29 نوفمبر 2009

الحجاب بين المطرقة والسندان



الحجاب بين المطرقة والسندان


بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً على نزول الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)(الأحزاب:59). والآية: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31). بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً على نزول هاتين الآيتين لا يزال هناك من يعتقد أن ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه لا يتعدّى كونه حرية شخصية.

المجتمعات الإسلامية فيها غياب للوعي الديني لدى عامة الناس، والدين لا يطبق في شئون البلاد إلا على نطاق ضيق، وأصبحتْ حياتنا الاجتماعية محكومة بالعرف والتقليد -حسنه وسيئه- وليس بالدين الحنيف. عندما نزلتْ آيات الحجاب قام نسوة المدينة بشق أستار البيوت وارتدوها حجاباً بلا نقاش أو شك. وهذه الأيام لم يعُدْ هناك ما يدعو -في نظر البعض– لارتداء الحجاب باعتباره (موضة قديمة)، أو أن الزمان قد تغير، أو أن الدين ليس مجرد غطاء للرأس ولا يجب اختزال الدين في نقطة واحدة. فإين يكمن الخلل إذن؟ هل البيت هو المشكلة؟ هل قيم المجتمع؟ هل السياسة العامة للبلد؟ أم أن المسلمين ورثوا الدين بجهالة فطبقوه بحماقة؟!

تخرج المرأة من البيت فلا تجد من يراجعها في ملبسها وصورتها العامة، بل تجد أحياناً من يستحسن عدم حشمتها ويشجّعها! وكأنّ طاعة الله لم تعد أمراً مهماً أو أننا نعرف أكثر ونفهم أكثر في الدين مما يفسح لنا المجال لتغيير العقائد والمبادئ، تماماً كشخص يريد أن يصلي ركعتين فقط للظهر ولا يرى من داعي للركعات الأربع! والحجاب كالصلاة كلاهما فرض.
عندما نرى في الأفلام والمسلسلات والبرامج تظهر المرأة متبرجة. وعندما نرى في المؤتمرات والمحافل الدولية المرأة متبرجة. وعندما تشترط بعض الوظائف والمناصب المرموقة مظهراً لائقاً والحجاب ليس جزءاً منه. هناك توجّه عام للتحرّر من الحجاب ودعوة مجتمعية لنبذه! ربما يريد المجتمع تطبيق الدين جزئياً! يأخذ من الدين ويترك.
التبرج أحياناً يكون إرثاً عائلياً وسمة ضرورية في بعض العائلات وخاصة تلك الطبقات التي تعتبر نفسها راقية. حيث يعتبر التبرج والزينة من مظاهر المدنية والرقي والوجاهة. فتتوارث العائلة التبرج وعدم الحشمة، ولا وازع ديني يحكم الأفعال التصرفات وكأن الفطرة قد انتكست واختلت الموازين.
عندما تتبرج امرأة بحجة إظهار جمالها لاجتذاب الشباب من أجل الزواج، وكأنها قطعة أثاث يتوافد عليها المشترون، من يعجبه اشترى ومن لم يعجبه تفرّج ثم انصرف. يعلم الجميع أنه حسب الشرع الإسلامي أن الفتاة إذا ما بلغت سن الحيض فلا يجوز لها كشف شئ من جسدها إلا الوجه والكفين، وذلك لحكمة غرضها عدم استثارة الرجل بجسد المرأة لأنها كلها فتنة للرجال. حتى أن عطرها وصوتها وحركتها قد تكون سبباً في إثارة شهوات الرجال، ويترتب على ذلك الكثير من الفواحش والمآثم، ونرى فعلاً أثر هذا التسيب والحرية الجسدية في بلاد وقد أصبحت الرذيلة أمراً عادياً وأصبح الفساد الأخلاقي شيئاً أصيلاً في ثقافتهم وحياتهم، حتى وإن تقدموا علمياً أو اقتصادياً، فببساطة هم لا يحافظون على ديانة وإن ادّعوا التدين فلا يوجد دين يرحب بالفساد والرذائل والفحش. 
تقول المتبرجة أن الحجاب يعيق الحركة أو السمع! أو أنه يُشعر بالحر ويؤثر على التركيز! أو أنه يضيع (البريستيج) ويجعلنا متمسّكين بتقاليد قديمة رجعية! أو لا يتماشى مع (ستايل) معين تشعر معه أنها جميلة أو مرغوبة. ولا تنتبه إلى أنّ الشيطان يبرر للإنسان الخطيئة ويبسّطها له لكي يتمادى فيها ولا يرجع عنها.
للأسف بعض المحجبات يرتدين حجاباً لا يرقي إلى مرتبة الحجاب، فهنّ كما وصفهنّ النبي (عليه الصلاة والسلام) "كاسيات عاريات". يعتقدنَ أنهنّ على صواب وأنهنّ قد أدّينَ حق الله ولا حرج عليهنّ. والحجاب أساساً ليس قطعة قماش توضع على الرأس وإنما اعتقاد وأسلوب حياة متكامل وإيمان بأن أمر الله أولى من هوى النفس.

الالتزام الديني ليس بالضرورة رجعية وتخلف كما لا يعني الفساد المدنية والتحضر. لكني أعتقد أنه من العقل أن المرأ إذا اتّبع مذهباً أو ديناً فعليه الالتزام بالقوانين كلها والمبادئ كافة ولا ينتقي ما يروق له وينبذ البقية.


أحمد فايز

 

ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك