02 نوفمبر 2009

المجنون



المجنون


مشهد (1):
 
رجل متواضع الهيئة، بسيط الثياب، يخرج من بيت متواضع مثله، يمشي في الشارع، يسير بصورة غير سويّة، يبدو عليه عدم الاتزان، يتجمّع بعض الصبيَة حوله، يتضاحكون، يجذبونه من ملابسه، ويسخرون منه، ويرددون: "المجنون .. المخبول .. المعتوه .. الأبله .. الأحمق ...".
 
يتململ الرجل، يسرع الخطى، يحاول جاهداً أن يتخلّص من هؤلاء الصبيَة لكن بلا جدوى، يزيد الصبيَة من هتافهم وتدافعهم عليه ونعته بالمجنون. وبعد فترة يتمكن الرجل من التخلّص من ملاحقة الصبيَة ويخرج عن حدود البلدة، يتجه نحو النهر الواقع عند حدود البلدة الشمالية، يجلس هناك يتأمّل الماء والشجر حتى مغيب الشمس، ثم يقفل راجعاً إلى بيته. وفي طريق عودته يتكرر نفس مشهد الصباح، حيث يتجمّع حوله الصبيَة ويستمرون في مناداته بالمجنون.
 
لا عمل له، ويقتات على ما يتصدّق به الناس عليه من الطعام، ويرتدي ما يتعطّف به الناس عليه من ملابسهم القديمة.
 
عشرة أعوام على نفس الحال، نفس المشهد يتكرر مرة في الصباح عند خروجه ومرة في المساء عند رجوعه.



مشهد (2):
 
سأم الرجل حاله وملّ مناداة الصبية له بالمجنون في شوارع البلدة. في هذا اليوم حاول أن يضع حداً لعبثهم. توقّف وحاول أن يفرّقهم، لكنه يفشل، حاول مجدداً أن يبعدهم، وفشل. التقط حجراً وقذفه بينهم لعله يخيفهم ويردعهم، ففر الأطفال جميعهم إلا واحد كان قد أصابه الحجر فسقط على الأرض ميتاً. 

أقبل أهل البلدة على الرجل فأوسعوه ضرباً ثم أخذوه إلى القاضي ليحكم في أمره.



مشهد (3):
 
أمام القاضي يقف الرجل (المجنون) ويقف أهل البلدة ومن ضمنهم أهل الولد القتيل منتظرين حُكم القاضي. استمع القاضي لشهادة من شاهدوا الواقعة، وحان وقت الرجل ليتكلم ويدافع عن نفسه.
 
قال القاضي: "ماذا تقول أيها الرجل فيما نُسب إليكَ من تُهمة؟".
 
قال الرجل: "فلتُصلِّ على النبي أولاً".
 
قال القاضي: "اللهم صلِّ وسلـِّم عليه".
 
قال الرجل: "فلتصلِّ عليه مرة أخرى".
 
قال القاضي: "اللهم صلِّ وسلـِّم عليه".
 
قال الرجل: "فلتصلِّ الثالثة".
 
قال القاضي: "وهل سنمكث اليوم كله نصلي على النبي!".
 
قال الرجل: "يا سيدي القاضي لقد مللتَ الصلاة على النبي وأنا لم أطلبها غير ثلاث، ولم تأخذ منكَ أكثر من دقيقة، ولم أسألكَ إيّاها قبل اليوم. يا سيدي أنا رجل أصابني الله بما أنا فيه من انتقاص العقل وقلة الحيلة، أعيش على ما يجود به الناس عليّ من بقايا طعامهم وملابسهم، أعيش وحيداً بلا زوجة ولا ولد، أخرج من بيتي في الصباح أقصد النهر، أجلس هناك حتى مغيب الشمس، وأعود إلى بيتي مساءً. لا أؤذي أحداً، ولا أكلم أحداً. وفي ذهابي وفي عودتي يلحق بي هؤلاء الصبية، يدفعونني ويجذبونني وينعتونني بالمجنون والمخبول والمعتوه، وأنا أصبر على ذلك. عشرة أعوام وأنا أصبر على فعلهم، وما استطعتَ أنت يا سيدي أن تصبر دقيقة واحدة وأنا أطلب الصلاة على النبي. وعندما أردتُ أن أمنعهم عما يفعلون، ورغبتُ أن أفرقهم وأبعدهم عنّي قذفتُ بحجر بينهم، لكن شاء الله أن يصيب هذا الحجر ذاك الفتى فقتله، وما كنتُ قاصداً القتل ولا متعمّداً الأذيّة".
 
قال القاضي: "خلّوا سبيل الرجل، فالرجل كما حكم عليه أهل بلدته مجنون، وليس على المجنون حَرَج"!
 
وأمر القاضي للرجل ببيت جوار بيته ونصيب من المال من خزانة البلدة.


(من حكايا جَدّي)


أحمد فايز




ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك