17 مايو 2009

رفيقي القديم




رفيقي القديم


أخبرني يا رفيقي القديم لماذا مللت الطيران وتكاسل جناحاكَ واستسلمْتَ لهذه الزوبعة تقذفكَ حيث شاءت؟! لماذا لا تصرخ في هذا الأفق الذي تشقه في الصباح وفي المساء؟! لماذا استسلمْتَ للسقوط والإرهاق والإعياء؟! أخبرني، فقد أساعدكَ حتى تعود لتملك تلك السماء من جديد، حتى يعود جناحاكَ يشقان السحاب الكثيف، ويعود صوتكَ يدوي في الأفق.

أذكر تلاقينا قديماً عند المرفأ المهجور، حيث يستريح كل منا من عنائه، نلتقط الأنفاس، نتبادل الحكايا والنكات، ثم تعود تحلق من جديد في هذا الفضاء الواسع. لمَ أراكَ اليوم حزيناً، مثقلاً بالهموم والأوجاع! لم تركتَ العِناد! وقد علمتكَ طويلاً عنيد الطبع. لم أراكَ اليوم كالمركب المتهالك في وسط المحيط يقذفها الموج إلى أي مكان! لم لا تقاوم التيار وتأمر جناحيكَ بمواصلة الطيران والتحليق!

يا رفيقي القديم إنه ليحزنني أن أراكَ على ما أنتَ عليه من الهزيمة والانكسار، ويتعبني رؤيتكَ على هذه الهيئة المزرية، فأنتَ من الأحياء ولكنكَ أقرب في صورتكَ إلى الأموات. أين البريق القديم في عينيكَ الواسعتين! وأين الصخب الذي اعتدتَ أن تحدِثه حولك! أين ترهاتي وترهاتكَ القديمة! انتهت ترهاتنا! وها أنا أراكَ وحيداً لا تملك حتى الرغبة في البقاء.

يا رفيقي، إن وجدتَ أن حياتكَ مجرد مزحة، فلم لا تبقيها حتى نمزح سوياً! وإن كنتَ تراها كذبة، فلم لا تتركها حتى نخلق من بين كذبها الداكن بعض الصدق اللامع! وإن كنتَ تحسبها طريقاً طويلاً من الألم، فهلا أعطيتني الفرصة كي أشارككَ هذا الألم فنقتسمه سوياً، يرشف كل منا بعض الجرعات منه!

يا رفيقي القديم، يعزّ عليّ ترككَ كالغريق ولا ألقي بنفسي خلفكَ كطوق نجاة، ويعزّ عليّ أن أراكَ مبعثراً كذرات الدقيق تذروها الرياح ولا أقف حاجزاً أمام هذي الرياح، ألملم ذراتكَ، أجمعكَ، وأعيدكَ كما كنتَ ذلك الرفيق القديم.

رفيقي القديم، أينما كنتَ فاعلم أنني لازلتُ على عهدي، منتظراً عند المرفأ المهجور، متشوقاً لأن نتبادل الحكايا والنكات السخيفة، ثم يرحل كل منا إلى حيث كان. وعلى الرغم من تباعدنا وتجافينا فيكفيني أن أعلم أنكَ لازلتَ موجوداً، ولتعلم أنني لا زلتُ موجوداً في مكان ما بهذه الأرض، وقد صنعتُ من كفيّ متكأً، وصنعتُ من الكلمات واحة خضراء.



أحمد فايز

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك