17 مايو 2009

لقد كنتَ نائماً




لقد كنتَ نائماً



هناك لحظاتٌ يتمرد فيها القلم وتتمرد فيها الأوراق على الواقع وعلى المفروض والمتوقع وعلى كل صور الإرادة الإنسانية، فقط يضع القلم مولوده الأول بعد حمل طويل لتتلقاهُ الأوراق ويبدأ عندها مشوار جديد.

بعد طول التخطيط والترتيب والحسابات والمهاترات لا تجرؤ هذه الريشة الواهية أن تتصدى لنسمة الهواء، تتكفأ في الطرقات وعلى الجدران وفي أي مكان شاءته الرياح، تتحسر! تندم! تبكي! وما الضيْر! فكل هذا سيذهب سُدى، فالرحيل مع أول قافلة.

هذه الأوراق المتناثرة في كل مكان تحاول أن تجمعها فاشلاً فتستسلم لهذا العبث ولهذه الفوضى العارمة التي اجتاحتكَ بلا سابق إنذار، وكنتَ قد اعتقدتَ مخطئاً أنكَ تملك زمام الأمور، إنها بالتاكيد لحظة من الضياع، لكن لا بأس، فكلنا ضائعون على متن هذه السفينة الضخمة العجوز الراسية في وسط اللامكان، والطريف أن كل منا يمسك بطرف ثوبه ويعتقد أنه على الطريق الصحيح، وأن هناك من يرشده ومن يؤنسه، ولو نظر أمامه بضع بوصات لرأى أن اليدين يديه وأن الثوب ثوبه!

يجري الصغار ويلعبون ويتمازحون وأنت تنظر بعينين لا تملكان عقلاً، فالعقل قد سبح بعيداً في مياه الذاكرة العميقة، حنينٌ إلى الراحة أو البلاهة أو أي صورة من صور اللاوعي التي تفقد عندها شعوركَ بكل ما يقلق أو ينغـّص عليكَ حياتكَ ولا يمنحكَ حتى بضع لحظات من الهدوء الفعلي، فدوماً تملك ذلك العقل الذي لا يتوقف عن سرد الهراء حول بطولاتكَ وماضيكَ وعملكَ ومالكَ ومشاعركَ وأصدقائكَ وأعدائكَ والحَجَر المُلقى على أول الطريق الذي تراه منذ أن تخرج من بيتكَ حتى تودّعه وتوليه ظهركَ. وحتى في الأحلام تتردد تلك الهواجس القديمة عن السقوط والبحث المضني، وعن حدائق الذهب التي تجنيها وما تلبث أن تتلاشى، وتلك الفتاة الجميلة التي تحتضنها بين ذراعيكَ المتكسّرين ثم تذوب كالدخان في ملابسكَ.

هذه هي الحقيقة المجردة بدون خداع أو تضليل، وحريٌّ بكَ أن تسمعها وتعقلها. فإن كنتَ من أنصار العقل والتفكير الموضوعي فعليكَ أن تبحث فيها وتفنّدها، وإن كنتَ من أنصار الشعور والوجدان فعليكَ أن تستشعرها وتحسها. هذا طبعاً إن كنتَ لاتزال حياً وتملك عقلاً أو وجداناً!

واعذرني إن لم أخبركَ بهذ مُسبقاً، فلعلكَ قد لاحظتَ هذه الكمية من الأصابع التي تضعها في أذنيكَ، وترتدي دوماً هذه النظارات القبيحة التي لم تكن ترى بها أي شئ سوى قدميكَ، وليتكَ كنتَ تراها على حقيقتها، وإنما أُخبركَ الآن حيث تعرّتْ لكَ الحقيقة بجسدها الدميم، بعد أن كانت دوماً تستر نفسها، بل وتحاول أن تغريكَ بهذه الملابس المزخرفة المثيرة، وحين تكشّفتْ رأيتَ أن كل هذا كان تزويراً منها وحماقة منكَ. وأن آذانكَ الكبيرة هذه لم تكن تسمع غير ما يُلقى فيها من قمامة الأفواه العَفِنة وألوان عقلكَ المصطنعة، وتلك العيون العمياء التي تمتلكها لم تخبركَ من قبل أنها لا ترى شيئاً، ولكنها أوهمتكَ ببعض الصور المختلقة من عقلكَ المريض، أن الورد ينبت في الصحراء، وأن الماء قد يتسلق الجدران، وأن الطيور تغني من فرط السعادة، وأنكَ قد تحيا حياة طبيعية وسط هذا الزخم من الشذوذ والاعتلال.

عفواً، لقد كنتَ نائماً لفترةٍ طويلةٍ جداً، وقد حان الوقت لكي تستيقظ.



أحمد فايز

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك