02 أغسطس 2009

عندما تفقد مدينة


عندما تفقد مدينة

 
عندما تتخيلُ أنـّك فقدتَ العالمَ بكلِّ ما فيه، ببحارهِ و جبالهِ و سماءهِ و الأرضَ الخضراءَ الممتدةَ بطولِ الساحلِ. عندما تشعرُ أنـّك فقدتَ كلَّ ما تملكهُ من مالٍ و نفوذٍ و جسدٍ و أنفاسٍ، و حتى الرمادَ المتبقـّى منكَ أصبحَ مفقوداً بالنسبةِ لكَ. هل يوجدُ ما يخسرهُ رجلٌ مثلكَ فـَقـَدَ كلَّ شئ !

عند هذهِ اللحظة، مُـدّ كفيكَ عبرَ المرآةِ التي لا تملكها، و حاولْ الإمساكَ بإحدى النجماتِ المدلاةِ في السماءِ الكحليةِ اللونِ في بدايةِ الليلِ، و إذا حاولـَتِ التملـّصَ من بين أصابعكَ كسمكةٍ رشيقةٍ فأحكِمْ قبضتكَ عليها، و اربط في طرفها خيطاً من الحريرِ، ذلكَ الخيط ُ الأزرقُ الباهتُ من طرفِ الوشاحِ الجميلِ الذي يجذبكَ دوماً إذا ما رأيتهُ ملتفـّاً حولَ عنقِ فتاةٍ في طريقٍ، هذا الحريرُ ليسَ لكَ، و حتى النظراتُ القديمة ُ التي كنتَ تلقيها ليستْ ملككَ الآن، ألا تذكـُر! لقد فـقـدتَ كلَّ شئ.

و يمكنُ حينئذٍ أن تستلقي في متنزةٍ عامٍ، تتأملَ تلكَ السماءَ البعيدةَ بعد أن سلبتها تلكَ النجمة َ الغالية َ الجميلة. هل تذكرُ المكانَ الذي التقطتَ منهُ تلكَ النجمة ! بالطبعِ لا تذكر، فلقد فـقـدتَ كلَّ شئٍ، و لم تعـُدْ تملكُ ذاكرةً يمكنها أن تـُعيدَ عليكَ ما حدث.

هل تعرفُ الشعورَ بالخواءِ ! الشعورَ بالفراغِ ! ليسَ الفراغ من الشـُغلِ، و لكن ذلكَ الفراغ الذي يولدُ بداخلكَ و يتمددُ، و تشعرُ بهِ يتسعُ داخلَ صدركَ، و لا تستطيعُ أن تلفظهُ. يمكنكَ أن تسمعَ فيهِ عواءَ الذئابِ في ليلةٍ موحشةٍ، و يمكنكَ أن تسمعَ قطراتِ الماءِ أو الدمِ تتقطرُ في بركةٍ في قاعهِ، و يمكنكَ أن تسمعَ أصداءً لا تعرفُ ماهيتها تترددُ فيه.

هل مارستَ يوماً حقكَ المشروعَ في استكشافِ هذا الفراغ ! بأنْ تغرسَ سكيناً حاداً في صدركَ و تشقــّهُ نصفين، ثم تتسللُ خلسة ً دونَ أن تدري، و تتجولُ قليلاً في هذهِ الظلماتِ، و ترى ما الذي ضاعَ منكَ هناك، هل تجدُ شيئاً ! لا أعتقدُ أنكَ ستجدُ شيئاً في الداخلِ فلقد فقدتَ كلَّ شئ، أنتَ رجلٌ لا يملكُ أيَّ شئ، و ليسَ لديهِ ما يخسره.

فقدانكَ كلَ شئٍ ليسَ سيئـاً لهذهِ الدرجةِ، فلقد تخلـّصتَ من أشياءٍ كثيرةٍ لا تريدها، مللتها، و كنتَ حتماً تودُ التخلـّصَ منها. هل تذكرُ تلكَ النظرةَ البلهاءَ الخاملة َ في عينيكَ عندَ الساعةِ الثالثةِ صباحاً ! لا تشعرُ أنـّك نائمٌ و لا مستيقظ ٌ، حالة ٌ من الشرودِ مللتَ تواجدكَ فيها، و مللتَ شراهتها التي تمتصّـكَ يوماً بعدَ يومٍ و تـُلقي بفضلاتكَ في صندوقِ القمامةِ مع بقايا المأكولاتِ السريعةِ و المياةِ الغازيةِ و أكوابِ القهوةِ التي أدمنتها. و فقدتَ الشعورَ بالذنبِ عندما تسمعُ كلمة َ (هل لديكَ خمسُ دقائقٍ لنتحدثْ ؟) و جوابَكَ المتكررَ (أنا منشغلٌ الآن).

هل جرّبتَ أن تفقدَ مدينة ً ! أو طريقـاً ! و هل جرّبتَ أن تفقدَ شخصاً تحبهُ كثيراً، و تشعرُ بعدَ ذلك و كأنـّك سقطتَ على رأسكَ من ارتفاعِ ألفِ قدمٍ ! تشعرُ بدوارٍ، و يسيلُ الدمُ على عينيكَ فتبصرُ الدنيا حمراءَ. مبانيها حمراء، طرقها حمراء، نساؤها حمراء، ثم تستفيقُ قليلاً و يخبرونكَ بعدها بما حدث، يخبرونك أنّ عابرَ سبيلٍ وجدكَ مُـلقً على الرصيفِ، يسيلُ الدمُ من فاهِكَ، و أنه أنقذ حياتكَ، و أن الشخصَ الذي أحببتهُ دوماً و اهتممتَ لأمرهِ كثيراً لم تستطعْ أنتَ أن تنقذ حياتهُ مع أنـّك كنتَ تملكُ حينها كلَ شئ. إنـّها المفارقة ُ التي عندها قد تفقدُ مدينة ً و بحراً و سماءً و جسداً و ذاكرة ً و حتى الرمادَ المتبقـّي من جسدكَ الهالكِ تفقدهُ بكلِّ السهولةِ فلم يعُدْ هناكَ معنىً لأي شئٍ آخر تمتلكـُه.


أحــمـد فــايـز


ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك