29 مايو 2010

انسلاخات

انسلاخات


بعد يوم طويل شاق متعب أعود إليكِ، أعود مشتاقـاً إلى أحضانكِ الدافئة الحنونة، أشتاق إلى عزلتنا التي أكون فيها صادقـاً و لو للحظة واحدة، بعيداً عن تصنـّعي و تظاهري. أخلع زيفي و أرتدي حقيقتي، و أنزع عن جلدي جلداً ليس لي، و أراني في المرآة مختلفـاً، متوهّجاً، محترقـاً، أرى أوردتي تنبض بالحياة و بالشعور، أتأمّـل عينيّ اللتيْن نسيتهما و فقدتُ ما فيهما من بريق، أعود من الدخان و الغبار و العطور الهائمة على وجهها في الطرقات، تبحث عنـّي، تترصدني، تـُلقي على كتفيّ همها المثقِل، ثم تسأل " من تكون ؟! ".


أعود إليكِ و قد أعياني السفر و التغرّب في المدن، و البحث عن حياتي و عن ترفي. مللتُ الغرور، مللتُ تملـّـق من يعلوني،  و ازدراء من هو دوني، و مللتُ مرافقة الصحاب، و مداعبة العيون، و ألفاظ الشفاه تلك التي بلا كلام. مللتُ نفسي خارج حوائطكِ و نوافذكِ، و فقدتُ رائحتي بين روائح همجية تغزوني أينما كنتُ، و فقدتُ لوني بين لون الدخان و السقيع، و بين الألوان الصناعية، و بين أسئلة تغيّرني، و فقدتُ هويتي في زحام أسقطني من داخل نفسي في هاويتي، و لم أجد بدلاً عن الألوان و السقوط، و سافرتُ كي أبحث عن نفسٍ تشبهني، و عدتُ خالي الوفاض ممتعضاً.

 
لكم أشتاق إلى تسامرنا بالساعات في جنح الليل، و إطلالة الشمس علينا في الصباح، و عندما ينتابني ضحك أو بكاء، و عندما أخِرّ بين أثاثكِ من الإعياء، و أفيق و كـُلـّي رهبة أن أغادر الحياة بلا وعاء فيه من ضحكي و من فرحتى شئ قليل، كما للناس أوعية من الفرح، و كما ملأنا أوعية من الدمع، و سكبناها من النوافذ في الطريق، تتبخر تحت أشعة الشمس إذا هلـّت علينا و نحن نرشف الشاي مع الإفطار في مطلع صباح جميل.

 
عشرة أعوام هي ما جنيتُ بعيداً عنكِ، بين ألوان صناعية، و روائح ليست مألوفة، و ركام من الأصوات في أذني، و تلال من الصور في عيني، و عقلي قد تعب من الحسابات و الافتراضات، و قد حان الوقت لكي أعود و أرتمي عند بابكِ بعد أن يغشى عليّ، و أتكوّن من جديد من ذرات رماد و ثلج و بعض الذكريات، حتى أصبح مارداً خرج لتوّه من مصباح ضيق مليئ بالصدأ، أسعل حتى أُخرج من داخلي ماء البحر و رمال الصحراء و قليلٌ من الحنظل.

 
لكم اشتقتُ إليكِ أيتها الغرفة المخلصة التي شهدتْ نبتي، و شاهدتني طفلاً ثم مراهقــاً، و تعبَتْ منـّي و من أفعالي، ثم عاصرتني شابـاً و رجلاً ناضجـاً، و عانت أيضاً من عنادي و إعراضي و انشغالي. و رحلتُ لكي أصبح أنسانـاً آخر، في مكان آخر، بين أناس آخرين، و حسبتُ أنني سوف أصبح أفضل حين غادرتُ، و لكنّي أصبحتُ جزءاً من صدأ التاريخ العقيم، جزءاً من عجلة الحياة و ميناء المسافرين، أصبحتُ كماء البحر يلمع تحت الشمس كلؤلؤ بهيْ، و إذا شربتَ منه لم تستسغه، وجدته مالحاً لا يصلح للشراب.


أحـمـد فـايـز

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك