24 سبتمبر 2009

عيد زواج



 عـيـد زواج 


نسي أنّ اليوم هو نفس اليوم الذي تزوّجها فيه منذ عشر سنوات. رجع إلى البيت في نفس الميعاد كعادته. البيت صامت جداً. لا يسمع الضجيج المعتاد الذي يصنعه الأولاد. أصابه القلق ودار يبحث في البيت وينادي على زوجته وأولاده. 

كانتْ تقف في المطبخ، ترتدي ذلك الثوب الوردي الرقيق، ويفوح منها ذلك العطر الجذاب، وترتب بعض الورد في المزهريات. وقف ينظر إليها مستغرباً. ووقفتْ تنظر إليه مبتسمة، ثم مستغربة. ملابسه غير مرتبة، وتفوح منه رائحة العرق. لا يبدو عليه أنه يتذكر هذا اليوم على الإطلاق. نظرَتْ إليه تتفحصه. هو يعرف هذه النظرة. إنها نفس النظرة التي ترمقه بها عندما تطلب منه إحضار البيض أو اللبن في طريقه وينسى ذلك. أو عندما تطلب منها ألا يتأخر على العشاء ويتأخر مجدداً في العمل. وعندما تطلب منه عدم ترك جواربه المتسخة تحت السرير وينسى في كل مرة ويتركها هناك. عرف أنه قد نسي شيئاً مهمّاً – من وجهة نظرها – لكن المشكلة أنه لا يتذكر هذا الشئ الآن!

أخذ يبحث في رأسه عن أي شئ قد طلبته منه اليوم قبل أن يذهب إلى العمل! لا شئ. شئ طلبته منه الأسبوع الماضي ولم يحضره! لا شئ. اليوم هو (العيد الكبير)! زيارة (حماته)! أو أول رمضان! لا. وقف ينظر إليها هذه النظرة (البلهاء)، يفتح فمه وهو لا زال يبحث داخل رأسه. انتهى صمتها وظهر عليها الاستياء والغضب.

"من المؤكد أنكَ نسيتَ. بالتأكيد، هذا شئ غير مهم بالنسبة لكَ، لكن يهمكَ الطعام الذي أعده، وملابسكَ التي أغسلها، وهذا البيت الذي تجده نظيفـاً باستمرار، وجواربكَ المتسخة التي تلقيها دوماً أسفل السرير، مع أنني أحضرتُ سلة خصيصاً للجوارب! (ليس موضوع الجوارب مجدداً) لكن بالتأكيد لا تذكر عيد زواجنا العاشر. أنا مخطئة أنّي منذ الصباح أرتب البيت، وأتزين لكَ، وأرسل الأولاد عند أمي حتى نحظى بأمسية رومانسية لنا وحدنا كتلك الأمسيات في بداية زواجنا". ثم ذهبتْ غاضبة إلى غرفتها تغالبها الدموع.

(عيد زواجنا! بالتأكيد، كيف لم أتذكر هذا اليوم! سيكون العام القادم مثل سنين شدة مصر في عصر يوسف!)

ذهب خلفها وهو يحاول أن يرضيها بأي شكل. لكنها كانت قد أغلقتْ الغرفة ولم تفتحها له.

"يا عزيزتي افتحي الباب أرجوكِ".

لم ترد عليه.

يبحث عن شئ يقوله.

(وجدتها)

وقف واثقاً من نفسه وظهر ذلك في نبرة صوته.

"بالتأكيد قد انطلتْ عليكِ هذه الخدعة!".

ثم وقف يضحك.

"هل اعتقدتِ فعلاً أنني نسيتُ عيد زواجنا العاشر! بالتأكيد لم أنسَه يا عزيزتي، لقد كنتُ فقط أمازحكِ، فهناك مفاجأة لكِ لن تتخيليها".

فتحتْ باب الغرفة قليلاً، وتبدو أثار الدموع في عينيها وعلى وجهها.

"أنتَ تكذب".

"لا أكذب يا عزيزتي، كيف لي أن أنسي تاريخ مولدي الثاني! كيف أنسى أجمل يوم في حياتي!".

"كل هذا كذب".

"ليس كذباً يا حبيبتي، ودعيني أثبتُ لكِ".

خرجَتْ من الغرفة.

"لقد أعددتُ لكِ مفاجأة رائعة، لكن أمهليني لحظات لأجهزها".

أخذها من يدها وأجلسها على الأريكة في الصالة، ودخل الغرفة وأغلق الباب عليه.

(ماذا أفعل الآن! مفاجأة! أي مفاجأة! ماذا سأخبرها! ماذا أصنع! ماذا أصنع!)

فتح خزانة الملابس وارتدى شيئاً أنيقاً وهو يفكر في ما سيفعله بعد ذلك. يرتجل أفعاله ويتمنى أن ينتج عن ذلك أي شئ له معنى. يضع عطره الخاص بالمناسبات الهامة. يفتح محفظته فيجد فيها القليل من المال.

(ماذا أفعل! كيف! ومتى!)

يجلس على السرير يفكر.

(وجدتها)

فتح صندوقاً صغيراً يدخر فيه بعض المال، وأخذ كل المال الذي فيه. خرج إليها وهو يبدو أنيقاً جداً مثل يوم زفافه.

"هيا يا حبيبتي، ارتدي ملابسكِ".

"لماذا؟".

"ستعرفين".

تذهب لترتدي ملابسها للخروج ويخرجان. يأخذها إلى أفخم مطعم في المدينة. يطلب طاولة في مكان بعيد عن الزحام. يسحب لها الكرسي ويُجلسها. تجلس منبهرة بهذه المفاجأة. يطلب الطعام الذي تحبه ويتناولانه في سعادة. يعودان إلى البيت وهي في غاية السعادة، وتشعر أنها تملك أفضل زوج على الإطلاق.

"أسفة يا عزيزي إذ ظننتُ أنكَ نسيتَ عيد زواجنا".

"وكيف يمكنني يا عزيزتي! ".



أحمد فايز




سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك