08 أغسطس 2010

انتحار كوب شاي


انتحار كوب شاي



في ساعة العصاري، عندما تدنو الشمس من المغيب، أكون جالساً أرشف شاي الساعة الخامسة كالمعتاد في (البلكونة)، أشاهد غروب الشمس وحراك الناس في الطريق. 

هذا الكوب الممتلئ بالشاي، ذلك الشاي الذي يحمل رائحة النعناع الأخضر والقرنفل، تلك الرائحة تجذبني من غرفتي، وتحملني حتى أكون ثاوياً أمام الكوب، أقدّم له فروض الطاعة والولاء، ألمسه بكلِّ الرفق، وأقبـّل حافته الملساء باستمتاع، وينساب رحيق الشاي الدافئ إلى فمي، وعندها، ينبت لي جناحان، وأشعر أنني أحلـّق بعيداً فوق السحاب. 

هذا الكوب العجيب يتملـّص من أصابعي، يتحرك، ويتدحرج، ويحاول القفز من البلكونة، يبدو أنه يريد التخلـّص من حياته، فلقد تحمّـل حرارة الحياة وقسوتها، وآن الوقت الذي يستطيع فيه كلُّ شئ أن يعبّر عن رأيه، وعن رفضه و استياءه، ويستطيع كلُّ شئ أن يتخلـّص من حياته، حتى وإن كان لا يملكها. يتسلل خلسة ً عندما أتركه، يتجه نحو الحافة، ينظر إلى الطريق المزدحم بالمارة، وينظر مرة أخرى نحو المطبخ –موطنه الأصلي ومرتع شبابه– ثم يسيل على جداره بعض البخار المتكثف، وكأنه يبكي عمراً مضى، ويتجه ثانية بفوّهته نحو الحافة، يترد في القفز، ثم يعزم أمره، ويلقي بنفسه من الدور الرابع. لاحظتُ هذا الموقف العجيب، وكان لا زال في الكوب نصفه، وهذا ما أشعل النار بداخلي، وزادني حـُرقة ولهفة. حاولتُ بكلِّ الطرق إنقاذه ومنعه من فعلته الشنيعة إلا أنّ كلَّ محاولاتي باءت بالفشل وتمكن من الهروب من بين يديّ والانزلاق إلى الهواء ليبدأ رحلته الأسطورية نحو الأرض. مرّ وقت طويل ولا زال الكوب يتأرجح في الهواء ويتقلب ذات اليمين وذات الشمال ويسكب كل ما فيه على الطريق قبل أن يلقاه فاتحاً فاهه الواسع، يصرخ صرخته الأخيرة، ثم يرتطم بالأسفلت ويتهشم إلى قطع صغيرة تتوه وسط التراب وقطع أخرى أكبر لا زالت تحمل بقايا الشاي المعطر بالنعناع الأخضر والقرنفل.

لا أدري كيف نزلتُ من الدور الرابع إلى أسفل البيت بهذه السرعة لكني وصلتُ إليه وخررتُ أمامه وحملتُ بقاياه، وجالتُ الخواطر في نفسي وذكرياتنا القديمة، لحظاتنا الجميلة، وسهراتنا الطويلة، وجاشت العاطفة بداخلي، وانفجرتُ ببكاءٍ يحمل كل ما في قلبي تجاهه. جمعتُ قطع الزجاج قطعة قطعة ووضعتها في منديل أبيض واستقر المنديل في علبة بيضاء، وفي جنازة مهيبة شيّعتُ زجاجه المتكسّر إلى مثواه الأخير في صندوق القمامة!

حكمة اليوم: يهتمُ بكَ البعضُ أحيانـاً، ويبكي عليكَ البعضُ أحيانـاً، وهذا لا يعني أنهم بالفعل يحبونك. فالبعضُ، برغم الاهتمام والبكاء، إذا لم يجدْ منكَ فائدة ً فإنه يتخلـّصُ منكَ في أقربِ فرصة، في أول صندوقِ قمامة. فلا تجعلْ نفسكَ عـُرضة ً لمثل هؤلاء.



أحمد فايز

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك