21 أكتوبر 2009

النوتة الوردية


النوتة الوردية


كانتْ تجلس كل مساءٍ على مكتبها، تفتح نوتتها الوردية، وتدوّن كل أحداث اليوم على هيئة علامات؛ كانتْ ترسم نقطتين وقوساً مقوَّساً إلى أسفل دلالة على الحزن، ويكون القوس مقوَّساً إلى أعلى دلالة على الفرح، كانتْ تكتب الحروف الأولى من أسماء الأشخاص، والحروف الأولى من أسماء الأماكن، كانت ترمز للحماس بالألعاب النارية، وترمز للخيانة بسهم مكسور. وهكذا كانتْ كل حكاياتها عبارة عن علامات أشبه بالطلاسم، لا يستطيع أحد غيرها فكّ هذه الشفرة العجيبة.

في هذه النوتة لم ترسم شكل القلب سوى مرة واحدة، وكان ذلك في الصفحة التاسعة، وكان هذا القلب يخترقه سهم، عند أحد طرفي السهم الحروف الأولى من اسمها، وعند الطرف الآخر الحروف الأولى من اسمى، ولم تشهد النوتة الوردية قلباً غير هذا القلب. خلال سنوات عمرها العشرين الماضية لم يتكرر هذا القلب سوى مرة واحدة عندما كانت في الخامسة عشر من عمرها! ماذا كانت تعني به وقتها! لستُ أدري. ولكن ما أدريه أنها لم تشعر بمثل الشعور الذي انتابها حين رسمتْ هذا القلب غير مرة واحدة لم تتكرر، كانت تورِد في الصفحات التالية حروف كثيرة وأسهم كثيرة وكأنها ترسم خريطة كنز، أي كنز! لستُ أدري.

ظلـّتْ هذه النوتة حبيسة درج مكتبها حتى أمس، حين فتحتْ صندوق الألعاب خاصتها، وأخرجت دُمىً وكرّاسات، ثم ابتسمتْ وأخرجت الكنز القيـّم والمخطوطة الهامّة، أخرجتْ النوتة الوردية، وأطلعتني على الشفرة الخاصة بها والأكواد التي تحل ألغازها. تصفحتُ النوتة من أولها حتى آخرها لكني لم أفهم شيئـاً، فابتسمَتْ وبدأتْ من البداية، من أول صفحة، بدأت تشرح معاني العلامات (الشفرة) وتقرأ معي. قرأنا ثلاث ساعات متواصلة، وكأننا غارقيْن في كتاب ألف ليلة وليلة، نطوف الدنيا داخل هذه النوتة الصغيرة، وحين انتهينا رجعَتْ إلى الصفحة التاسعة، وأشارتْ إلى القلب المرسوم في الصفحة  وإلى أحد الأحرف عند طرفي السهم وقالتْ: "هذا أنتَ".



 أحمد فايز


14 أكتوبر 2009

ضريبة الحب



ضريبة الحب


زوجان حديثا الزواج يجلسان إلى مائدة الطعام.

تحضر الزوجة الطعام إلى الطاولة بسعادة وفخر.

هي لا تجيد الطهي،  لكنها تحاول أن تصنع الطعام بنفسها.

تضع الأطباق على الطاولة، وهو جالس يترقــّب ما سيحدث.

رائحة الطعام تملأ المكان، وهي مزيج من الدخان وشئ آخر لا يستطيع أن يدركه، ولكنه بالتأكيد ليس جيداً.

تغرف الطعام وتضعه في الطبق أمامه.

يشعر أنه يريد أن يتقيأ.

الطعام هو شئ ذو ألوان غريبة، يشبه جورباً محروقاً، أو فأراً مصعوقاً ومقلياً في الزيت!

يحاول أن يقاوم الإغماء والبكاء.

يبدأ بالسلطة، يجدها مالحة جداً.

يشرب القليل من الماء ويحاول أن يستجمع قواه.

"لماذا لا تأكل يا عزيزي! ألا يعجبكَ الطعام!".

يحاول ألا يجرح مشاعرها.

"بلى يا عزيزتي، الطعام رائع، أنا فقط أستعد له!".

يأخذ قطعة صغيرة بالملعقة، يوجهها نحو فمه بكف يرتجف، ويضعها أخيراً في فمه وهو مغمض العينين. 

يشعر بالاختناق، يحمرّ وجهه، وتدمع عيناه.

"هل أنتَ بخير يا عزيزي؟".

"أجل يا عزيزتي، الطعام لذيذ وشهيّ جداً".

"لقد نسيتُ التحلية في الفرن، سأذهب لكي أخرجها قبل أن تحترق".

ينتهز هذه الفرصة ويفرغ محتويات الطبق في إصيص الزرع وهو يعتذر للنبتة البريئة!

ترجع زوجته فتجده قد انتهى من طعامه ويمسح فمه.

"لقد انتهيتَ من طعامكَ يا عزيزي!".

"أجل يا عزيزتي، لقد كان شهياً جداً، شكراً لكِ".

يهمّ بالقيام.

"انتظر يا عزيزي، فلتأكل المزيد".

"لا أستطيع يا عزيزتي، لقد امتلأتْ معدتي وشبعتُ".

"لا يمكن، يجب أن تأكل المزيد، فأنتَ لا تأكل جيداً هذه الأيام، أم أن طعامي ليس جيداً كفاية!".

وبعد إصرار، يجلس مُجبَراً، ويتناول باقي الطعام مُكرَهاً. وكالعادة يذهب بعد الطعام إلى دورة المياة لكي يتقيأ!




أحمد فايز



06 أكتوبر 2009

لا تبالي



لا تبالي



لو قالوا أنّ هناكَ زهرةً وحيدةً جميلة ْ

عطرُها غالٍ ومسكنـُها تلكَ الجزيرة ْ

لزارَها الزوّار أملاً في ملاقاةِ الحسنِ منها

ولركبوا الأخطارَ كي يصلوا إليها


على الرغم من أنّ الوصولَ إليها مخاطرة ٌ كبيرة ْ


على الرغم مِن أنهم لم يبصروها


ولو أبصروها لازدادوا لها عشقاً


لأنـّها مميزة ٌ ونادرة ُ الطفولة ْ


وإنما القمامة ُ - وإنْ كانتْ مزركشة ً - كثيرة ْ


لا يهتمُّ بها سوى كلابِ الطريق ِ التائهةِ الحقيرة ْ


فلا تهتمّي إن سخروا منكِ


ولا تهتمّي لو لم تنالي مديحاً أنيقاً


فيكفيكِ أنـّي أزدادُ فخراً لأنـّـكِ أختي الصغيرة ْ


ويكفيني أنـّـك بينَ النساءِ مغلفة ٌ بهذهِ النضارةِ الأصيلة ْ


..


هل يهتمُّ الياسمينُ إنْ قالوا أنّ وريقاتِهِ البيضاءَ رقيقة ْ!


أو أنّ أغصانـَهُ الخضراءَ دقيقة ْ!


هل رقــّـة ُ الأوراق ِ عيبٌ فيها!


وهل تهتمُّ الزهرة ُ العذراءُ في بستانـِها بغبارِ المارّة ْ!


وهل تبالي الشمسُ في تألـّـقِها بمن قالوا أنّ حرارتـِها شديدة ْ!


كلامُ الحمقى لا يعنيها


دعكِ ممن تكلـّموا فزادَ القولُ عن حدٍّ


مخلوط ٌ قولـُهم بينَ هزل ٍ وجدٍّ


وحُجّـتـُهم ضعيفة ْ


فلا تهتمّي بهم وتمسّـكي بأركان ِ الفضيلة ْ


..


إنْ تزيـّنّ بالألوان ِ


وظننّ أنـّهنّ جميلاتٌ


وتمايلنَ بخفةٍ ودلالٍ

 
فيعجبُني ذاكَ الستارَ العفيفَ

ستارَ الحياءِ


ولا تحسبيني لا أراكِ في خيالي


بكلِّ البهاءِ


ولا تحسبي أنـّي بهـِنّ قد أهتمْ


فكم من سائرٍ على الأشواكِ يسيرُ مجبَراً


متوجـِّهاً رغم الألام ِ

يرجو الوصولَ إلى غايةٍ أهمْ

دعكِ منهنّ ومن تفاهاتهنّ


وتمسّـكي بما لديكِ من الجمال ِ الظاهرِ في أفعالِكِ


واعلمي أنـّني قادمٌ غداً أو بعد غدٍ


معي تاريخ ٌ ملَّ من مشاهدةِ القرودِ في الطريق ِ


ملَّ الأصواتِ النجسة َ تهوي في أذني


ملَّ العطورَ الرخيصة ْ


معي خاتم ٌ ذهبيٌّ لكِ


وفضيٌّ لي


ورجلٌ بعمامةٍ وشاهدان


ووالديّ ووالداكِ


معي أمّـة ٌ ترجوكِ أن تتمسّـكي بما لديكِ من الأنوثة ْ


كذبْنَ إذ تلوّنّ وقلنَ أنهنّ إناث ٌ


مالي أنا وما لهنّ


فالطيورُ على أشكالها تقعُ


وما أجملُ الشكل ِ إنْ كانَ محفوظاً بعيداً عن العيون ِ اللقيطة ْ


..


هل تعلمينَ كيف أشعرُ حينَ أراكِ تسيرينَ بكل ِ الجدِّيةِ في طريقْ!


مغطاة ً بحسن ِ التأدّبِ والبريقْ


بينَ العرائس ِ المشوّهةِ الممسوخةِ الرديئة ْ


بينَ غربان سوداءَ لا تكفُّ عن النعيقْ


وشياطين حمراءَ تسيرُ حولكِ في فريقْ


ازدادُ فخراً كلما صفعتي واحداً منهم بثوبكِ الطويل ِ


ازدادُ فخراً حينَ ننتسبُ سوياً إلى نفس ِ الديانة ْ


ويحتارونَ في تصنيفِ من هم سوانا


لا هم منـّـا


ولا منهم


مذبذبون لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ


ضائعونَ ويحسبونَ أنهم على الصراطِ المستقيمْ


..


دعكِ منهم وانظري أمامكِ واكملي المسيرَ


سيري بلا توقــّـفٍ


ولا تهتمّي لو نعتوكِ بأيِّ وصفٍ


فاجمعي الأوصافَ واصنعي عباءة ً وحجاباً


وارتدي ذاكَ الرداءَ مهانة ً لهم


وتحدّي من في الأرض ِ جميعاً


واجعلي رجالاً يشعروا بالخزي


ظنـّوا أنهم رجالٌ


حتى رأوا ما تصنعينْ


كيف الأناثُ في زماننا صاروا رجالاً!


يحملون الأمانة َ في وجوهِ الخائنينْ


يقفون موقفـاً حازماً لا يلينْ


وبرغم التحدّي لا يزلنَ واقفاتٍ رغم كيدِ الكائدينْ


..


أختاهُ لو أخبروني أنّ موتي محققٌ في سبيلكِ


لن أبالي


ولو كانَ حتفي مقابلَ أنْ أرعى جمالكِ في عيوني


لن أبالي


ومن أجلكِ أحرصُ على أن أكون رجلاً كاملَ الرجولةِ


لكي تعلمي أنكِ لستِ وحيدة ً


ولتعلمي أنـّني حقـاً أبالي


فتمسّـكي ولا تضيّعينا


فكفانا ما قد ضاع َ منـّـا


ومن ضاعوا


فتمسّـكي وتشبثي عسانا نعودُ سالمينَ


في زمان ٍ كثيرٌ من الناس ِ فيه لا يبالي


..

 
أحمد فايز


03 أكتوبر 2009

وشوِشْ الوَدَعْ



وشوِشْ الوَدَعْ


"توشوش الودع؟!".

قاطعَتْ استرخائي و تأمُّلي بهذه الكلمات.

"لا شكراً، أنا لا أؤمن بهذه الأشياء".

كان هذا ردّي عليها. فأنا لا أؤمن بأشياء كقراءة الكف، ضرب الودع، قراءة الفنجان، أو غيرها من الادّعاءات الكاذبة المحتالة.

"أنا لا أقول لكَ آمن به وإنما أقول (وشوش الودع)، لن تخسر شيئاً، فأنتَ (توشوش) البحر منذ حوالي ثلاث ساعات".

كان ردّها غريباً بالنسبة لضاربة ودع!

"أنتِ تراقبينني إذن!".

"أنا لا أراقبكَ، ولكني مررتُ من أمامكَ أكثر من سبع مرات، وأنتَ لم تلاحظني حتى، لقد كنتَ في عالم آخر، (سارح في ملكوت الله)".

"حسناً، فلنرَ ما لديكِ".

جلسَتْ أمامي على الأرض وفتحَتْ كيسها الملئ بالرمل والصَدَفْ، أعطتني إحدى الصدفات لكي (أوشوشها)، تكلـّمْتُ إلى الصَدَفة  قلتُ ما كنتُ أقوله للبحر: (أريد أن أجتاز الاختبارات المقبلة. أريد أن أصبح طبيباً جيداً وأفحِم كل الذين شككوا في قدرتي على أن أصبح طبيباً. أريد أن أصبح رجل أعمال ناجح وأفحِم كل الذين شككوا في قدرتي على أن أصبح ذلك الرجل الناجح. أريد أن أصبح أديباً متميّزاً وأفحِم كل الذين شككوا في قدرتي على أن أصبح أديباً. أريد أن أجد نفسي في هذا الكون الواسع. أريد الراحة من عناء الحياة الذي لا ينتهي). قلتُ كل ما كنتُ أفكرُ فيه ثم ناولتها الصَدَفة.

أمسكتْ صدفاتها وأخذتْ تقلّبها في كفها ثم ألقتها على الرمل، وبدأتْ تخطّ على الرمل بعصا صغيرة، وأخذت الصَدَفة التي كنتُ أوشوشها ووضعتها على أذنها.

ابتسمتُ مما تفعل، فهذه المرأة المجنونة تحاول أن تسمع ما كنتُ أقوله للصدفة، تظنُّ أنّ الصَدَفة تحتفظ بما كنتُ أقول!

بعدما استمعَتْ للصَدَفة ابتسمَتْ ولملمَتْ صدفاتها في كيس الرمل وقامتْ من جلستها وقبل أن ترحل نظرَتْ إلىَّ وابتسمَتْ ثم قالتْ: "ناجح إن شاء الله، وستفحمهم جميعاً"! ثم سارتَ حتى اختفتْ، وأنا أتابعها بنظري مستغرباً ما حدث، ثم ابتسمتُ برضا، وأكملتُ استلقائي أمام البحر وأنا أشعر براحة أعلم أنّ هذه المرأة كانتْ سبباً فيها.

أحمد فايز


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك