كنتَ ذلك الرفيق القديم.

رفيقي القديم، أينما كنتَ فاعلم أنني لازلتُ على عهدي، منتظراً عند المرفأ المهجور، متشوقاً لأن نتبادل الحكايا والنكات السخيفة، ثم يرحل كل منا إلى حيث كان. وعلى الرغم من تباعدنا وتجافينا فيكفيني أن أعلم أنكَ لازلتَ موجوداً، ولتعلم أنني لا زلتُ موجوداً في مكان ما بهذه الأرض، وقد صنعتُ من كفيّ متكأً، وصنعتُ من الكلمات واحة خضراء.



أحمد فايز

أدب الرعب




أدب الرعب
(البحث عن المعاناة)




(ثم أقبل هذا الشبح الأسود القبيح نحوي، وجذبني من ملابسي، وأخذ يلتهمني قطعة قطعة، ثم استيقظتُ وأنا أصرخ وأركض في كل مكان محاولاً الهرب من هذا الشبح الذي ليس له وجود إلا في أحلامي! وعندما تيقنتُ أنني كنتُ أحلم التقطتُ هذا الكتاب من جديد لأرى ماذا فعل الشبح بعد أن التهم أهل هذه القرية بالكامل)!


(مع احترامي لكل كتّاب هذا النوع من الأدب، واحترامي لكل محبيه)



قرأتُ كلاماً للدكتور (أحمد خالد توفيق) يقول فيها عن كتابته لقصص الرعب ما معناه أنه يكتب عن مخاوفه. ومع احترامي الشديد له وحبي لكتاباته الأخرى إلا أنني حقاً أفضّل مقالاته التي تنقاش أحوالنا في صورة فكاهية والتي تندرج تحت مبدأ (هم يضحّك)، ولا أذكره هنا من باب –وكما يقول هو– الظهور على حساب إلقاء الأخرين بالحجارة.

إذا لم نستطع مواجهة مخاوفنا، ولم نعرف كيف نحوّلها إلى مزحة، فما الداعي إلى أن نجعل منها شبحاً قبيحاً يطاردنا في كل مكان! ما الداعي للعراك مع هذا المسخ أو هذه الجنية! وما الداعي للبقاء في هذا البيت المظلم في وسط الغابة مع هذه الموسيقى التصويرية المخيفة! أنا حقاً لا أرى أي مبرر لأن نجسّد مخاوفنا بهذا الشكل، ولا أعتقد أن هناك شخصاً يمتلك كل هذا الكم من الخوف إلا إذا كان خوفاً مَرَضياً. مجرد حرق للأعصاب، وصنع مشكلة ومعضلة تؤرّقنا نصنعها من لا شئ. أعتقد أن هذا شئ في منتهى الحماقة.

هذا النوع من الأفلام الأمريكية التي تعرض نفس القصة المكررة عن هؤلاء العُصبة من الرفاق في جولة إلى مكان ما ناءٍ عن المدينة، موحش، ولابد أن يكون معزولاً لتصعيب طلب المساعدة أو الهروب. بعد فترة من المرح يبدأ الرعب يخيّم على المكان، ويبدأ هذا الوحش في إطلاق صرخاته وضحكاته، ويبدأ هؤلاء الأشخاص في الركض بخوف وهلع. وتتكرر هذه القصة مع بعض التعديلات في الأبطال وصورة هذا الوحش المرعب والذي يتفننون في إظهار جوانبه الوحشية المرعبة.

هذا الأدب المرعب في صورته العصرية والتي يحاول بعض الكتّاب نقلها لنا في صورة معرَّبة، وفي الحقيقة أن هذا النوع من الأدب كان موجوداً قبل هذا، ونعرف جميعاً قصص (أمّنا الغولة) و(أبو رجل مسلوخة) التي كان يحكيها الأجداد لأحفادهم، ولا أدري أيضاً لمَ كان هؤلاء الأشخاص يقصّون مثل هذه الخرافات المخيفة للأطفال!

ما يقلق فعلاً هو تهافت الكثير على مثل هذه القصص والروايات ولا أدري ما السبب. فهناك سبب عندما تجد الناس يركضون خلف الأفلام الكوميدية، ويبحثون عن النكت ولو حتى في صناديق القمامة، فهم يحاولون الهرب من همومهم وما ينغّص عليهم حياتهم إلى جنة الضحك، حتى وإن كان هذا الضحك لدقائق معدودة يُطردون بعدها من نعيم جنة الراحة، ويعودون من جديد لحياتهم ذات الوتيرة المملة الكئيبة. ما يحيرني هو لم قد يهرب أي شخص إلى جهنم! ما الذي يجنيه شخص عندما يملأ قلبه الرعب، ويكاد يتوقف قلبه من الخوف، ويتصبب عرقاً، ويبيت ليلته بين أحضان مصاصي الدماء والمستذئبين! هل يملك هذا الشخص كمية هائلة من الراحة والسعادة ويود أن يتخلص من بعضها! أعتقد أن مثل هؤلاء الأشخاص يجب أن يبحثوا عن طبيب نفسي لأنهم بالتأكيد مرضى.

أنا بالفعل مكتف بما في الحياة من رعب وقلق وهم ألاقيه يومياً، في الطريق، في المواصلات، في العمل، وفي كل مكان. ليس بالضرورة في صورة المارد الشرير أو الشبح القبيح، ولكن هناك بالتأكيد ما يكفي من الرعب للجميع، فلا داعي للبحث عن المزيد.



أحمد فايز


04 مايو 2009

قيّم نفسك





ساعات الواحد بيقف مع نفسه شوية كدة ويفكر هو عمل إيه، وبيعمل إيه، وهيعمل إيه. وفيه ناس كتير عايشة كدة وخلاص، ومابتفكرش في الحكاية دي.
وفيه ناس بتفكر كتير في كدة. هو فيه فرق بينهم! يعني مهم إن الواحد يقيم حياته من وقت للتاني! الإجابة الأقرب للصواب والمنطق المعتدل هي (نعم). طب ليه؟ والإجابة برضه بسيطة؛ مهم إنك لما تعمل حاجة تراجعها عشان تشوف إذا كان فيها أخطاء، وتشوف إذا كان ممكن تبقى أحسن، وتشوف إذا كان أسلوبك وطريقتك صح، وتشوف إذا كان فيه أساليب وطرق تانية أفضل. صعب قوي إن الواحد يعيش فترة طويلة وبعد كدة لما يراجع حياته -بالصدفة- يلاقي إن كان فيه حاجات كتير قوي غلط وكانت محتاجة تصحيح لكنه للأسف ماصححهاش لأنه ما بصش عليها، وعدّت. ويرجع يندم، ويا ريت الندم بيفيد.

خد ولو حتى خمس دقايق كل يوم، أو حتى دقيقة، وفكر عملت إيه وهتعمل إيه. وقيم نفسك بشكل موضوعي. قيم يومك، أسبوعك، شهرك، سنتك. دي أفضل طريقة ممكن تعيش بيها حياتك.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك