30 نوفمبر 2009

لم يبقَ منكِ شئٌ



لم يبقَ منكِ شئٌ



ماذا تعتقدينَ أنه بقى منكِ؟!

رسائلٌ!
مزّقتها منذ فترةٍ طويلة.

ورودٌ!
تخلصتُ منها كلها في القمامة.

كلماتٌ!
ألقيتها جميعاً من النافذة.

لقاءاتٌ!
مسحتُ غبارَ الطريق ِ إليها عن أقدامي منذ زمن.


ما الذي بقى منكِ وتعتقدينَ أنه علقَ بروحي وسيظلُّ يذكرُني بكِ؟!
لم يَعُدْ هناكَ أيُّ شئ ٍ على الإطلاق.

 
أعلمُ أنه ستصلكِ هذهِ الرسالة ُ كما وصلتكِ رسائلي السابقة.
وأنه مهما واراها عنكِ والداكِ، وتفننَ الخدمُ في إخفاءها، وغضضتِ أنتِ الطرفَ عنها، فسوف تقرأينها حتماً.
لكنك –كالعادة– لن تفعلي أي شئ.
فقط ستعتقدين أنّ هناكَ شيئاً منكِ لا زالَ يسكنني.
شيئاً يجبرني على الكتابة.
لكنكِ مخطئة، فلم يبقَ منكِ أيُّ شئ ٍ في ذاكرتي، ولا حتى مجرّد الصورة أو الاسم.

 
أنتِ حمقاءُ جداً.
حمقاءُ لدرجةِ أنكِ لا تبصرينَ حماقتكِ.

وباردة ٌ جداً.
باردة ٌ لدرجةِ أنك لا تشعرينَ بكلِّ هذا البرود.

وضعيفة ٌ جداً.
ضعيفة ٌ لدرجةِ أنّ الضعفَ لا يظهرُ فيكِ.

وسلبية ٌ جداً.
سلبية ٌ لدرجةِ أنّ سلبيتكِ اختلطتْ بالموتِ فلم يَعُدْ بينهما فرق.

وعلى الرغم من كلِّ ذلكَ فأنا لا زلتُ أحبكِ جداً.
أحبكِ لدرجةٍ يستحيلُ معها إخفاءُ هذا الحب!



من قالَ أنّ الحبَّ يأتي من دون ِ الألم!



أحمد فايز


29 نوفمبر 2009

الحجاب بين المطرقة والسندان



الحجاب بين المطرقة والسندان


بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً على نزول الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)(الأحزاب:59). والآية: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31). بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً على نزول هاتين الآيتين لا يزال هناك من يعتقد أن ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه لا يتعدّى كونه حرية شخصية.

المجتمعات الإسلامية فيها غياب للوعي الديني لدى عامة الناس، والدين لا يطبق في شئون البلاد إلا على نطاق ضيق، وأصبحتْ حياتنا الاجتماعية محكومة بالعرف والتقليد -حسنه وسيئه- وليس بالدين الحنيف. عندما نزلتْ آيات الحجاب قام نسوة المدينة بشق أستار البيوت وارتدوها حجاباً بلا نقاش أو شك. وهذه الأيام لم يعُدْ هناك ما يدعو -في نظر البعض– لارتداء الحجاب باعتباره (موضة قديمة)، أو أن الزمان قد تغير، أو أن الدين ليس مجرد غطاء للرأس ولا يجب اختزال الدين في نقطة واحدة. فإين يكمن الخلل إذن؟ هل البيت هو المشكلة؟ هل قيم المجتمع؟ هل السياسة العامة للبلد؟ أم أن المسلمين ورثوا الدين بجهالة فطبقوه بحماقة؟!

تخرج المرأة من البيت فلا تجد من يراجعها في ملبسها وصورتها العامة، بل تجد أحياناً من يستحسن عدم حشمتها ويشجّعها! وكأنّ طاعة الله لم تعد أمراً مهماً أو أننا نعرف أكثر ونفهم أكثر في الدين مما يفسح لنا المجال لتغيير العقائد والمبادئ، تماماً كشخص يريد أن يصلي ركعتين فقط للظهر ولا يرى من داعي للركعات الأربع! والحجاب كالصلاة كلاهما فرض.
عندما نرى في الأفلام والمسلسلات والبرامج تظهر المرأة متبرجة. وعندما نرى في المؤتمرات والمحافل الدولية المرأة متبرجة. وعندما تشترط بعض الوظائف والمناصب المرموقة مظهراً لائقاً والحجاب ليس جزءاً منه. هناك توجّه عام للتحرّر من الحجاب ودعوة مجتمعية لنبذه! ربما يريد المجتمع تطبيق الدين جزئياً! يأخذ من الدين ويترك.
التبرج أحياناً يكون إرثاً عائلياً وسمة ضرورية في بعض العائلات وخاصة تلك الطبقات التي تعتبر نفسها راقية. حيث يعتبر التبرج والزينة من مظاهر المدنية والرقي والوجاهة. فتتوارث العائلة التبرج وعدم الحشمة، ولا وازع ديني يحكم الأفعال التصرفات وكأن الفطرة قد انتكست واختلت الموازين.
عندما تتبرج امرأة بحجة إظهار جمالها لاجتذاب الشباب من أجل الزواج، وكأنها قطعة أثاث يتوافد عليها المشترون، من يعجبه اشترى ومن لم يعجبه تفرّج ثم انصرف. يعلم الجميع أنه حسب الشرع الإسلامي أن الفتاة إذا ما بلغت سن الحيض فلا يجوز لها كشف شئ من جسدها إلا الوجه والكفين، وذلك لحكمة غرضها عدم استثارة الرجل بجسد المرأة لأنها كلها فتنة للرجال. حتى أن عطرها وصوتها وحركتها قد تكون سبباً في إثارة شهوات الرجال، ويترتب على ذلك الكثير من الفواحش والمآثم، ونرى فعلاً أثر هذا التسيب والحرية الجسدية في بلاد وقد أصبحت الرذيلة أمراً عادياً وأصبح الفساد الأخلاقي شيئاً أصيلاً في ثقافتهم وحياتهم، حتى وإن تقدموا علمياً أو اقتصادياً، فببساطة هم لا يحافظون على ديانة وإن ادّعوا التدين فلا يوجد دين يرحب بالفساد والرذائل والفحش. 
تقول المتبرجة أن الحجاب يعيق الحركة أو السمع! أو أنه يُشعر بالحر ويؤثر على التركيز! أو أنه يضيع (البريستيج) ويجعلنا متمسّكين بتقاليد قديمة رجعية! أو لا يتماشى مع (ستايل) معين تشعر معه أنها جميلة أو مرغوبة. ولا تنتبه إلى أنّ الشيطان يبرر للإنسان الخطيئة ويبسّطها له لكي يتمادى فيها ولا يرجع عنها.
للأسف بعض المحجبات يرتدين حجاباً لا يرقي إلى مرتبة الحجاب، فهنّ كما وصفهنّ النبي (عليه الصلاة والسلام) "كاسيات عاريات". يعتقدنَ أنهنّ على صواب وأنهنّ قد أدّينَ حق الله ولا حرج عليهنّ. والحجاب أساساً ليس قطعة قماش توضع على الرأس وإنما اعتقاد وأسلوب حياة متكامل وإيمان بأن أمر الله أولى من هوى النفس.

الالتزام الديني ليس بالضرورة رجعية وتخلف كما لا يعني الفساد المدنية والتحضر. لكني أعتقد أنه من العقل أن المرأ إذا اتّبع مذهباً أو ديناً فعليه الالتزام بالقوانين كلها والمبادئ كافة ولا ينتقي ما يروق له وينبذ البقية.


أحمد فايز

 

26 نوفمبر 2009

زي ما انت عارف


زي ما انت عارف

 

في استراحة المطار، جلس رجل يرتدي بدلة أنيقة، و يحمل حقيبة مثل حقائب رجال الأعمال أو الدبلوماسيين، جلس إلى جانب شخص يرتدي قميص و بنطلون عاديين. ثم بدأ بينهما حوار:

صاحب البدلة: " هااااااا (تنهيدة) .. لسة فاضل نص ساعة على معاد الطيارة .. ربنا يسهل و تكون رحلة كويسة .. و الله الواحد ما بقى عارف إيه حكاية الطيارات اليومين دول ! .. ما هو زي ما انت عارف حوادث الطيارات بقت كتير ".

فرد صاحب القميص بابتسامة.

صاحب البدلة: " هو المنتخب عمل إيه امبارح في الماتش ؟ أصل أنا كنت مشغول و ما شوفتوش .. بيقولوا خسر 1 – صفر .. مش عارف إيه حكاية المنتخب .. و زي ما انت عارف بيتصرف عليه فلوس كتير ".

و رد صاحب القميص أيضاً بابتسامة.

صاحب البدلة: " قال امبارح في النشرة سمعت إن اليابان عاوزة تسحب جنودها من العراق .. ما هو زي ما انت عارف الوضع هناك بقى وحش قوي ".

و يرد صاحب القميص بابتسامة.

صاحب البدلة: " المرور النهارد كان زحمة قوي و أنا جاي .. ما هو زي ما انت عارف الناس بتكتر و العربيات ملت البلد ".

و لا زال صاحب القميص يرد بابتسامة.

صاحب البدلة: " قال مراتي بتقوللي ما تنساش تجيب شنط العيال معاك و انت جاي .. شنط مدارس إيه بس اللي أجيبها معايا ! ما هو زي ما انت عارف المدارس بقت ع الأبواب خلاص ".
و يواصل صاحب القميص الرد بابتسامة.

صاحب البدلة: " هو الدنيا حر كدة ليه ! يمكن التكييف بايظ ! و لا عشان البدلة ! أصل زي ما انت عارف البدل بتحرر الواحد قوي ".

و يرد صاحب القميص بابتسامته المعتادة.

صاحب البدلة: " هو انت ما بتردش عليّا ليه ؟! و عمال تضحك و خلاص كدة ليه ؟! ".
و صاحب القميص يبتسم.

صاحب البدلة: " انت بتضحك على إيه ؟! هو فيه حاجة بتضحك ؟! ".

صاحب القميص: " Sorry, I don't   understand you ".


حكمة اليوم:
قال لي رجل قد اتعبه الدهر، و بلغ أرذل العمر، و عالج وقفات الحياة، حتى فاحت الحكمة من بين ثناياه: " قبل أن تنطق بالكلمة، اعقد لها في رأسكَ جلسة ".


أحـمـد فـايـز


16 نوفمبر 2009

استراتيجية الضرب ع القفا


استراتيجية الضرب ع القفا


(علاقة رائعة بين الحاكم والمحكوم تتلخص في تفنن الطرف الأول في إهانة الطرف الثاني بكل الطرق. ولأن الطرف الثاني مسالم وطيب باستمرار فهو يتقبل هذه الإهانة بصدر رحب)! 


استراتيجية (الضرب ع القفا):

منذ عصور بعيدة والشعوب تخضع لحكامها. برغم القسوة والظلم والمهانة إلا أن الجميع خاضع وساكت وراضي. بل وفي الوقت الذي يتفنن فيه الحكام في الإيذاء يتفنن الشعب في أساليب التحمُّل والخضوع. تتلخص إرادة الشعب في الصبر والأمل؛ الصبر على ما هو كائن والأمل في ما سيكون، مع قليل من الذكريات الجميلة القليلة التي يتصبَّر بها الفقراء على نقص الخبز. ولا أدري من أين أتى البشر بهذه الكمية من الرضا والقناعة والصبر، هل هو الإيمان الراسخ في قلوب الناس الذي يمنعهم من سؤال غير خالقهم! أم العقيدة القوية التي تمنعهم من الثورة في وجه حكامهم! أم القناعة الشديدة عندهم بأنهم مذنبون لا محالة وأن ما يحلّ بهم هو تكفير عن بعض ذنوبهم! أم الرضا بما يقضي به الدهر عليهم!


وبين الصمت والصمت .. صمت:
 
عندما تتربى الشعوب على الخوف تورث أبناءها الجُبن. الخوف يا سيدي أقوى سلاح تحارب به، فالخائفون لا يرتدُّ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، تراهم يهرعون مع كل صيحة ويسجدون عند قدم كل من يمسك السوط. كل شعب يورث الصمت فهو شعب تعلم كيف يأكل لسانه، النساء فيه يُرضعون أطفالهم الخوف والمذلة. يتحجج الناس بالحياة ولا أرى حياة مع الذل والمهانة. يا سيدي أخبرني ما طعم الخبز المغمس بالقذارة، أخبرني ما طعم الماء المخلوط بالعفن والنجاسة، أخبرني كيف ترى الدنيا في يوم عاصف، الهواء فيه محمّل بالأتربة، هل ترى الجنة! لا أعتقد.


تبّتْ يدا من قال نعم .. ومن قال لا:
 
تعلم كيف تتكلم باللغة المناسبة، عندما تنافق حاكماً وتسب عالماً، وتنفذ ما قد قيل دون إعمال عقل فوالله ما أرى لك وصفاً بين البشر ولا بين الحيوان، دنيئ أنتَ يا أخي إذا قبلتَ طعم لحمي في ديوان الملك، ودنيئ أنتَ إن استبحتَ عرض أخواتكَ بعد قتل أبيكَ. القولة قولة الحاكم، افعل ولا تفعل، أراه إلهاً يقضي بمشيئته بين البشر، والبشر الموهومون الغافلون الجاهلون يظنون أن بيده موتاً أو حياة، أين الإيمان الذي تتشدقون به أيه الغوغاء!


كتاب الخلق:
 
كُتب الخوف على كل من رضي بالذل، وكُتبت المهانة على كل من قبِل الصفعة على خد فأدار الخد الآخر ليستقبل الصفعة الأخرى. كُتب الموت على كل من عبد الحياة وكتبت الحياة على كل من تركها. كتب العذاب في الأخرة على كل من كذب وتولى، وكتب العذاب في الدنيا على كل من رفض الظلم وأبى. كتب أنه من خاف غير الله لم يأمن لا في دنيا ولا في آخرة، ومن خاف الله وحده أمِن في الدنيا والأخرة.


أيها الناس، أفيقوا، موتكم تحت أقدام الناس لا يعطيكم الكرامة، ورضاكم بالذل والمهانة لا يورثكم الخلود. وكان في من كانوا قبلكم أُناس علموا الحق فاتبعوه فعاشوا، ومنهم من علموا الحق فجبنوا وأنكروه فماتو والخزي رفيقهم في حياة وموت.


واللهِ لا خير في حياة نأكل فيها العيش بالجُبن.



أحمد فايز



14 نوفمبر 2009

احزن .. لكن بلطف



الحزن يكون نتيجة شئ قد حدث ولم نكن نرغب في حدوثه، أو شئ أردنا حدوثه لكنه لم يحدث. ويتعامل الناس مع هذا الحزن بثلاث طرق:
  1. تغيير الوضع.
  2. تقبُّل الأمر.
  3. الاستسلام للحزن.

بعض الأشخاص يبحث في أسباب الحزن ويحاول أن يغيّر هذه الأسباب، يتعلم مما حدث، و يفكر بشكل موضوعي بعيداً عن الجزع والهلع.

بعض الأشياء يمكن أن تتغير والبعض الآخر لا. بعض الأشخاص يمكنهم مواجهة الحزن بثبات والبعض الآخر لا.

يمكن تقبـُّـل الأمر، يمكن الرضا عمّا حدث، يمكن التنفس بعمق وإطلاق الدخان الراقد في الصدر.

المحزونون هم من يستسلمون للحزن ويسلـّمونه مفاتيح حياتهم ويتركونه يعبث فيها كيفما شاء، وهذه سلبية متأصّلة في نفوسهم. الرضا بالحزن والغرق فيه ليس من الإيمان وليس من الصبر، إنه خضوع وانتحار بشكل بطيئ.

قرأتُ كتاباً وأعتقد أن كثيرين غيري قد قرأوه أو سمعوا عنه، اسمه (لا تحزن) للشيخ (عائض القرني)، يسرد فيه أسباباً عديدة لعدم الحزن ويبين أن في الدنيا أشياءً كثيرة تدعو للفرح والسعادة. هو بالتأكيد لا يطلب منك أن تكون صخرة لا تشعر ولا تتحرك، فالنبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) عند وفاة ولده إبراهيم قال: "و إنـّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون". فالنبي قد حزن وبكى.

أنا أقول لكَ هنا احزن، لكن لا تحزن ذلك الحزن الذي يقتلكَ ويُسقط عنكَ أوراقكَ ويترككَ كالشجرة الجافة. لا تحزن ذلك الحزن الذي يوقف حياتكَ ويدمّر علاقاتكَ ويضيّع فرصكَ في التقدم. احزن لكن بلطف، احزن وتعلـّم من حزنكَ، تعرّف على السعادة من خلال مقارنتها بالحزن، تعلـّم كيف تستمتع بعد الحزن، تفاءل وتوقــّع أن يكون بعد الحزن فرح وسرور.



أحمد فايز




10 نوفمبر 2009

دائرة الليل والنهار




في ساعات الليل المتأخرة، عندما يكون الجميع نيام، لا أسمع سوى صوت السيارات على الطريق، صوت نباح الكلب يأتي من بعيد، صوت الديك عند اقتراب الفجر، وصوت المذياع في المتجر المغلق المجاور لمنزلنا يبث إذاعة القرآن الكريم.

عندما أكون وحدي مستيقظاً في هذا الوقت من الليل - وبتكرار هذا المشهد كل يوم - لابد من وجود تغيير حتى لو كان بسيطاً ليحرك بركة الأصوات الراكدة. أبحث عن صوت جديد يقتحم هذا المزيج المتكرر من الأصوات؛ صوت التلفاز يذيع أحد البرامج أو الأفلام، صوت الماء يتدفق من الصنبور لأحصل على بعض الماء، أو حتى صوتي وأنا أهذي مخاطباً نفسي.

هناك لحظات تتوقف فيها أصوات السيارات، يسكن نباح الكلب وصياح الديك، ويتوقف صوت المذياع. ينقطع الصوت، وأشعر بفراغ يحتل آذاني حتى يكاد يصيبني الصمم، ويكاد هذا التوقف يسري لأنفاسي وإلى دقات قلبي فيوقفها. سكون رهيب يشعرني أنني آخر شخص على هذا الكوكب. ثم تعود الأصوات من جديد تخبرني أن الحياة لازالت موجودة، وتعود أنفاسي من جديد، وأدع مجالاً لصوت مختلف يتسرب إلى أذني، إنه صوت قلمي يزحف فوق الصفحات المتتالية، يسكب الحروف والكلمات، ويكسو أوراقي ألواناً، يكتب كلمات قد لا يفهمها البعض، وقد لا أفهمها أنا أحياناً، لكنها كلمات حقيقية خرجت من واقع الصمت. وقد يكون هذا الصوت الجديد هو بعض الطرقات بإصبعي على المكتب، أو صوتي أرشف بعض القهوة من فنجاني الذي يحتل الجانب الأيمن من مكتبي، وأحياناً يكون صوت أحد المارة عند نافذتي يدقّ بقدميه أو يخاطب نفسه.

وتمر الساعات، أحياناً بطيئة وأحياناً سريعة. لكن في وقت ما يعلو صوت آذان الفجر، يملأ الدنيا برحيق الحياة، ويعلن بداية يوم جديد. صوت الآذان بالنسبة لي هو الفارق بين يوم وآخر. ثم أسمع صوت خطواتي نحو دورة المياة لأتوضأ لصلاة الفجر، صوت خيط الماء يسيل بين كفيّ، ويتقطّر من يدي ومن وجهي، ثم صوت التكبير والتلاوة والأذكار.

وبعد ذلك بقليل، تعود الحياة بالتدريج بعد موت الليل، تعلن عن نفسها، ويبدأ سواد الليل في التحول إلى غبار منثور في الأفق تتخلله رسالة نور من موكب الشمس البعيدة، ويبدأ الناس في الاستيقاظ والخروج إلى الطريق، ويعود النهار صريحاً يملأ الدنيا أصواتاً وصخباً وضجة.

وهكذا كل يوم تمر دائرة التعاقب التلقائية الأبدية، فتبدأ الأصوات في الاختفاء بالتدريج، ويعود الناس للنوم وللسكون، حتى أصل لساعات الليل المتاخرة لأبقى وحدي من جديد مع أصوات السيارات على الطريق، صوت نباح الكلب وصياح الديك، وصوت المذياع في المتجر المغلق. وهذه هي دائرة الليل والنهار.


أحـمـد فـايـز


04 نوفمبر 2009

كيف تصبح كاتباً في عشر خطوات


كيف تصبح كاتباً في عشر خطوات


نفترض أنكَ استيقظتَ يوماً في الخامسة صباحاً، ذهبتَ إلى دورة المياة، و بعد أن قضيتَ حاجتكَ، و غسلتَ وجهكَ، قررتَ أن تؤلف كتاباً، أو أن تصبح محرِّراً بأحد الجرائد أو المجلات !

الموضوع بسيط جداً، فقط امهلني بضع دقائق و سأضع يدكَ على المفاتيح الأساسية التي تمكـّنكَ من أن تصبح كاتباً عبقرياً في فترة قصيرة. أيـّـاً كان السبب وراء رغبتكَ في أن تصبح كاتباً؛ من أجل المال، الشهرة، أو حتى من باب التغيير، هناك دوماً طريقة لتفعل ما تريد.


الخطوة الأولى:

أول شئ يمكنكَ فعله هو الوقوف أمام المرآة، خذ نفساً عميقـاً، ثم أحبس أنفاسك من خمس إلى عشر دقائق. كرر الأمر 10 أو 20 مرة يومياً لمدة شهر على الأقل !

 
الخطوة الثانية:

استلقِ على ظهركَ على الأرض لمدة ساعة على الأقل. حملق في السقف، و لا تدع أيَّ شئ يشغلكَ عن الحملقة، و لا تلتفت لأي شئ حتى و لو انهار المبنى بأكمله. كرر هذا الأمر لمدة ثلاثة شهور متواصلة.

 
الخطوة الثالثة:

لا تخرج من البيت على الإطلاق لمدة أسبوع كامل، لا تخرج لأي سبب كان. اقضِ وقتكَ في غرفتكَ تبحث في أوراقكَ و صوركَ القديمة. لا تستحم و لا تحلق ذقنكَ، و لا تأكل طعاماً ساخناً. لا تنظر من النافذة، و لا تشاهد التلفاز أو تستمع إلى المذياع. اغلق هاتفكَ و لا تستقبل أيَّ زوّار.

 
الخطوة الرابعة:

امشِ لفترات طويلة، خمس ساعات يومياً على الأقل لمدة عام كامل. أجلس منفرداً في حديقة بعيدة عن الزحام، و لا تأخذ معكَ أي شئ خلال فترات سيرك؛ لا نقود و لا مفاتيح و لا هاتف نقال و لا حتى إثبات هوية. اخرُج و أنتَ عليكَ فقط ملابسكَ، و لتكن جيوبكَ خاوية. لا تنظر إلى أحد و لا تكلم أحداً. و احرص على المشي ليلاً، خاصة بعد منتصف الليل.

 
الخطوة الخامسة:

تبدأ الآن مرحلة الانفتاح. اقضِ شهراً كاملاً في البيت كل ما تفعله هو القراءة، و ابدأ بقراءة كتب كبار الكتـّاب، اقرأ ما لا يقل عن ألف صفحة يومياً. لا تقرأ تفاهات الصحف و المجلات، و لا تحاول أن تتذكر أي شئ تم تدريسه لك في المدرسة. انقل اقتباسات أعجبتكَ، و كلمات أثارت اهتمامكَ. لا تيأس إذا وجدتَ نفسكَ لا تفهم شيئـاً مما تقرأ، لا تتعجل الأمر، فالطعام الجيد يحتاج أن يأخذ وقتـاً كافياً للنضج.

 
الخطوة السادسة:

اقصِد المقاهي و أماكن التجمعات. تحدّث مع أيِّ شخص في أيِّ مكان و في أيِّ وقت. تعرّف على أشخاص جدد، و تحدّث عبر الهاتف مع من تعرف و من لا تعرف. يمكنكَ مدح أيِّ شخص، و يمكنكَ كذلك سبَّ أيِّ شخص، و تستطيع إبداء رأيكَ في كل شئ. لا تتردد في أن تتحدث إلى نفسكَ وسط الناس، أو أن تشارك أشخاصاً لا تعرفهم الغذاء. لا بأس إن تعرضتَ للإحراج أو الإهانة، و لا بأس حتى إن انتهى بكَ الأمر في المشفى أو السجن !

 
الخطوة السابعة:

اقضِ أسبوعاً في مكان هادئ، و ليكن مكانـاً قريباً من البحر، أو محاطاً بالأشجار، أو على قمة جبل. حاول الاستراحة و الاستمتاع بكل ما هو حولكَ. كن طبيعياً في كل تصرفاتكَ، لا تكبل نفسكَ بالروتين، و لا تزعج نفسكَ بالأرقام أو التواريخ.

 
الخطوة الثامنة:

اشترِ دفتراً جديداً، قلماً جديداً، و جورباً جديداً ! اجلس في وضع مريح، و ابدأ بتذكر كل ما مررتَ به خلال الخطوات السابقة، و اكتبه بأيِّ طريقة و بأي لغة تعجبكَ. حاول تكرار الأمر منفرداً أو في الزحام، و ابحث عن الوسَط الذي تستطيع الكتابة فيه، ركز جيداً في كلِّ ما تكتب، فكلُّ ما تكتبه هو جزء منكَ، و لذلك يجب أن يكون لونه مثل لونكَ، و نبرته مثل نبرة صوتكَ.

 
الخطوة التاسعة:

إذا كنتَ قد ارتكبتَ أخطاءً فادحة خلال الخطوات السابقة فحاول تصحيحها إذا كان ذلك ممكنـاً. يمكنكَ التخلص من أشخاص اكتسبتهم عن طريق الخطأ، و يمكن مصالحة أشخاص فقدتهم من دون قصد. سيكون من الصعب محو تاريخكَ الإجرامي ! لكن التاريخ يمكنه أن يغفر لكَ أخطاءكَ الصغيرة إلى جانب أفعالكَ العظيمة. يمكنكَ تغيير محل إقامتكَ إذا كان ذلك ضرورياً ! و يمكنكَ حتى تغيير اسمكَ إذا كان اسمكَ القديم سيسبب لك أية مشاكل !

 
الخطوة العاشرة:

توجّه إلى العالم كشخص جديد، و حاول ترتيب شخصيتكَ الجديدة ككاتب. رتب أفكاركَ و مواضيعكَ، و حاول الالتقاء بكتـّاب آخرين و ناشرين، اقصد الأماكن التي يترددون عليها.



لا تنسَ أن تنظر لنفسكَ جيداً حين كنتَ تبدأ الخطوة الأولى، و لترَ هل كنت أفضل وقتها أم الآن، و اعلم أنه ليس دائماً الأفضل أن تكون كاتباً، أحياناً يكون الأفضل لكَ هو أن تكون شخصاً بسيطاً يستيقظ في الصباح الباكر، يتناول إفطاره، يذهب إلى عمله العادي، و يعود في المساء، يقصد فراشه ليستيقظ مجدداً في صباح اليوم التالي.


إذا استطعتَ أن تظلَّ على قيد الحياة خلال هذه الخطوات، و إذا استطعتَ أن تتحمل نظرات الاستغراب و كلمات الازدراء، و إذا استطعتَ التأقلم مع نفسكَ عند الانسلاخ من شخص إلى شخص جديد، و إذا استطعتَ تحمّل قسوة الحياة و ترفها في آن واحد، و إذا استطعتَ أن تكون مجنوناً و لم تخشَ من همس العقلاء حولكَ عنكَ في كل مكان، و إذا استطعتَ أن تتحمل عقلكَ الذي لا ينام على الإطلاق و لا يصمت أبداً، و إذا استطعتَ التكيف مع تحولكَ كل فترة إلى شخص جديد غريب، و تمكنتَ معرفة نفسكَ وسط كل الشخصيات الهائمة في عقلكَ، إذا استطعتَ أن تفعل كل هذا فمرحباً بك في عالم الكتـّاب !

أحـمـد فـايـز


الطوفان

 



في بداية الخليقة حين امتلئت الأرض بالفساد وانحسر الخير ليغطي فقط بقعة صغيرة، وانسلخ الإنسان من جلد إنسانيته وارتدى جلد الكلاب والأفاعي والشياطين، حان عندها موعد الطوفان، يغسل الأرض ويطهّرها بعد أن دنّسها البشر. تنتقل الفئة الصالحة بعيداً عن أرض الضلالة، ويمحو الله الخطيئة بأصحابها، لتعود الأرض نظيفة كما خُلقت.

 
هل حان موعد الطوفان؟

الصورة الممتلئة بكافة أشكال الإرهاب والسرقة والظلم والكراهية والانقسامات، هل حان الوقت لغسلها! لقد تعذّر محو الآثار، لم تعد الخطيئة بقعة تلطّخ ثوب الإنسانية، وإنما أصبحت الإنسانية بقعة صغيرة في ثوب الرذيلة الواسع.

أحياناً لا يُجدي الإصلاح ويكون الأجدى هو هدم الموجود وبناء غيره، حرق الموجود وإنشاء غيره، محو الموجود وإيجاد غيره. أصبح من الصعب غرس النبتة وانتظار ثمارها في حين أنّ الشمس ممنوعة والماء ممنوع والمُطالبة بحق النبتة ممنوع، وبين هذا السيل من الممنوعات لم تعد الصرخة تجدي نفعاً، لم تعد سوى تحصيل حاصل.

 
هل الطوفان هو الحل؟
 
لقد سئمنا ما نحن فيه، سئمنا الظلم وأهله ومن يرضى به، ولا سبيل لتغييره، ولم نعد نملك ردُّه ولا الموافقة عليه، حتى أنّ الخيط الذي يمكن أن يتعلّق به الغريق في بحر الدنيا انقطع سببه بين الناس، ولم يعد سوى حبل الصبر موصولاً بين الناس وبين الله، وليته قوياً، فكثيراً ما نجزع وننقم، فهل يستجيب الله دعاء المظلومين ويرسل الطوفان يغسل الأرض من رجس من دنسوها! وهل عندها تبقى فئة صالحة لكي تنبت جسد جديد للإنسانية! أم يكون هو الطوفان الأخير حيث لم يعد من الإنسانية ما يصلح للنبت! 

تتوالى النقاط السوداء في السقوط على الرداء الأبيض، وبعد أنْ كنا نحتسبها بقعاً نرجو زوالها تكاثرت حتى صرنا نرجو بقاء نقطة لم يلطخها السواد.

لمن تشتكي وكل من يسمعونكَ صُم، وكل من يبصرونكَ عميان، ولا تُمَد لكَ كفٌّ إلا التي تلقيكَ في السجن، أو التي تقتصُّ منك، ولأي شئ! لا تدري، ولعلها تنتقم من إنسانيتكَ، حيث أنه تكوّن مسخ من بقايا الإنسانية الفاسدة صار يأكل كالوحش الجائع كل ما تبقى من جسد الإنسانية الأم.

من يرعاكَ بين الناس وكل الناس يسعى ليرعى نفسه، ومن سيسعى على معاشكَ أو رد مظلمتكَ، فكلُّ الناس باعوا كلَّ الناس، فتحت وطأة الحذاء ينسى كل خِلٍّ خليله، وينسى كل امرئ أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، فلكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.
 

أصبح عبيد الأرض سادتها، وتسيّدوا على غيرهم من العبيد، ولا هم لكلِّ امرئٍ سوى نفسه، ومن غيره لا يهم إن عاش وإن مات، فالكلُّ يقول أنا ومن بعدي الطوفان. فهل هذا هو موعد الطوفان!


أحمد فايز



02 نوفمبر 2009

المجنون



المجنون


مشهد (1):
 
رجل متواضع الهيئة، بسيط الثياب، يخرج من بيت متواضع مثله، يمشي في الشارع، يسير بصورة غير سويّة، يبدو عليه عدم الاتزان، يتجمّع بعض الصبيَة حوله، يتضاحكون، يجذبونه من ملابسه، ويسخرون منه، ويرددون: "المجنون .. المخبول .. المعتوه .. الأبله .. الأحمق ...".
 
يتململ الرجل، يسرع الخطى، يحاول جاهداً أن يتخلّص من هؤلاء الصبيَة لكن بلا جدوى، يزيد الصبيَة من هتافهم وتدافعهم عليه ونعته بالمجنون. وبعد فترة يتمكن الرجل من التخلّص من ملاحقة الصبيَة ويخرج عن حدود البلدة، يتجه نحو النهر الواقع عند حدود البلدة الشمالية، يجلس هناك يتأمّل الماء والشجر حتى مغيب الشمس، ثم يقفل راجعاً إلى بيته. وفي طريق عودته يتكرر نفس مشهد الصباح، حيث يتجمّع حوله الصبيَة ويستمرون في مناداته بالمجنون.
 
لا عمل له، ويقتات على ما يتصدّق به الناس عليه من الطعام، ويرتدي ما يتعطّف به الناس عليه من ملابسهم القديمة.
 
عشرة أعوام على نفس الحال، نفس المشهد يتكرر مرة في الصباح عند خروجه ومرة في المساء عند رجوعه.



مشهد (2):
 
سأم الرجل حاله وملّ مناداة الصبية له بالمجنون في شوارع البلدة. في هذا اليوم حاول أن يضع حداً لعبثهم. توقّف وحاول أن يفرّقهم، لكنه يفشل، حاول مجدداً أن يبعدهم، وفشل. التقط حجراً وقذفه بينهم لعله يخيفهم ويردعهم، ففر الأطفال جميعهم إلا واحد كان قد أصابه الحجر فسقط على الأرض ميتاً. 

أقبل أهل البلدة على الرجل فأوسعوه ضرباً ثم أخذوه إلى القاضي ليحكم في أمره.



مشهد (3):
 
أمام القاضي يقف الرجل (المجنون) ويقف أهل البلدة ومن ضمنهم أهل الولد القتيل منتظرين حُكم القاضي. استمع القاضي لشهادة من شاهدوا الواقعة، وحان وقت الرجل ليتكلم ويدافع عن نفسه.
 
قال القاضي: "ماذا تقول أيها الرجل فيما نُسب إليكَ من تُهمة؟".
 
قال الرجل: "فلتُصلِّ على النبي أولاً".
 
قال القاضي: "اللهم صلِّ وسلـِّم عليه".
 
قال الرجل: "فلتصلِّ عليه مرة أخرى".
 
قال القاضي: "اللهم صلِّ وسلـِّم عليه".
 
قال الرجل: "فلتصلِّ الثالثة".
 
قال القاضي: "وهل سنمكث اليوم كله نصلي على النبي!".
 
قال الرجل: "يا سيدي القاضي لقد مللتَ الصلاة على النبي وأنا لم أطلبها غير ثلاث، ولم تأخذ منكَ أكثر من دقيقة، ولم أسألكَ إيّاها قبل اليوم. يا سيدي أنا رجل أصابني الله بما أنا فيه من انتقاص العقل وقلة الحيلة، أعيش على ما يجود به الناس عليّ من بقايا طعامهم وملابسهم، أعيش وحيداً بلا زوجة ولا ولد، أخرج من بيتي في الصباح أقصد النهر، أجلس هناك حتى مغيب الشمس، وأعود إلى بيتي مساءً. لا أؤذي أحداً، ولا أكلم أحداً. وفي ذهابي وفي عودتي يلحق بي هؤلاء الصبية، يدفعونني ويجذبونني وينعتونني بالمجنون والمخبول والمعتوه، وأنا أصبر على ذلك. عشرة أعوام وأنا أصبر على فعلهم، وما استطعتَ أنت يا سيدي أن تصبر دقيقة واحدة وأنا أطلب الصلاة على النبي. وعندما أردتُ أن أمنعهم عما يفعلون، ورغبتُ أن أفرقهم وأبعدهم عنّي قذفتُ بحجر بينهم، لكن شاء الله أن يصيب هذا الحجر ذاك الفتى فقتله، وما كنتُ قاصداً القتل ولا متعمّداً الأذيّة".
 
قال القاضي: "خلّوا سبيل الرجل، فالرجل كما حكم عليه أهل بلدته مجنون، وليس على المجنون حَرَج"!
 
وأمر القاضي للرجل ببيت جوار بيته ونصيب من المال من خزانة البلدة.


(من حكايا جَدّي)


أحمد فايز





سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك