17 مايو 2009

أدب الرعب




أدب الرعب
(البحث عن المعاناة)




(ثم أقبل هذا الشبح الأسود القبيح نحوي، وجذبني من ملابسي، وأخذ يلتهمني قطعة قطعة، ثم استيقظتُ وأنا أصرخ وأركض في كل مكان محاولاً الهرب من هذا الشبح الذي ليس له وجود إلا في أحلامي! وعندما تيقنتُ أنني كنتُ أحلم التقطتُ هذا الكتاب من جديد لأرى ماذا فعل الشبح بعد أن التهم أهل هذه القرية بالكامل)!


(مع احترامي لكل كتّاب هذا النوع من الأدب، واحترامي لكل محبيه)



قرأتُ كلاماً للدكتور (أحمد خالد توفيق) يقول فيها عن كتابته لقصص الرعب ما معناه أنه يكتب عن مخاوفه. ومع احترامي الشديد له وحبي لكتاباته الأخرى إلا أنني حقاً أفضّل مقالاته التي تنقاش أحوالنا في صورة فكاهية والتي تندرج تحت مبدأ (هم يضحّك)، ولا أذكره هنا من باب –وكما يقول هو– الظهور على حساب إلقاء الأخرين بالحجارة.

إذا لم نستطع مواجهة مخاوفنا، ولم نعرف كيف نحوّلها إلى مزحة، فما الداعي إلى أن نجعل منها شبحاً قبيحاً يطاردنا في كل مكان! ما الداعي للعراك مع هذا المسخ أو هذه الجنية! وما الداعي للبقاء في هذا البيت المظلم في وسط الغابة مع هذه الموسيقى التصويرية المخيفة! أنا حقاً لا أرى أي مبرر لأن نجسّد مخاوفنا بهذا الشكل، ولا أعتقد أن هناك شخصاً يمتلك كل هذا الكم من الخوف إلا إذا كان خوفاً مَرَضياً. مجرد حرق للأعصاب، وصنع مشكلة ومعضلة تؤرّقنا نصنعها من لا شئ. أعتقد أن هذا شئ في منتهى الحماقة.

هذا النوع من الأفلام الأمريكية التي تعرض نفس القصة المكررة عن هؤلاء العُصبة من الرفاق في جولة إلى مكان ما ناءٍ عن المدينة، موحش، ولابد أن يكون معزولاً لتصعيب طلب المساعدة أو الهروب. بعد فترة من المرح يبدأ الرعب يخيّم على المكان، ويبدأ هذا الوحش في إطلاق صرخاته وضحكاته، ويبدأ هؤلاء الأشخاص في الركض بخوف وهلع. وتتكرر هذه القصة مع بعض التعديلات في الأبطال وصورة هذا الوحش المرعب والذي يتفننون في إظهار جوانبه الوحشية المرعبة.

هذا الأدب المرعب في صورته العصرية والتي يحاول بعض الكتّاب نقلها لنا في صورة معرَّبة، وفي الحقيقة أن هذا النوع من الأدب كان موجوداً قبل هذا، ونعرف جميعاً قصص (أمّنا الغولة) و(أبو رجل مسلوخة) التي كان يحكيها الأجداد لأحفادهم، ولا أدري أيضاً لمَ كان هؤلاء الأشخاص يقصّون مثل هذه الخرافات المخيفة للأطفال!

ما يقلق فعلاً هو تهافت الكثير على مثل هذه القصص والروايات ولا أدري ما السبب. فهناك سبب عندما تجد الناس يركضون خلف الأفلام الكوميدية، ويبحثون عن النكت ولو حتى في صناديق القمامة، فهم يحاولون الهرب من همومهم وما ينغّص عليهم حياتهم إلى جنة الضحك، حتى وإن كان هذا الضحك لدقائق معدودة يُطردون بعدها من نعيم جنة الراحة، ويعودون من جديد لحياتهم ذات الوتيرة المملة الكئيبة. ما يحيرني هو لم قد يهرب أي شخص إلى جهنم! ما الذي يجنيه شخص عندما يملأ قلبه الرعب، ويكاد يتوقف قلبه من الخوف، ويتصبب عرقاً، ويبيت ليلته بين أحضان مصاصي الدماء والمستذئبين! هل يملك هذا الشخص كمية هائلة من الراحة والسعادة ويود أن يتخلص من بعضها! أعتقد أن مثل هؤلاء الأشخاص يجب أن يبحثوا عن طبيب نفسي لأنهم بالتأكيد مرضى.

أنا بالفعل مكتف بما في الحياة من رعب وقلق وهم ألاقيه يومياً، في الطريق، في المواصلات، في العمل، وفي كل مكان. ليس بالضرورة في صورة المارد الشرير أو الشبح القبيح، ولكن هناك بالتأكيد ما يكفي من الرعب للجميع، فلا داعي للبحث عن المزيد.



أحمد فايز


ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك