21 أغسطس 2009

بالوظة

بالوظة

 
في إحدى الليالي الهادئة، وأنا أسترجع ذكريات الطفولة، تذكرتُ ذلك الفتى (بالوظة). كان بالوظة أضخم طفل عرفته، كان طفلاً عملاقاً بمعنى الكلمة؛ ضخم الجثة، عظيم البنيان. ما إن تراه حتى تفرّ من أمامه. كان بالوظة مصدر الرعب الأول لأطفال الحي، وكان الأهالي يخوّفون به أبناءهم. وأنا كباقي الأطفال لم أكن أجرؤ على الخروج إلى الشارع إذا كان بالوظة ماراً فيه، وبالتأكيد لم نكن نشاركه اللعب، فهو يفوقنا حجماً كما تظهر في عينيه صلابة وقوة لم نعتد على رؤيتها في عيون الأطفال.

أصبحَتْ
علاقتي ببالوظة بعد ذلك مميزة جداً. لقد رأيته ذات يوم جالساً في أحد البيوت المهجورة التي نخشاها دائماً ونركض حين نمرّ جوارها. كان بالوظة جالساً هناك وحده يبكي، كان يظن أن أحداً لن يراه في هذا المكان. لا أدري كيف واتتني الجرأة لاقترب منه، ولكن حين اقتربتُ وجدته يبكي بشدة. لم أرَ بالوظة يبكي من قبل، بل لم نكن نظنه يبكي مثل باقي الأطفال، كيف لطفل ضخم مثل بالوظة أن يبكي! ما الذي يمكن أن يحدث ليجعل بالوظة يبكي؟! عندما شعر بحركتي ورآني أقف على مقربة منه نظر إليّ تلك النظرة الحزينة الممزوجة بالغضب، كاد قلبي أن يتوقف أو أن يُغشى عليّ، هذا الفتى يمكنه أن يدق عنقي بسهولة بعدما تسللتُ خلفه وفضحتُ سره ورأيته يبكي. كان جالساً وقد انتفختْ عيناه واحمرّ وجهه وأصبح مثل المارد العملاق حين يغضب. بعد أن نظر نحوي لم يعِرني انتباهاً وأولاني ظهره وواصل البكاء من جديد. لقد شعرتُ ببالوظة الطفل الحزين الذي يشبهني حين أحزن وحين أبكي، لم أره ذلك الطفل الضخم الذي يملأني رعباً. رقّ قلبي له وذهب خوفي منه واقتربتُ منه أكثر.

"لماذا تبكي؟".

لم يجبني وتجاهل وجودي تماماً، و له كل الحق في ذلك، فمتي كنا نهتم لأمر بالوظة أو نشركه في حياتنا الطفولية. لقد كان منبوذاً ووحيداً، كان بالنسبة لنا مثالاً للقبح ومصدراً للخوف ومحط استهزائنا وسخريتنا.

أعدتُ عليه السؤال: "هل يمكن أن تخبرني لماذا تبكي؟!".

نظر إليّ وقال: "ولماذا تعتقد أنّ شخصاً ضخماً مثلي يخاف منه جميع الأطفال ولا يرغب أحد في اللعب معه ولا حتى أن يتحدث إليه بل ويطلقون عليه أسماء مثل المارد والعملاق والوحش، ما سبب بكائي في اعتقادكَ؟".

اقتربتُ منه أكثر ووضعتُ كفي الصغير على كتفه الضخم وقلتُ له: "لا تبكِ ولا تحزن، نحن فعلاً نخاف منكَ ولكنكَ لم تعطِنا سبباً ولا حتى إشارة تسمح لنا أن نشارككَ لعبنا وحديثنا، فلقد كنتَ دوماً تصمتُ أو تثور في وجوهنا، وكنا دوماً نركض ونفر من أمامكَ، ولم نجد الفرصة لكي نتوقف قليلاً ونتحدث".

قال بالوظة: "الجميع يكرهني، الجميع يخاف مني ويستهزأ بي، أنا عمري ثماني سنوات ولكن حجم جسمي لا يتناسب مع سني، وهذا شئ لم أختره ولم أرده وإنما خلقتُ هكذا، فما ذنبي أنا؟!".

وعاد إلى بكاءه من جديد.

"ما رأيكَ أن نلعب معاً قليلاً؟!".

وأخرجتُ من جيبي بعض (البلي).

"هيا لكي نلعب ونستمتع بوقتنا بدلاً من جلوسنا في هذا المكان الموحش".

خرجنا إلى الشارع ولعبنا لساعات وضحكنا كثيراً، وكلما مر علينا أحد الصبية ركض ليخبر الجميع أنني ألعب مع بالوظة. تجمّع الأطفال من كل مكان ليشاهدوا بالوظة وهو يلعب معنا، وبدأ الاطفال واحد تلو الآخر في مشاركتنا اللعب، وكان هذا اليوم من أكثر الأيام متعة في حياتي. وبعد ذلك اليوم أصبح بالوظة أقرب أصدقائي وكان من أكثر الشخصيات المحبوبة والقريبة من قلوب جميع أطفال الحي، فقد كان بالوظة عطوفاً طيب القلب وكان مرحاً يحب الضحك.

الخلاف القديم بيننا كان بسبب أننا لم نعطه الفرصة ليكون شخصاً طبيعياً، لم نمنحه الفرصة ليُظهر ما بداخله من الطيبة والمرح، وبدلاً من ذلكَ صنعنا منه وحشاً مرعباً في عقولنا.

كنتُ أتمنى أن يكون بالوظة معي اليوم، لكن للأسف الأشخاص مثل بالوظة لا يمكثون طويلاً في هذه الدنيا وإنما يمرون في هذه الدنيا كالنسمة الطيبة تسعد كل من مرّت عليه لكن عمرها قصير فما تلبث أن تختفي.

توفي بالوظة وهو في سن العاشرة، فقد كان يعاني من بعض العيوب الخلقية في القلب، مات وهو نائم في سريره في هدوء وسلام. أنا أفتقد ذلك الفتى جداً، فقليل من هم على شاكلة بالوظة، يملكون قلباً كبيراً كأجسادهم.




أحمد فايز


هناك تعليقان (2):

سارة أحمد يقول...

خطأ عظيم يقع فيه كل البشر وانا أولهم وهو معاملة البشر على حسب أشكالهم وآخر ما يفكرون فيه هو تأمل عقولهم

ولكن ربما كان موته أفضل بكثير من حياته لأنه وان فهمه بعض الاطفال وأحبوه إلا أنه كان سيجد في حياته الكثير من العقبات والمشاكل والمآسي بسبب شئ لا ذنب له فيه

الحمدلله على كل حال

WINNER يقول...



للأسف بنحكم بالظواهر.
و على الرغم من أننا لا نرى إلا الظاهر، إلا أنه لابد من محاولة البحث خلف الصور.

و مش لازم يموت.
النفوس الطيبة بتفرض نفسها.
و حتى لو لاقت رفض، بطيبتها تستطيع المواصلة.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك