27 مايو 2009

التجول داخل زجاجة



التجول داخل زجاجة


بلوريّة الأركان و الآفاق و الماضي و المستقبل، مشمسة دوماً و مظلمة دوماً، معزولة الأصوات و الروائح، و بعض الصور المتتابعة بين الحين و الحين تمر على استحياء، و صور أخرى تقف أمامي بالساعات فقط لكي تخرج لي لسانها !

منذ الصباح الباكر و حتى سقوط الشمس في بئر المغيب، و السير المُجـِدُّ في كافة الأقطار من أجل المال أو الطعام، و البحث المضني المكلل بالفشل و خيبة الرجاء، و الدعوات الحارة المتتالية من فم الشحاذ القاطن ناصية الطريق و التي ما تلبث أن تتحول إلى سباب حين لا تعره انتباهك. الشمس المحرقة في ساعة الظهيرة في يوم من أيام الصيف الملتهب، و البرد القارس في ليلة معتمة من أيام الشتاء البارد، و السيارات المتسابقة كل في مضمار حياته الخاصة و ليس لديك أدنى فرصة لعبور الطريق.

الخبز المحترق المهترئ المتسخ المقزز المكدس بالحشرات، و الماء العكر اللاذع المحمّل بالتراب، و نفس الحجرة القديمة الآيلة للسقوط بنفس العقار القديم الآيل للسقوط بنفس المدينة القديمة التي ليس لها أي وجود على الخريطة.

دخان السجائر المتزايد، و ازدياد اللهب مع استنشاق الغبار المتصاعد، و الهواء المتوقف عن الحراك، و الصمت الذي لا يعرف أي شئ عن هوية الكلام. هي حالة لا أستطيع تسميتها بالموت و لا بالحياة، و لا يمكن أن تكون من الماضي أو الحاضر أو المستقبل، و ليس من المفترض أن تكون واقعية و لا خيالية، و لكن التصوّر جائز في حالة أسرة تتكون من خمسة أفراد تتقاضى مائة جنية في الشهر و يجب عليها التعايش مع الوضع الراهن و تحمّل تكاليف الحياة التي أضحت باهظة حتى بالنسبة لشخص كان يعتقد نفسه ميسور الحال. طعام و مأوى و دواء كأدنى حد من متطلبات الحياة لفرد ربما يظل حياً لفترة من الزمن. وقت مستقطع من الحياة لا أدري إن كان من الحياة أم أنه تذكرة ذهاب و عودة لمنطقة اللا حياة.

هذه هي زجاجتنا السعيدة الحزينة التي نعيش فيها حتى أصبحت قبراً لا يوجد فيه ثقب إبرة للتنفس، و الحل هو الرضا بالأمر الواقع، و الإستسلام التام للتيار ليأخذكَ إلى القاع، و يسلبكَ الجزء المتبقى من الحياة لديكَ، و لا داعي للمقاومة فلا فائدة منها. زجاجة بها شوارع و قرى و بيوت و بشر و بعض الهواء الذي لا يصل إليه إلا الطبقات الأعلى من الناس، و نهر كبير لا يصلح للشرب، و إنما قبر لمن أراد الانتحار. 

عفواً إن كانت الحقيقة صارخة و جارحة، و قد لا تكون حقيقة و إنما هي مجرد قصة خيالية عن زجاجة ما.


أحــمـد فــايــز


ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك