25 أغسطس 2009

ذات الأرباب


ذاتُ الأربابِ



كنا نسير جنباً إلى جنب في الطريق، توقفتْ ثم التفتتْ إلىّ وقالت: "يكفي هذا، لا أستطيع السير أكثر من ذلك".

توقفتُ أنا أيضاً،و سألتها: "تعبتي من السير! هل تودّين الاستراحة قليلاً!".

قالت: "لا، بل أريد الركض، فلقد مللتُ مشيكَ البطيئ، وصبركَ المبالغ فيه".

تعجبتُ من قولها وأردتُ أن أرى منتهى الحوار فقلتُ: "تبدين يا آنستي طموحة، فكيف ترين السبيل لتحقيق طموحكِ؟".

قالت: "أنا إذا أردتُ شيئاً سرتُ نحوه بجد وسارعتُ الخـُطا. لا أملُّ إن كان بعيداً ولا أيأس إن تعثرتُ في طريقي إليه. أحطم كل صعب وأتجاوز كل عسير. وفي النهاية أجد ما أريد".

أعجبني منطقها في البداية لكنها أكملتْ بعد ذلك بكلام غريب، قالت: "إذا تحطمتْ أقدامي أحلّق بأجنحتي، وإذا تكسّرتْ أجنحتي فإن ربّي الأول يحملني إلى حيث أريد".

ربها الأول! أيُّ ربٍّ تتحدث عنه!

ثم واصلتْ تقول: "ثم إذا متُّ فإن ربّي الثاني سوف يحييني كما كنتُ".

لا يبدو كلامها طبيعياً على الإطلاق!

ثم أكملتْ: "ثم إذا عُدْتُ من موتي أجد ربّي الثالث منتظراً مرافقتي نحو النور".

"عن أيِّ أربابٍ تتحدثين يا آنستي؟!".

"إذا تكسّرتْ أجنحة قدرتي فإن ربّي الأول (الجمال) يحملني إلى حيث أريد. وإذا شعرتُ بالجوع فإن ربّي الثاني (المال) يطعمني ما شئتُ. وأجد بعد ذلك ربي الثالث (السُلطة) ينتظرني ويوصلني إلى نور الحياة وبريق المجد الأبدي".

منطقها يبدو الآن ذكياً على الرغم من دناءته. الآن أعلم أنها امرأة تصل إلى مبتغاها من المال والسلطة عن طريق بيع جمالها لمن يدفع ولا تملّ ذلك على الإطلاق.

تركتها تركض بعيداً لعلها تلقى ما تريد.

ثم التقيتها بعد عام فوجدتها ترتدي الأسود فسألتها: "لماذا السواد؟!".

قالتْ: "لقد مات ربي الثالث (السُلطة)".

ثم التقيتها بعد عام آخر فوجدتها أيضاً ترتدي الأسود فسألتها: "لماذا لازلتِ ترتدين الأسود؟!".

قالتْ: "لقد مات ربي الثاني (المال)".

ثم التقيتها بعد عشرة أعوام فوجدتها لا زالتْ ترفل في السواد فسألتها: "لماذا يا عزيزتي لا زال اللون الأسود لكي رفيقاً؟!".

قالت: "ألا ترى! لقد مات ربي الثالث (الجمال)". وقد بدا عليها علامات التقدم في السن.

ثم قالتْ: "ألا تملك ربّاً من أجلي؟".

فقلتُ: "يا عزيزتي، أنا لا أملك غير ربٍّ واحدٍ لا شريك له"!



أحمد فايز

بالأمس قد مات


بالأمس قد مات

نعم قد مات، و واراه التراب، و بالأمس كان آخر عهدي به. قد كنتُ أترقــّـب موته منذ زمن، و حيث أننا قليلاً ما نفترق، فلقد علمتُ بدنو أجله، و بقرب رحيله، و لكن كان الأمر مجرد وقت نقضيه في انتظار ما هو محتوم .
 
و حيث أنه لا يعرف أحدنا سوى الآخر، فلم يغسّـله أو يشيّعه أو يدفنه غيري. ترافقنا كثيراً، و كنتُ دوماً أشعر أننا سنفترق، و ذلك لأنه أحيانـاً يُغضبني، و أحيانـاً يُبعدني، و مؤخـَّراً صرنا كالغرباء، لا نلتقي كسابق عهدنا، و لا نجتمع إلا ما ندر.
 
قد يبدو كلامي قاسياً عن من عايشته طوال سنوات مضت، لكني سعيد بعد التفــُّرق. أشعر أنني أصبحتُ حُراًبعد أن فـكّ قيد كان يكبلني به لسنوات. لم أتحمّـل ذلك القيد. تعبتُ كثيراً معه، و لم أكن أجد منه سوى أنه يغلـّف تعبي ببعض الكلمات الوردية.
 
سرنا كثيراً و جمعتنا الطرق، و اليوم أسير و هو بين يديّ، أحمله لمثواه الأخير، أنبش التراب، و أسكنه جوف الأرض، و أعود و كأنّ شيئـاً لم يكن, و كأننا لم نلتقِ يوماً، و لم نفترق، و كأني لا أعرفه و لا يعرفني، لا دموع و لا كآبة، فقط لحظاتٌ من الصمت يتخللها بعض الشرود.
 
لست ذلك النذل الذي تعتقدون. ما قولكم إن أخبرتكم أنني أنا الذي قتلته ! نعم أنا الذي قتلته، و لا أنكر ذلك، فهو يستحق القتل، فكثيراً ما أفقدني الكثير، و وَدَعَني بيتي لينتشي هو بمجالستي. لا تقولوا أنه صديق أو قريب، ليس صديقـاً من يحبسني عن نفسي، أو يُنفــِّر الناس منـّي.
 
قد أبدو كالمجنون أخاطب جدران البيت، أو أتسمّع أصوات الليل، لكني الآن أرتاحت نفسي، و شعرتُ أخيراً أني أتنفس. الآن أرجع إلى الأحبـّة و إلى الأصحاب، نتسامر و نحكي، و لا يوجد من يسلبني منهم أو يسلبهم منـّي. و أعود أخيراً إلى حلم قد تأجـّل، أقول لها الآن أنا منكِ و أنتِ منـِّي ، فقد قتلتُ بالأمس غروري، و عُدتُ إليكِ و يدي مخضّبة بدماه، عُدتُ خالي الوفاض من زمن عشتُ فيه أسيراً، عُدتُ و معي سلاح الجريمة؛ صبرٌ و صلواتٌ و حلمٌ قديم. و اليوم تنساب كلماتي إليكِ، بلا خوفٍ و لا جزع، بلا ذلٍّ و لا كِبْر، و في عينيَّ رجاءٌ و مسألة ٌ, أوَ تقبلين قاتلاً مثلي !

أحـمـد فـايـز

21 أغسطس 2009

عفواً .. أنا لستُ رومانسياً




عفواً .. أنا لستُ رومانسياً


لماذا تتهمني زوجتي دوماً بأنني لست رومانسياً وأنني لا أستطيع تقليد أبطال السينما في مشاهدهم الرومانسية في هذه الأشياء التي يطلقون عليها أفلاماً عاطفية!

هل لأنني لا أحب تناول الطعام على ضوء الشموع الخافت وأفضّل الأكل على ضوء المصابيح الكهربية! أنا لا أستطيع تناول الطعام إلا إذا كنتُ أراه جيداً ولا أحب الأكل في الظلام، هذا طبع موجود فيّ منذ الصغر ولا أرى أيَّ عيب فيه.

أم تعتبرني زوجتي غير رومانسي لأنني لا أطيق قضاء ساعات لمتابعة أحد هذه الأفلام التي ينسبونها ظلماً وعدواناً إلى الرومانسية! هذه القصص الفاشلة المكررة لشاب وفتاة تقابلا في ظروف غامضة لتنشأ بينهما مشاعر مبهمة هلامية وتتوالى الأحداث والمشاهد مع عدة مشاكل وعقبات يتغلب عليها الحبيبان في النهاية ويكونان معاً للأبد. أنا لا أحب مشاهدة هذه الأفلام الخيالية أو أن أضيّع وقتي لمشاهدة فيلم أحفظ قصته بالكامل وأعرف نهايته مسبقاً، وذلك لأن أفلامنا لا تعرف غير قصة واحدة تداوم على تكرارها مع تغيير الأبطال فقط. أنا لا أحب مشاهدة هذه الأفلام تماماً مثلما أن زوجتي لا تحب متابعة القنوات الإخبارية والرياضية.

أم أنني لست رومانسياً لأنني لا أستطيع كتابة الشعر ولا أجيد حفظه ولا تستهويني قراءة القصص العاطفية! فليس بيدي أني لا أكتب الشعر ولا أحفظه، فلكل شخص قدرات وطاقات وهوايات. أنا يمكنني لعب الشطرنج وهناك الكثيرون ممن لا يستطيعون ذلك، وأحب المشي بينما يوجد من لا يتحمله. إنها مجرد الفروق الفردية بين البشر واختلاف الأهواء والاهتمامات.


لما لا ترى زوجتي أنني رومانسياً عندما أشعر باللهفة لرؤيتها وكلامها إذا غابت عني! وأشعر في بُعدها أنني وحيدٌ يتيمٌ أُلقيَ في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء ولا شمس ولا هواء بلا طريق أو دليل!

ولما لا تراني رومانسياً عندما يأتي ذكر اسمها فلا يقفز إلى مخيلتي غيرشخصها وإن تشاركت في ذلك الاسم مع ملايين النساء غيرها!

ولما لا تراني رومانسياً عندما أدعو الله في جميع صلواتي -المفروضة وغير المفروضة- أن يرزقها الجنة وأن يجمعنا فيها سوياً!

وكيف لا أكون رومانسياً وأنا أشعر أنها جزءٌ لا يتجزأ مني لا يمكن فصله أو إبعاده، تماماً مثل عقلي أو قلبي!

 
أعرف أن النساء يحتجنَ لمثل هذه الأشياء والتي قد تبدو أحياناً ساذجة في أعين الرجال، لكن لا حيلة لديّ فيما لا أجيده وما لا أستطيعه. وأقسم أني أحاول جاهداً أن أجعلها سعيدة وأسعد امرأة في الدنيا.

فإذا كانت الرومانسية المزعومة والتي يفترضها الكثيرون هي مجرد عشاء شاعري على ضوء بعض الشموع الملونة وإن كانت مجرد متابعة فيلم عاطفي تكرر آلاف المرات أو هي ترديد بعض أبيات الشعر أو قراءة القصص الرومانسية، فعفواً.. أنا لستُ رومانسياً.

أحمد فايز


الحياة بإيقاع مختلف



الحياة بإيقاع مختلف

أعتقد أنّ كلَّ واحد منا قد قابل أحد هؤلاء المتملقين، أحد الأشخاص الذين يتظاهرون بأشياء ويخفون داخلهم أشياءً أخرى. ولعلّ بعضنا اقترب كثيراً من أحد هؤلاء الذين يهتفون عند تنصيب الملك ويهتفون عند سقوطه. هؤلاء الأشخاص منتشرون بشكل كبير وفي كل مكان، ولعل سبب ذلك الانتشار هو احتياج البعض للوصول إلى ما يريده بطريق أقصر وأسهل واحتياج البعض الآخر لمن يُزيّن له الكلام أو يُزيد عليه الثناء. إنها سلعة رائجة وصفقة رابحة لمن يعرف أصول اللعبة ولا لعبة أكبر من السياسة، ولذلك تجد هذه الطائفة من الناس تحتل قطاعاً كبيراً من عالم السياسة والاقتصاد، فكل شخص يلعب اللعبة على طريقته، ولابد من بعض البيادق التي يمكن تحريكها بين الحين والآخر، وحيث أنّ الجميع يسعى إلى أن يكون رابحاً في النهاية فلا داعي أن تكون اللعبة ذات طابع دراماتيكي ولكن لتكن اللعبة ذات روح رياضية -والتي قد تتسم أحياناً بطابع الرياضات القتالية!- ولكن يبقى هناك دوماً الطاولة التي تتم الصفقات من حولها.

وصوليون وانتهازيون وبعض من يحاول تعلم قواعد اللعبة والبعض الآخر ممن أتقنوها ويعلمون جيداً أنه لا داعي إطلاقاً لإشعال نار إذا كان يوجد من يشعلها غيرهم، وهنا يأتي دور فئة من الناس مبدأهم (لا يهمني لماذا ولكن ما مصلحتي أنا في ذلك).

إنها اللعبة التي تحاول فيها أن تحتفظ بالملك قدر المستطاع، ولا بأس من الحفاظ على بعض الرؤوس الكبيرة، ولا مشكلة من خسارة بعض البيادق، ففي كل حال لابد أن يوجد خاسر ولكن يُـفضّل أن يكون هذا الخاسر بعيداً كل البعد عنك.

إنها لعبة كبيرة، أليس كذلك! هل ترغب في دخولها! أم أنكَ تفضّل المشاهدة! هل تخشى الدخول في غمار المعركة! أم أنكَ فقط غير مهتم؟!

بعض التبرعات السخية والضجة الإعلامية والظهور بمظهر فاعل الخير المحب للوطن والداعي للسلام، وطباعة بعض اللافتات والإعلانات، وبعض النقود هنا والبعض هناك، وبعد فترة يكون الترشيح لعضوية البرلمان أو شئ مماثل. ما المانع في دفع بعض المال إذا كان وسيلة لكسب كم أكبر منه وسلطات أوسع واتصالات أقوى! ما المانع إذا استطعتَ أن تبدو ذلك الرجل النبيل الذي لا ينام الليل منشغلاً بتحقيق أحلام الفقراء ويسهر الليالي لتلبية دعوات المحرومين! بالتأكيد دعوات المحرومين بعد ذلك ستكون لكَ وتستطيع عندها بعض دعواتهم وأصواتهم في إيصالكَ إلى السلطة اللازمة لتلبية دعواتكَ أنتَ!

أجل أنا أخاطبكَ أنتَ سيدي في البذلة الأنيقة وحولكَ الحرس الشخصي عند السيارة الفارهة، أجل أنا أذكر وعودكَ الرنانة والخبز الذي كنتَ توزعه على الفقراء. وما للفقراء من حيلة، فهم يفكرون ماذا سيأكلون اليوم، ولن يهتموا كثيراً بما سيحدث في الغد، لكن بالتأكيد كلهم أمل في أن تتعطف سيادتكَ عليهم وتمنحهم رغيفاً آخر من الخبز.

حتماً نحن في عصر الاقتصاد الحر، إنه العرض والطلب الذي يحدد إذا كنتَ ستصبح فاحش الثراء أو كنتَ ستتمكن من الحصول على عمل تعيل به أسرتكَ. وأعني بكلمة (تعيل) أنكَ ستكون قادراً على توفير مأوى لهم وستستطيع توفير الطعام يومياً وبالطبع لا أعني امتلاك فيلا في ميامي أو حساب في أحد بنوك سويسرا! أو قد يفرض عليكَ هذا السوق الحر الجلوس في بيتكَ بلا حول ولا قوة لا تملك ثمن دواء الضغط! والاقتصاديات الحرة أبرزت القطاع الخاص بشكل مثالي وجعلته المتحكم في أرواح الجميع بلا استثناء، فالأساليب الاقتصادية القديمة التي كان يتبعها معظم العالم حتى وقت قريب لم تعد صالحة لهذا العصر، فلا تستطيع الحكومات توفير الاحتياجات الأساسية بشكلٍ كافٍ للمواطنين، ولكم أن تتخيلوا شخص يعتمد بشكل كلي على ما تقدمه له الدولة من خدمات، هذا الشخص ميت بكل تأكيد! إذاً لابد من التسليم بالحقيقة؛ أنّ السوق قد فرض أسلوبه على الجميع. ولعبة السوق ليست فقط بعض الأسهم في البورصة التي ترفع شركات وتحط أخرى وإنما أصبحت أسلوب حياة كامل يفرض على البعض حياة مكتملة خارج جدران البيت سعياً خلف المعاملات المالية ويفرض على البعض مساومات ومفاوضات مستمرة ويفرض على الكثيرين تغيير الحقائق وعرض السلع أياً كان نوعها بأفضل طريقة بغض النظر عما إذا كانت هذه السلع هي الأفضل أم لا.

إنها قوة السوق التي تفرض على الجميع الركض خلف كل قرش خوفاً من الخطر المحدق في كل ركن من أركان المؤسسة الاقتصادية العظيمة. إذا أردتَ أن تأكل فلابد أن تدفع مقابل ذلك وبالتالي عليكَ أن تعمل لتحصيل المال الذي ستدفعه وإلا فنحن لسنا مسئولين عن موتكَ!

الأمر في عصر الانفتاح الاقتصادي واقتصاديات السوق الحر أنها خلقتْ بيئة جديدة وخصبة لهؤلاء الذين يمكنهم أن يبيعوا أي شئ وكل شئ فقط إذا حصلوا على السعر المناسب. ونعود من جديد إلى هؤلاء المتملقين والوصليين والانتهازيين، بالتأكيد سيجد كل منهم طريقه للوصول إلى ما يريد، فقط كن صديقاً مقرّباً للسوق أو اجعلها رباً لكَ وستعطيكَ ما تريد.

إنه إيقاع حياة اليوم، إيقاع سريع مضطرب غريب، يدفع بعض الأشخاص إلى فعل أشياء لم يكونوا يتوقعون على الإطلاق أن يقوموا بفعلها، ولكن من يدري ما سيحدث غداً. الكل يحاول أن يظل واقفاً، والكل يحاول أن تكون لديه البضاعة المناسبة، والكل يحاول أن يحصل على السعر المناسب لقاء بضاعته، وفي ظل هذا الانشغال الدائم بما يُباع وما يُشترى والانهماك في تحصيل متطلبات الحياة التي تمر سريعة وأسرع حتى من أن ندركها يبقى الجانب الإنساني بما يشتمل عليه من قيم وأخلاقيات كرداءٍ قديمٍ مُعلق إلى جانب المرآة، مكسو بالغبار، ننظر إليه أحياناً عند استعدادنا لبدأ رحلة جديدة للقتال من أجل فرصة للبقاء في مضمار السباق، وقليلاً ما نرتديه!


أحمد فايز

بالوظة

بالوظة

 
في إحدى الليالي الهادئة، وأنا أسترجع ذكريات الطفولة، تذكرتُ ذلك الفتى (بالوظة). كان بالوظة أضخم طفل عرفته، كان طفلاً عملاقاً بمعنى الكلمة؛ ضخم الجثة، عظيم البنيان. ما إن تراه حتى تفرّ من أمامه. كان بالوظة مصدر الرعب الأول لأطفال الحي، وكان الأهالي يخوّفون به أبناءهم. وأنا كباقي الأطفال لم أكن أجرؤ على الخروج إلى الشارع إذا كان بالوظة ماراً فيه، وبالتأكيد لم نكن نشاركه اللعب، فهو يفوقنا حجماً كما تظهر في عينيه صلابة وقوة لم نعتد على رؤيتها في عيون الأطفال.

أصبحَتْ
علاقتي ببالوظة بعد ذلك مميزة جداً. لقد رأيته ذات يوم جالساً في أحد البيوت المهجورة التي نخشاها دائماً ونركض حين نمرّ جوارها. كان بالوظة جالساً هناك وحده يبكي، كان يظن أن أحداً لن يراه في هذا المكان. لا أدري كيف واتتني الجرأة لاقترب منه، ولكن حين اقتربتُ وجدته يبكي بشدة. لم أرَ بالوظة يبكي من قبل، بل لم نكن نظنه يبكي مثل باقي الأطفال، كيف لطفل ضخم مثل بالوظة أن يبكي! ما الذي يمكن أن يحدث ليجعل بالوظة يبكي؟! عندما شعر بحركتي ورآني أقف على مقربة منه نظر إليّ تلك النظرة الحزينة الممزوجة بالغضب، كاد قلبي أن يتوقف أو أن يُغشى عليّ، هذا الفتى يمكنه أن يدق عنقي بسهولة بعدما تسللتُ خلفه وفضحتُ سره ورأيته يبكي. كان جالساً وقد انتفختْ عيناه واحمرّ وجهه وأصبح مثل المارد العملاق حين يغضب. بعد أن نظر نحوي لم يعِرني انتباهاً وأولاني ظهره وواصل البكاء من جديد. لقد شعرتُ ببالوظة الطفل الحزين الذي يشبهني حين أحزن وحين أبكي، لم أره ذلك الطفل الضخم الذي يملأني رعباً. رقّ قلبي له وذهب خوفي منه واقتربتُ منه أكثر.

"لماذا تبكي؟".

لم يجبني وتجاهل وجودي تماماً، و له كل الحق في ذلك، فمتي كنا نهتم لأمر بالوظة أو نشركه في حياتنا الطفولية. لقد كان منبوذاً ووحيداً، كان بالنسبة لنا مثالاً للقبح ومصدراً للخوف ومحط استهزائنا وسخريتنا.

أعدتُ عليه السؤال: "هل يمكن أن تخبرني لماذا تبكي؟!".

نظر إليّ وقال: "ولماذا تعتقد أنّ شخصاً ضخماً مثلي يخاف منه جميع الأطفال ولا يرغب أحد في اللعب معه ولا حتى أن يتحدث إليه بل ويطلقون عليه أسماء مثل المارد والعملاق والوحش، ما سبب بكائي في اعتقادكَ؟".

اقتربتُ منه أكثر ووضعتُ كفي الصغير على كتفه الضخم وقلتُ له: "لا تبكِ ولا تحزن، نحن فعلاً نخاف منكَ ولكنكَ لم تعطِنا سبباً ولا حتى إشارة تسمح لنا أن نشارككَ لعبنا وحديثنا، فلقد كنتَ دوماً تصمتُ أو تثور في وجوهنا، وكنا دوماً نركض ونفر من أمامكَ، ولم نجد الفرصة لكي نتوقف قليلاً ونتحدث".

قال بالوظة: "الجميع يكرهني، الجميع يخاف مني ويستهزأ بي، أنا عمري ثماني سنوات ولكن حجم جسمي لا يتناسب مع سني، وهذا شئ لم أختره ولم أرده وإنما خلقتُ هكذا، فما ذنبي أنا؟!".

وعاد إلى بكاءه من جديد.

"ما رأيكَ أن نلعب معاً قليلاً؟!".

وأخرجتُ من جيبي بعض (البلي).

"هيا لكي نلعب ونستمتع بوقتنا بدلاً من جلوسنا في هذا المكان الموحش".

خرجنا إلى الشارع ولعبنا لساعات وضحكنا كثيراً، وكلما مر علينا أحد الصبية ركض ليخبر الجميع أنني ألعب مع بالوظة. تجمّع الأطفال من كل مكان ليشاهدوا بالوظة وهو يلعب معنا، وبدأ الاطفال واحد تلو الآخر في مشاركتنا اللعب، وكان هذا اليوم من أكثر الأيام متعة في حياتي. وبعد ذلك اليوم أصبح بالوظة أقرب أصدقائي وكان من أكثر الشخصيات المحبوبة والقريبة من قلوب جميع أطفال الحي، فقد كان بالوظة عطوفاً طيب القلب وكان مرحاً يحب الضحك.

الخلاف القديم بيننا كان بسبب أننا لم نعطه الفرصة ليكون شخصاً طبيعياً، لم نمنحه الفرصة ليُظهر ما بداخله من الطيبة والمرح، وبدلاً من ذلكَ صنعنا منه وحشاً مرعباً في عقولنا.

كنتُ أتمنى أن يكون بالوظة معي اليوم، لكن للأسف الأشخاص مثل بالوظة لا يمكثون طويلاً في هذه الدنيا وإنما يمرون في هذه الدنيا كالنسمة الطيبة تسعد كل من مرّت عليه لكن عمرها قصير فما تلبث أن تختفي.

توفي بالوظة وهو في سن العاشرة، فقد كان يعاني من بعض العيوب الخلقية في القلب، مات وهو نائم في سريره في هدوء وسلام. أنا أفتقد ذلك الفتى جداً، فقليل من هم على شاكلة بالوظة، يملكون قلباً كبيراً كأجسادهم.




أحمد فايز


02 أغسطس 2009

عندما تفقد مدينة


عندما تفقد مدينة

 
عندما تتخيلُ أنـّك فقدتَ العالمَ بكلِّ ما فيه، ببحارهِ و جبالهِ و سماءهِ و الأرضَ الخضراءَ الممتدةَ بطولِ الساحلِ. عندما تشعرُ أنـّك فقدتَ كلَّ ما تملكهُ من مالٍ و نفوذٍ و جسدٍ و أنفاسٍ، و حتى الرمادَ المتبقـّى منكَ أصبحَ مفقوداً بالنسبةِ لكَ. هل يوجدُ ما يخسرهُ رجلٌ مثلكَ فـَقـَدَ كلَّ شئ !

عند هذهِ اللحظة، مُـدّ كفيكَ عبرَ المرآةِ التي لا تملكها، و حاولْ الإمساكَ بإحدى النجماتِ المدلاةِ في السماءِ الكحليةِ اللونِ في بدايةِ الليلِ، و إذا حاولـَتِ التملـّصَ من بين أصابعكَ كسمكةٍ رشيقةٍ فأحكِمْ قبضتكَ عليها، و اربط في طرفها خيطاً من الحريرِ، ذلكَ الخيط ُ الأزرقُ الباهتُ من طرفِ الوشاحِ الجميلِ الذي يجذبكَ دوماً إذا ما رأيتهُ ملتفـّاً حولَ عنقِ فتاةٍ في طريقٍ، هذا الحريرُ ليسَ لكَ، و حتى النظراتُ القديمة ُ التي كنتَ تلقيها ليستْ ملككَ الآن، ألا تذكـُر! لقد فـقـدتَ كلَّ شئ.

و يمكنُ حينئذٍ أن تستلقي في متنزةٍ عامٍ، تتأملَ تلكَ السماءَ البعيدةَ بعد أن سلبتها تلكَ النجمة َ الغالية َ الجميلة. هل تذكرُ المكانَ الذي التقطتَ منهُ تلكَ النجمة ! بالطبعِ لا تذكر، فلقد فـقـدتَ كلَّ شئٍ، و لم تعـُدْ تملكُ ذاكرةً يمكنها أن تـُعيدَ عليكَ ما حدث.

هل تعرفُ الشعورَ بالخواءِ ! الشعورَ بالفراغِ ! ليسَ الفراغ من الشـُغلِ، و لكن ذلكَ الفراغ الذي يولدُ بداخلكَ و يتمددُ، و تشعرُ بهِ يتسعُ داخلَ صدركَ، و لا تستطيعُ أن تلفظهُ. يمكنكَ أن تسمعَ فيهِ عواءَ الذئابِ في ليلةٍ موحشةٍ، و يمكنكَ أن تسمعَ قطراتِ الماءِ أو الدمِ تتقطرُ في بركةٍ في قاعهِ، و يمكنكَ أن تسمعَ أصداءً لا تعرفُ ماهيتها تترددُ فيه.

هل مارستَ يوماً حقكَ المشروعَ في استكشافِ هذا الفراغ ! بأنْ تغرسَ سكيناً حاداً في صدركَ و تشقــّهُ نصفين، ثم تتسللُ خلسة ً دونَ أن تدري، و تتجولُ قليلاً في هذهِ الظلماتِ، و ترى ما الذي ضاعَ منكَ هناك، هل تجدُ شيئاً ! لا أعتقدُ أنكَ ستجدُ شيئاً في الداخلِ فلقد فقدتَ كلَّ شئ، أنتَ رجلٌ لا يملكُ أيَّ شئ، و ليسَ لديهِ ما يخسره.

فقدانكَ كلَ شئٍ ليسَ سيئـاً لهذهِ الدرجةِ، فلقد تخلـّصتَ من أشياءٍ كثيرةٍ لا تريدها، مللتها، و كنتَ حتماً تودُ التخلـّصَ منها. هل تذكرُ تلكَ النظرةَ البلهاءَ الخاملة َ في عينيكَ عندَ الساعةِ الثالثةِ صباحاً ! لا تشعرُ أنـّك نائمٌ و لا مستيقظ ٌ، حالة ٌ من الشرودِ مللتَ تواجدكَ فيها، و مللتَ شراهتها التي تمتصّـكَ يوماً بعدَ يومٍ و تـُلقي بفضلاتكَ في صندوقِ القمامةِ مع بقايا المأكولاتِ السريعةِ و المياةِ الغازيةِ و أكوابِ القهوةِ التي أدمنتها. و فقدتَ الشعورَ بالذنبِ عندما تسمعُ كلمة َ (هل لديكَ خمسُ دقائقٍ لنتحدثْ ؟) و جوابَكَ المتكررَ (أنا منشغلٌ الآن).

هل جرّبتَ أن تفقدَ مدينة ً ! أو طريقـاً ! و هل جرّبتَ أن تفقدَ شخصاً تحبهُ كثيراً، و تشعرُ بعدَ ذلك و كأنـّك سقطتَ على رأسكَ من ارتفاعِ ألفِ قدمٍ ! تشعرُ بدوارٍ، و يسيلُ الدمُ على عينيكَ فتبصرُ الدنيا حمراءَ. مبانيها حمراء، طرقها حمراء، نساؤها حمراء، ثم تستفيقُ قليلاً و يخبرونكَ بعدها بما حدث، يخبرونك أنّ عابرَ سبيلٍ وجدكَ مُـلقً على الرصيفِ، يسيلُ الدمُ من فاهِكَ، و أنه أنقذ حياتكَ، و أن الشخصَ الذي أحببتهُ دوماً و اهتممتَ لأمرهِ كثيراً لم تستطعْ أنتَ أن تنقذ حياتهُ مع أنـّك كنتَ تملكُ حينها كلَ شئ. إنـّها المفارقة ُ التي عندها قد تفقدُ مدينة ً و بحراً و سماءً و جسداً و ذاكرة ً و حتى الرمادَ المتبقـّي من جسدكَ الهالكِ تفقدهُ بكلِّ السهولةِ فلم يعُدْ هناكَ معنىً لأي شئٍ آخر تمتلكـُه.


أحــمـد فــايـز


قصة ذات وجه واحد




قصة ذات وجه واحد


 

منذ اليوم أصبح كلُّ ما تقولين مجرد هراءٍ و ثرثرةٍ لا طائل منها.

ما عدْتُ أشعرُ بالكلام كما كان الأمر سابقاً.

ما عدْتُ أصدّقُ.

أصبح الكلامُ الذي تتلفظين بهِ لاذعاً في أذني حين أسمعُهُ ولاذعاً في عيني حين أقرؤهُ.

لقد عرفتُ الحقيقة.

لقد نزلتْ عليكِ الحقيقة كالماء فزالَ اللونُ المُبهْرَجُ الذي ترسمينه عليكِ.

لقد زالَ اللونُ الزاهي عنكِ.

لم يبقَ غيرَ الحقيقةِ المجرّدةِ القبيحةِ.

منذ اليوم أصبح وجودكِ مضيعة للوقتِ وتعكيراً للمزاج.


لم يعُدْ تواجدنا في نفس المكان لهُ معنى.

وللأسفِ فإنني لن أستطيعَ أن أطلبَ منكِ الرحيلَ ولكن سأنتظرُ حتى تشعرين بالرفض في كلِّ شئ وفي كلِّ مكان حولكِ.

تشعرين بالرفض في سكوتي وفي لا مبالالتي وفي إهمالي كلماتكِ دون جواب.

عندها سترحلين وحدكِ لأشعرَ أخيراً بالراحة.

منذ اليوم لم تعُدْ تخدعني تلكَ البراءة ولم أعُدْ أتحمّلُ ذلكَ التباهي الدميمَ بالألفاظ.

لم أعُدْ أتحمّل إنكارَكِ للأخطاء.

لم أعُدْ أتحمّلُ طغيانكِ ويقينكِ أنكِ دوماً على صواب.

لم أعُدْ أتحمّلُ فكرة كوني كنتُ يوماً أعرفكِ وكنتُ أصدّقُ يوماً تلكَ الكلمات.

من الصعبِ الوصول إلى معرفةِ شخص معرفة وثيقة ثم يتضحُ بعدها أنّ الشخصَ الذي كنا نعرفهُ ليس هو نفسهُ ذلكَ الشخص.

إنهُ إنهيارٌ تامٌ للثقةِ وللأمان ولراحةِ البال.

منذ اليوم لن أستمع اليكِ مجدداً ولن أصدّق تلكَ الكلماتِ المتكسّرةِ المصطنعة.

فلقد أخبروني كلَّ شئ عنكِ.

سمعتُ القصة كاملة من أولها وحتى آخرها وما كنتُ أصدّقُ أن ما أسمعُهُ هو عنكِ أنتِ.

ما كنتُ أتصوّرُ أنّ الشيطانَ يستطيعُ أنْ يرتدي أجنحة الملائكة.

ظننتها لن تكونَ على مقاسِهِ ولن تواري الشوكَ في ظهره.

لكني اليومَ أعلمُ عنكِ كلَّ شئ.

ومنذ اليوم أصبحَ كلُّ ما تقولين مجردَ هراءٍ وثرثرةٍ لا طائلَ منها.


...


لقد سمعتَ القصة من جانبٍ واحدٍ فهلّا سمعتَ القصة من جانبي!

إذا غطى الصدأ أحدَ وجهيْ عملةٍ معدنيةٍ، فهل من الأكيدِ أنهُ يُغطي الوجهة الآخرَ!

كلُّ ما عليكَ هو تفحّصُ جانبها الآخر لتتأكدَ. لن تخسرَ شيئاً.

وتذكّرْ أنكَ سمعتَ القصة من جانبٍ واحدٍ فقط وليسَ بالضرورةِ أنْ يكونَ الجانبَ الصحيح.




أحمد فايز


لقد كنت أعمل في المخابرات




لقد كنتُ أعمل في المخابرات


 

في بداية حديثي معه كان ردّه تنهيده (هيييه) ثم (كان زمن !).

في هذه الجلسة الودية مع عم علي دسوقي، سألته مستعلماً: " انت كنت فعلاً شغال في المخابرات يا عم علي ! ".

و كان الرد هو نفس التنهيدة التي افتتح بها حديثه: (هيييه)، ثم أضاف بعد ذلك: " أيوه يابني .. أنا كنت شغال زمان في المخابرات .. اشتغلت ييجي عشرين سنة .. أيام الرجالة ".

و انتهازاً لهذه الفرصة العظيمة التي أسعدني فيها حظي بالجلوس إلى أحد هؤلاء الرجال العظام اللذين يعملون في الخفاء و يعرّضون أنفسهم لأشد مواقف الخطر، فكرتُ في أن أجعل عم على يحكي بعض القصص التي شهدها أثناء تواجده في هذا الجهاز العظيم، جهاز المخابرات.

" طب ما تحكيلي كدة يا عم على اللي بيحصل هناك .. يعني حكايات و قصص البطولة اللي بتحصل في المخابرات ".

و بعد أن اتكـأ قليلاً، ثم رفع رجلاً و وضعها فوق الأخرى كاللذي يتذكر شيئـاً في قمة الفخامة و السمو: " أحكيلك إيه و لا إيه يابني .. احنا كنا كل يوم بنضحي بحياتنا عشان البلد .. بنشوف الموت بعنينا .. بنسهر و نتعب و من غير ما نكون مستنيين حاجة من حد ".

لقد أثـّرتْ فيّ كلماته جداً. ثم أردف قائلاً: " أنا هحكيلك قد إيه إحنا شقينا .. و قد إيه خدمنا البلد في أصعب الأوقات .. كان أيام حرب الإستنزاف .. كنت في مبنى المخابرات وقتها .. و في نص الليل لقيت اللوا إبراهيم داخل مكتبه بسرعة .. و لم شوية ورق بسرعة و خرج .. و بعد شوية لقيت شوية ظباط داخلين و مجرجرين واحد حاطين على دماغه كيس إسود .. اتضح في الآخر إنه مصري كان شغال جاسوس لحساب إسرائيل .. المهم قررنا إعدام الجبان الخاين ده .. لكن محسن بيه كان عنده رأي تاني .. لاحظ شبه كبير بين الجاسوس ده اللي كان إسمه منصور و بين ظابط في المخابرات إسمه أكرم .. و فكر في إنه يبعت الظابط بدل الجاسوس عشان يشتغل جاسوس لينا إحنا .. و بعد شوية تدريب كان الظابط أكرم بقى منصور و راح إسرائيل عشان ينفذ مهمته ... ".

قاطعتُ هذا السرد الشيق للقصة: " مش ده فيلم إعدام ميت بتاع محمود عبد العزيز و فريد شوقي برضه ! ".

فأجاب في في ثقة: " و ليلي علوي و بوسي ! لا يابني دا فيلم تاني .. قصدي حكاية تانية خالص من حكايات المخابرات ".

ثم أكمل حديثه: " طب هحكيلك حكاية تانية عن حرب أكتوبر .. في مرة كنت قاعد في مبني المخابرات .. كنت قاعد حزين كدة عشان حال البلد .. فعدّي السادات عليّا و لقيني على الحال ده .. فسألني مالك يا علي ؟ .. قولتله ما انت شايف يا ريس الحال اللي احنا فيه .. فميّل عليّا و قالي أقولك على سر بس ما تقولش لحد ؟!.. قولتله قول يا ريس .. سرك في بير .. قاللي احنا هنعبر بكرة الساعة اتنين .. اتنين و عشرة كدة .. أنا الفرحة ماكانتش سايعاني .. و تاني يوم في أوضة التخطيط للمعركة مكنش حد عارف إننا هنعبر غيري أنا و الريس .. و الريس واقف بيشرح للواءات و الظباط خطة المعركة و كلهم فاكرين إنها وقت تاني .. و بعدين على الساعة اتنين كدة قاللهم الريس إيه رأيكم نعبر دلوقتي ؟! .. قالوله و ماله يا ريس .. القولة قولتك و الشورة شورتك .. قالهم على بركة الله .. قولوا لحسني يضرب ولاد الإية دول لما يعرّفهم مقامهم .. و في ساعتها كانت الإتصالات و الضرب اشتغل و عبرنا و الحمد لله .. و بعدين ميّـل عليا الريس و قاللي مبسوط يا علي ؟ .. قولتله قوي يا ريس .. دا أنا هطير م الفرحة .. قاللي أي خدمة .. قوم بقى اعملي كوباية شاي .. قولتله من عينيا يا ريس ...".

و قاطعتُ حديثه مجدداً: " و هو بيقولك انت تعمل شاي ليه ! هو مفيش فراشين في المخابرات ! ".

فأجاب و بكل الثقة و الفخر: " ما أنا كنت شغال فرّاش في المخابرات ".

!



أحـمـد فـايـز





سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك