21 أغسطس 2009

الحياة بإيقاع مختلف



الحياة بإيقاع مختلف

أعتقد أنّ كلَّ واحد منا قد قابل أحد هؤلاء المتملقين، أحد الأشخاص الذين يتظاهرون بأشياء ويخفون داخلهم أشياءً أخرى. ولعلّ بعضنا اقترب كثيراً من أحد هؤلاء الذين يهتفون عند تنصيب الملك ويهتفون عند سقوطه. هؤلاء الأشخاص منتشرون بشكل كبير وفي كل مكان، ولعل سبب ذلك الانتشار هو احتياج البعض للوصول إلى ما يريده بطريق أقصر وأسهل واحتياج البعض الآخر لمن يُزيّن له الكلام أو يُزيد عليه الثناء. إنها سلعة رائجة وصفقة رابحة لمن يعرف أصول اللعبة ولا لعبة أكبر من السياسة، ولذلك تجد هذه الطائفة من الناس تحتل قطاعاً كبيراً من عالم السياسة والاقتصاد، فكل شخص يلعب اللعبة على طريقته، ولابد من بعض البيادق التي يمكن تحريكها بين الحين والآخر، وحيث أنّ الجميع يسعى إلى أن يكون رابحاً في النهاية فلا داعي أن تكون اللعبة ذات طابع دراماتيكي ولكن لتكن اللعبة ذات روح رياضية -والتي قد تتسم أحياناً بطابع الرياضات القتالية!- ولكن يبقى هناك دوماً الطاولة التي تتم الصفقات من حولها.

وصوليون وانتهازيون وبعض من يحاول تعلم قواعد اللعبة والبعض الآخر ممن أتقنوها ويعلمون جيداً أنه لا داعي إطلاقاً لإشعال نار إذا كان يوجد من يشعلها غيرهم، وهنا يأتي دور فئة من الناس مبدأهم (لا يهمني لماذا ولكن ما مصلحتي أنا في ذلك).

إنها اللعبة التي تحاول فيها أن تحتفظ بالملك قدر المستطاع، ولا بأس من الحفاظ على بعض الرؤوس الكبيرة، ولا مشكلة من خسارة بعض البيادق، ففي كل حال لابد أن يوجد خاسر ولكن يُـفضّل أن يكون هذا الخاسر بعيداً كل البعد عنك.

إنها لعبة كبيرة، أليس كذلك! هل ترغب في دخولها! أم أنكَ تفضّل المشاهدة! هل تخشى الدخول في غمار المعركة! أم أنكَ فقط غير مهتم؟!

بعض التبرعات السخية والضجة الإعلامية والظهور بمظهر فاعل الخير المحب للوطن والداعي للسلام، وطباعة بعض اللافتات والإعلانات، وبعض النقود هنا والبعض هناك، وبعد فترة يكون الترشيح لعضوية البرلمان أو شئ مماثل. ما المانع في دفع بعض المال إذا كان وسيلة لكسب كم أكبر منه وسلطات أوسع واتصالات أقوى! ما المانع إذا استطعتَ أن تبدو ذلك الرجل النبيل الذي لا ينام الليل منشغلاً بتحقيق أحلام الفقراء ويسهر الليالي لتلبية دعوات المحرومين! بالتأكيد دعوات المحرومين بعد ذلك ستكون لكَ وتستطيع عندها بعض دعواتهم وأصواتهم في إيصالكَ إلى السلطة اللازمة لتلبية دعواتكَ أنتَ!

أجل أنا أخاطبكَ أنتَ سيدي في البذلة الأنيقة وحولكَ الحرس الشخصي عند السيارة الفارهة، أجل أنا أذكر وعودكَ الرنانة والخبز الذي كنتَ توزعه على الفقراء. وما للفقراء من حيلة، فهم يفكرون ماذا سيأكلون اليوم، ولن يهتموا كثيراً بما سيحدث في الغد، لكن بالتأكيد كلهم أمل في أن تتعطف سيادتكَ عليهم وتمنحهم رغيفاً آخر من الخبز.

حتماً نحن في عصر الاقتصاد الحر، إنه العرض والطلب الذي يحدد إذا كنتَ ستصبح فاحش الثراء أو كنتَ ستتمكن من الحصول على عمل تعيل به أسرتكَ. وأعني بكلمة (تعيل) أنكَ ستكون قادراً على توفير مأوى لهم وستستطيع توفير الطعام يومياً وبالطبع لا أعني امتلاك فيلا في ميامي أو حساب في أحد بنوك سويسرا! أو قد يفرض عليكَ هذا السوق الحر الجلوس في بيتكَ بلا حول ولا قوة لا تملك ثمن دواء الضغط! والاقتصاديات الحرة أبرزت القطاع الخاص بشكل مثالي وجعلته المتحكم في أرواح الجميع بلا استثناء، فالأساليب الاقتصادية القديمة التي كان يتبعها معظم العالم حتى وقت قريب لم تعد صالحة لهذا العصر، فلا تستطيع الحكومات توفير الاحتياجات الأساسية بشكلٍ كافٍ للمواطنين، ولكم أن تتخيلوا شخص يعتمد بشكل كلي على ما تقدمه له الدولة من خدمات، هذا الشخص ميت بكل تأكيد! إذاً لابد من التسليم بالحقيقة؛ أنّ السوق قد فرض أسلوبه على الجميع. ولعبة السوق ليست فقط بعض الأسهم في البورصة التي ترفع شركات وتحط أخرى وإنما أصبحت أسلوب حياة كامل يفرض على البعض حياة مكتملة خارج جدران البيت سعياً خلف المعاملات المالية ويفرض على البعض مساومات ومفاوضات مستمرة ويفرض على الكثيرين تغيير الحقائق وعرض السلع أياً كان نوعها بأفضل طريقة بغض النظر عما إذا كانت هذه السلع هي الأفضل أم لا.

إنها قوة السوق التي تفرض على الجميع الركض خلف كل قرش خوفاً من الخطر المحدق في كل ركن من أركان المؤسسة الاقتصادية العظيمة. إذا أردتَ أن تأكل فلابد أن تدفع مقابل ذلك وبالتالي عليكَ أن تعمل لتحصيل المال الذي ستدفعه وإلا فنحن لسنا مسئولين عن موتكَ!

الأمر في عصر الانفتاح الاقتصادي واقتصاديات السوق الحر أنها خلقتْ بيئة جديدة وخصبة لهؤلاء الذين يمكنهم أن يبيعوا أي شئ وكل شئ فقط إذا حصلوا على السعر المناسب. ونعود من جديد إلى هؤلاء المتملقين والوصليين والانتهازيين، بالتأكيد سيجد كل منهم طريقه للوصول إلى ما يريد، فقط كن صديقاً مقرّباً للسوق أو اجعلها رباً لكَ وستعطيكَ ما تريد.

إنه إيقاع حياة اليوم، إيقاع سريع مضطرب غريب، يدفع بعض الأشخاص إلى فعل أشياء لم يكونوا يتوقعون على الإطلاق أن يقوموا بفعلها، ولكن من يدري ما سيحدث غداً. الكل يحاول أن يظل واقفاً، والكل يحاول أن تكون لديه البضاعة المناسبة، والكل يحاول أن يحصل على السعر المناسب لقاء بضاعته، وفي ظل هذا الانشغال الدائم بما يُباع وما يُشترى والانهماك في تحصيل متطلبات الحياة التي تمر سريعة وأسرع حتى من أن ندركها يبقى الجانب الإنساني بما يشتمل عليه من قيم وأخلاقيات كرداءٍ قديمٍ مُعلق إلى جانب المرآة، مكسو بالغبار، ننظر إليه أحياناً عند استعدادنا لبدأ رحلة جديدة للقتال من أجل فرصة للبقاء في مضمار السباق، وقليلاً ما نرتديه!


أحمد فايز

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك