10 نوفمبر 2009

دائرة الليل والنهار




في ساعات الليل المتأخرة، عندما يكون الجميع نيام، لا أسمع سوى صوت السيارات على الطريق، صوت نباح الكلب يأتي من بعيد، صوت الديك عند اقتراب الفجر، وصوت المذياع في المتجر المغلق المجاور لمنزلنا يبث إذاعة القرآن الكريم.

عندما أكون وحدي مستيقظاً في هذا الوقت من الليل - وبتكرار هذا المشهد كل يوم - لابد من وجود تغيير حتى لو كان بسيطاً ليحرك بركة الأصوات الراكدة. أبحث عن صوت جديد يقتحم هذا المزيج المتكرر من الأصوات؛ صوت التلفاز يذيع أحد البرامج أو الأفلام، صوت الماء يتدفق من الصنبور لأحصل على بعض الماء، أو حتى صوتي وأنا أهذي مخاطباً نفسي.

هناك لحظات تتوقف فيها أصوات السيارات، يسكن نباح الكلب وصياح الديك، ويتوقف صوت المذياع. ينقطع الصوت، وأشعر بفراغ يحتل آذاني حتى يكاد يصيبني الصمم، ويكاد هذا التوقف يسري لأنفاسي وإلى دقات قلبي فيوقفها. سكون رهيب يشعرني أنني آخر شخص على هذا الكوكب. ثم تعود الأصوات من جديد تخبرني أن الحياة لازالت موجودة، وتعود أنفاسي من جديد، وأدع مجالاً لصوت مختلف يتسرب إلى أذني، إنه صوت قلمي يزحف فوق الصفحات المتتالية، يسكب الحروف والكلمات، ويكسو أوراقي ألواناً، يكتب كلمات قد لا يفهمها البعض، وقد لا أفهمها أنا أحياناً، لكنها كلمات حقيقية خرجت من واقع الصمت. وقد يكون هذا الصوت الجديد هو بعض الطرقات بإصبعي على المكتب، أو صوتي أرشف بعض القهوة من فنجاني الذي يحتل الجانب الأيمن من مكتبي، وأحياناً يكون صوت أحد المارة عند نافذتي يدقّ بقدميه أو يخاطب نفسه.

وتمر الساعات، أحياناً بطيئة وأحياناً سريعة. لكن في وقت ما يعلو صوت آذان الفجر، يملأ الدنيا برحيق الحياة، ويعلن بداية يوم جديد. صوت الآذان بالنسبة لي هو الفارق بين يوم وآخر. ثم أسمع صوت خطواتي نحو دورة المياة لأتوضأ لصلاة الفجر، صوت خيط الماء يسيل بين كفيّ، ويتقطّر من يدي ومن وجهي، ثم صوت التكبير والتلاوة والأذكار.

وبعد ذلك بقليل، تعود الحياة بالتدريج بعد موت الليل، تعلن عن نفسها، ويبدأ سواد الليل في التحول إلى غبار منثور في الأفق تتخلله رسالة نور من موكب الشمس البعيدة، ويبدأ الناس في الاستيقاظ والخروج إلى الطريق، ويعود النهار صريحاً يملأ الدنيا أصواتاً وصخباً وضجة.

وهكذا كل يوم تمر دائرة التعاقب التلقائية الأبدية، فتبدأ الأصوات في الاختفاء بالتدريج، ويعود الناس للنوم وللسكون، حتى أصل لساعات الليل المتاخرة لأبقى وحدي من جديد مع أصوات السيارات على الطريق، صوت نباح الكلب وصياح الديك، وصوت المذياع في المتجر المغلق. وهذه هي دائرة الليل والنهار.


أحـمـد فـايـز


هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

اسلوب جيد جدا

نتمني الاستمرارية ..

winner يقول...



شكرا يا غير معرف ..

و اتمنى تقديم المزيد و الأفضل


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك