02 أغسطس 2009

لقد كنت أعمل في المخابرات




لقد كنتُ أعمل في المخابرات


 

في بداية حديثي معه كان ردّه تنهيده (هيييه) ثم (كان زمن !).

في هذه الجلسة الودية مع عم علي دسوقي، سألته مستعلماً: " انت كنت فعلاً شغال في المخابرات يا عم علي ! ".

و كان الرد هو نفس التنهيدة التي افتتح بها حديثه: (هيييه)، ثم أضاف بعد ذلك: " أيوه يابني .. أنا كنت شغال زمان في المخابرات .. اشتغلت ييجي عشرين سنة .. أيام الرجالة ".

و انتهازاً لهذه الفرصة العظيمة التي أسعدني فيها حظي بالجلوس إلى أحد هؤلاء الرجال العظام اللذين يعملون في الخفاء و يعرّضون أنفسهم لأشد مواقف الخطر، فكرتُ في أن أجعل عم على يحكي بعض القصص التي شهدها أثناء تواجده في هذا الجهاز العظيم، جهاز المخابرات.

" طب ما تحكيلي كدة يا عم على اللي بيحصل هناك .. يعني حكايات و قصص البطولة اللي بتحصل في المخابرات ".

و بعد أن اتكـأ قليلاً، ثم رفع رجلاً و وضعها فوق الأخرى كاللذي يتذكر شيئـاً في قمة الفخامة و السمو: " أحكيلك إيه و لا إيه يابني .. احنا كنا كل يوم بنضحي بحياتنا عشان البلد .. بنشوف الموت بعنينا .. بنسهر و نتعب و من غير ما نكون مستنيين حاجة من حد ".

لقد أثـّرتْ فيّ كلماته جداً. ثم أردف قائلاً: " أنا هحكيلك قد إيه إحنا شقينا .. و قد إيه خدمنا البلد في أصعب الأوقات .. كان أيام حرب الإستنزاف .. كنت في مبنى المخابرات وقتها .. و في نص الليل لقيت اللوا إبراهيم داخل مكتبه بسرعة .. و لم شوية ورق بسرعة و خرج .. و بعد شوية لقيت شوية ظباط داخلين و مجرجرين واحد حاطين على دماغه كيس إسود .. اتضح في الآخر إنه مصري كان شغال جاسوس لحساب إسرائيل .. المهم قررنا إعدام الجبان الخاين ده .. لكن محسن بيه كان عنده رأي تاني .. لاحظ شبه كبير بين الجاسوس ده اللي كان إسمه منصور و بين ظابط في المخابرات إسمه أكرم .. و فكر في إنه يبعت الظابط بدل الجاسوس عشان يشتغل جاسوس لينا إحنا .. و بعد شوية تدريب كان الظابط أكرم بقى منصور و راح إسرائيل عشان ينفذ مهمته ... ".

قاطعتُ هذا السرد الشيق للقصة: " مش ده فيلم إعدام ميت بتاع محمود عبد العزيز و فريد شوقي برضه ! ".

فأجاب في في ثقة: " و ليلي علوي و بوسي ! لا يابني دا فيلم تاني .. قصدي حكاية تانية خالص من حكايات المخابرات ".

ثم أكمل حديثه: " طب هحكيلك حكاية تانية عن حرب أكتوبر .. في مرة كنت قاعد في مبني المخابرات .. كنت قاعد حزين كدة عشان حال البلد .. فعدّي السادات عليّا و لقيني على الحال ده .. فسألني مالك يا علي ؟ .. قولتله ما انت شايف يا ريس الحال اللي احنا فيه .. فميّل عليّا و قالي أقولك على سر بس ما تقولش لحد ؟!.. قولتله قول يا ريس .. سرك في بير .. قاللي احنا هنعبر بكرة الساعة اتنين .. اتنين و عشرة كدة .. أنا الفرحة ماكانتش سايعاني .. و تاني يوم في أوضة التخطيط للمعركة مكنش حد عارف إننا هنعبر غيري أنا و الريس .. و الريس واقف بيشرح للواءات و الظباط خطة المعركة و كلهم فاكرين إنها وقت تاني .. و بعدين على الساعة اتنين كدة قاللهم الريس إيه رأيكم نعبر دلوقتي ؟! .. قالوله و ماله يا ريس .. القولة قولتك و الشورة شورتك .. قالهم على بركة الله .. قولوا لحسني يضرب ولاد الإية دول لما يعرّفهم مقامهم .. و في ساعتها كانت الإتصالات و الضرب اشتغل و عبرنا و الحمد لله .. و بعدين ميّـل عليا الريس و قاللي مبسوط يا علي ؟ .. قولتله قوي يا ريس .. دا أنا هطير م الفرحة .. قاللي أي خدمة .. قوم بقى اعملي كوباية شاي .. قولتله من عينيا يا ريس ...".

و قاطعتُ حديثه مجدداً: " و هو بيقولك انت تعمل شاي ليه ! هو مفيش فراشين في المخابرات ! ".

فأجاب و بكل الثقة و الفخر: " ما أنا كنت شغال فرّاش في المخابرات ".

!



أحـمـد فـايـز




ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك