17 مايو 2009

كوكب غباء



كوكب غباء


الواد ابني – ولا حول ولا قوة إلا بالله – اتولد وعنده مشكلة صعبة جداً، مع إننا كلنا في العيلة كويسين والحمد لله، الواد يا عيني اتولد (ذكي)! مش عارف أعمل إيه! لفيت بيه على كل الدكاترة وجبتله كل علاج قالولي عليه ومخلتش معايا مليم إلا وصرفته عليه عشان يتعالج ويبقى كويس كدة وغبي زيّنا. آخر مرة كنت عند دكتور كبير قوي، أول ما دخلت عليه استقبلني كويس جداً، وعمال يلاعب الواد، وبيسألني: "هو الولد ماله؟".
قولتله: "الولد .. للأسف .. ذكي".
اتنفض الدكتور واتغيرت ملامحه وقام جري على الأوضة التانية ورجع وهو لابس هدوم غريبة كدة زي رواد الفضاء وحاطط الكمامة ولابس الجوانتيات وبدأ يقرّب من الولد بحذر شديد وكأنه هينفجر في وشه! وبعد شوية فحوصات قعد معايا الدكتور وهو باين عليه الحزن، وقاللي: "يا أستاذ، ابنك للأسف ذكي فعلاً، ودي حاجة ما نقدرش نعترض عليها، ده قضاء ربنا، وللأسف مفيش علاج للمرض ده عندنا، بس ممكن تسافر بيه بره، بيقولوا إن هناك بيعملوا عمليات ذرع مخ غبي، عندهم بذور مخ غبية ومعتوهة، بيذرعوها في مخ ابنك وبتفضل تسقيها كل يوم لحد ما تكبر، وبعد شهرين تلاتة بيكون مخ ابنك الجديد نبّت وكبر وإن شاء الله يبقى كويس وآخر غباء. بس فيه مشكلة واحدة، وهية إن العملية دي مكلفة جداً، انت عارف إن حالة ابنك نادرة ومستعصية".
وخرجت من عند الدكتور وانا مش عارف أعمل إيه. الواد اللي حيلتي هيروح منّي. دا حتى الجيران عزّلوا، خايفين لا تكون الحالة معدية وتعديهم وتعدي عيالهم، ولما الشركة اللي أنا فيها عرفت إني عندي عيل ذكي رفدوني، واتهموني إني أنا كمان ذكي -والعياذ بالله– وبتظاهر بالغباء! يا رب اهديني لحل أساعد بيه ابني الوحيد. أيوة لقيتها، أنا أسفره كوكب ذكاء، لا لا حرام عليا، إزاي أبعته يعيش مع الناس دول، دول أذكيا -والعياذ بالله– حرام عليا أعمل فيه كدة، دا برضه مهما كان ابني. لكن الظاهر إن مفيش حل غير كدة، بس هودّيه إزاي! دا مفيش أي ميكروباصات بتروح هناك! وليهم حق، الناس خايفة تتعدي. طب أودّيه بالعجلة بتاعتي! بس دا المشوار بعيد، طب وانا أروح إزاي هناك! وهم هيسمحولنا نخش عندهم! مش عارف أعمل إيه، مش عارف. خلاص مفيش حل غير كدة. تاني يوم خدت العجلة بتاعتي وفردت الشراع بتاعها ووجهتها لكوكب ذكاء. وكل الناس تقوللي (ارجع يا مجنون، ارجع يا مجنون، ماتعملش في نفسك كدة، انت كدة بتنتحر). أنا ماسمعتش كلامهم، وكمّلت في سكتي لحد ما وصلت بوابة كوكب ذكاء، وهناك ركنت عجلتي وخبّطت على الباب، فتحلي واحد شكله زينا كدة، أنا خوفت جداً واترعبت، بس جمّدت قلبي، وكله يهون عشان خاطر ابني. لما شافني الراجل ده قالي: "أهلاً بيك في كوكبنا، كوكب ذكاء. اتفضل".
أنا مشيت بحذر، وبحاول أبعد عنه على قد ماقدر. ولما دخلت لقيت السما مليانه بلالين وورد، ولقيت فيه حاجات عالية، ولقيتهم حاطين المية في حاجات شفافة، والعجل عندهم ملوش جناحات، وشكلهم عادي يعني. أنا هديت شوية، وسألت الراجل اللي واقف عند الباب: "هو المستشفى عندكوا يروحولها منين؟".
قاللي: "امشي علطول هتلاقي يافطة مكتوب عليها مستشفى".
يافطة! يعني إيه يافطة! المهم مشيت وخلاص لحد ما قابلني مبنى كبير وشكله نضيف. وسألت واحد هناك: "هو فين المستشفى؟".
قاللي: "هي دي. اتفضل".
هي الناس هنا كلها بتقولي اتفضل ليه! دول شكلهم أذكيا بجد، ربنا يستر. ولما دخلت قابلتني واحدة وقالتلي: "اتفضل. إيه مشكلتك؟".
قولتلها: "دا ابني .. ابني .. ذكي".
قالتلي: "وإيه المشكلة؟".
قولتلها: "أنا عاوز أفحصه عشان اتطمّن عليه".
قالتلي: "ماشي. اتفضل معايا".
وخدت الواد مني، وكشفوا عليه، وقالولي: "الولد سليم وزي الفل، وكمان ذكاءه عالي جداً، وعشان كده هنعيّنه ملك على كوكبنا".
"ابني أنا! ملك! دا عنده خمس سنين! هيبقى ملك!".
قالتلي: "مش بالسن، وإنما بالعقل. احنا هنربيه ونكبره ونعلمه ولما يكبر هيبقى الملك بتاعنا".
الناس هنا شكلها كويسة، بس أنا مش فاهم هم ليها بيتصرفوا معانا كويس كدة، يكونش ده الذكاء اللي بيقولوا عنه! أنا شكلي مش هقدر أعيش معاهم هنا، مش هقدر أستحمل ذكاءهم. سيبتلهم ابني هناك ملك على كوكبهم، وخدت عجلتي وقلبت الشراع ورجعت تاني على كوكبنا العزيز (غباء). ولما رجعت لقيت الناس هم هم أغبيا زي ما هم. ركنت عجلتي قدام البيت، ودخلت نمت، وانا عارف إن محدش هيكلمني بعد كدة ولا يتعامل معايا لأني لسة راجع من كوكب ذكاء وأكيد اتعديت هناك وهم خايفين يتعدوا مني. الحقيقة، أنا يمكن أكون اتعديت فعلاً من الناس في كوكب ذكاء!

أقولكوا على نصيحة: (ما تخافوش تزوروا كوكب ذكاء. اركبوا عجلتكوا، وافردوا شراعها، وطيروا على هناك. جرّبوا، مش هتندموا).


أحمد فايز

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك