31 ديسمبر 2009

سـنـة جـديـدة


 سـنـة جـديـدة 

 

تعوّدتُ كل عام أن أجهّـز أوراقي و دفاتري للحساب الختامي، و أجهّـز أوراقـاً أخرى و دفاتراً جديدة للعام المقبل. هذه الحسابات و التجهيزات أقوم بها كل عام في آخر شهور السنة؛ شهر ديسمبر.

كل ما قد مَرّ، و ما كان في العام المنصرم، و كل شئ أود فعله في العام القادم إن كـُتب لي أن أحياه. أعتقد أنني من نوعية الأشخاص الذين يحبون النظام، و يحبون الشعور بالسيطرة على مجريات حياتهم. هذه الحسابات أجدها مفيدة بالفعل، فترْك كل شئ يدور من حولي دون التعلـّم منه و دون التدقيق فيه لهو مضيعة للوقت و العمر بغير فائدة.

في بداية العام أكتب عدة قوائم؛ قائمة بالأهداف التي أود تحقيقها في العام الجديد، أشياء أريد فعلها، و أخرى أود شراءها، قائمة الكتب التي سأقرأها، الأماكن التي أود زيارتها. هذه الخطة التي أضعها لهذا العام الجديد تجعلني أبدأه بحماس و نشاط، و أحدد لنفسي طريقـاً واضحاً حتى لا يضيع العام و أكتشف في نهايته أنني لم أحقق شيئـاً.

و في نهاية العام أقوم بمراجعة قوائمي، أرى ما حققتُ من بنودها و ما لم أحقق، و أبحث فيما حققتُ، هل كان تحقيقه مُرضياً، أم أحتاج لتغيير شئ من أساليبي أو طـُرُقي. و أبحث فيما لم أحقق، لماذا لم أحققه، و ما الموانع التي حالت دون تحقيقه، و ماذا أفعل لتحقيقه في العام المقبل إن كنتُ أود وضعه في القائمة الجديدة.

تخيـّـلوا دولة لا تقوم بعمل الحساب الختامي، و لا تضع خطط مستقبلية، إنها دولة فاشلة بالتأكيد. و دولة نفسي أيضاً تحتاج للمراجعة و للتخطيط، فمن الصعب أن تمر عدة أعوام ثم أكتشف أنّ ما جنيته خلال هذه الأعوام هو لا شئ، أو أنني كنتُ أفعل أخطاء كثيرة و أضيّع فرصاً عظيمة، و أتـّبع طـُرقـاً ضعيفة و فاشلة. هذا الشعور بالضعف و الاستسلام للظروف هو شئ لا أطيقه و لا يمكنني تحمّـله.

في يوم من الأيام قرأتُ قائمة شخص يكتب فيها الأشياء التي يريد فعلها قبل أن يموت، هذه القائمة أثــّرت فيّ كثيراً، و جعلتني أفكـّر فيما أريد فعله، و كيف يمكن أن تمر حياتي دون أن أحقق شئ. كتابة الأشياء التي نريدها، و تدوين خططنا و أهدافنا شئ مهم لكي نتذكرها إذا ما نسيناها، و تحمّسنا إذا فترَتْ عزيمتنا.

هكذا أنا أبدأ عامي و أنهيه، و ليس بالاحتفال بالعام الماضي أو ما يسميه البعض (رأس السنة)، أنا أحب الاحتفال مع (رأسي أنا) و أنا أفكـّر فيما فعلتُ و ما سأفعل، و أخطط لوقتي و عمري، و أقوّم نفسي و أقـيـّمها.


وقتٌ لا يُخطـَط له هو بالتأكيد وقتٌ ضائع.
 


أحــمـد فــايـز


 

29 ديسمبر 2009

كـوســـالانـدا


 كـوســـالانـدا 

 

صحيت من النوم زهقان فقولت أطلع على قصر الملك، أقعد معاه شوية و افضفضله، يمكن الزهق اللي عندي ده يروح. نزلت الشارع، لقيت عربية مركونة قدام البيت، ركبت، و برمجت الكمبيوتر على قصر الملك، وصلت القصر، و سلمت على المبعوث الملكي اللي على الباب، و بعدين دخلت. لما وصلت قاعة العرش لقيت العرش فاضي. ياهل الله ياللي هنا، يا عم الملك. ملقيتش حد، قعدت على العرش شوية استريح، لقيت الملك جاي عليا و في ايده كوباية شاي، دخل عليا، و سلمنا على بعض، جيت أقوم عشان الراجل يقعد، حلف عليا و الله ما انت قايم، خليك يا راجل هو انت غريب، دا انت من الشعب. قعدنا مع بعض ساعة و اتنين، و شربنا الشاي، و حكينا شوية، لحد معاد الغدا، و الملك يحلف عليا اني اتغدى معاه، بس انا الحقيقة مقدرتش، أصل و انا رايح على قصر الملك لقيت عربية موز على أول السكة، وقفت و كلت لما شبعت، و طبعاًَ الموز في البلد ببلاش.

رجعت بيتي تاني بعد ما الزهق قل شوية، و قولت أنزل ألف في البلد يمكن الزهق ده يروح خالص. اتصلت بهيئة التاكسيات، و قولتلهم يبعتولي تاكسي. بعتولى تاكسي مرسيدس، معجبنيش، و طلبت تاكسي شيروكي. برمجت كمبيوتر التاكسي على جولة في البلد عشان الزهق، لفيت ساعة و اتنين لحد ما حسيت إني جعان، نزلت على مطعم و طلبت وجبة عشا، و كلت لما شبعت، و جابلولي مية أغسل ايدي، و رشولي برفيوم، و ادوني هدية و انا طالع، و طبعا الأكل في البلد ببلاش. رجعت البيت و انا حالتي أحسن.

فكرت أعمل حاجة جديدة في حياتي، قولت أسافر كوكب تاني، أسافر كوكب غريب، عاوز أعمل مغامرة محدش عملها قبل كدة. بس الكواكب كتير، أروح فين ؟! أنا محتار. جبت خريطة الكواكب و عملت سيرش، و قولت للكمبيوتر هاتلي لستة الكواكب الخطيرة، جابلي كوكب واحد اسمه (الأرض)، عملت سيرش تاني و قولت للكمبيوتر هاتلي لستة الكواكب الزبالة المعفنة، جابلي كوكب واحد و طلع برضه (الأرض)، عملت سيرش و قولت للكمبيوتر هاتلي لستة الكواكب اللي مليانة ظلم و فساد و غباوة، جابلي كوكب واحد و أكيد عرفتوا طلع ايه ! أيوه هو (الأرض)، قولت على خيرة الله، يبقى كوكب الأرض.

جهزت سفينة الفضاء بتاعتي، و خليت الكمبيوتر يطوّقها و يموّنها، و برمجت الكمبيوتر على محطة الوصول (كوكب الأرض)، الكمبيوتر قالي " لأ "، قولتله " ملكش دعوة، روح و خلاص "، قالي " لا مش هروح هناك "، قولتله " هو بمزاجك ! انت هتسمع الكلام و لا أبعتك المؤسسة الملكية يعيدوا برمجتك ! "، قالي " خلاص يا عم، هي موتة و لا اكتر ". و طلعنا على كوكب الأرض.

لما وصلنا الكوكب من بعيد لقيت شكله أزرق كدة و جميل، قولت دا شكله حلو اهوه، أومال الكمبيوتر بيقول عليه خطير و زبالة ليه ! و وقعت في حيرة تانية، أنزل فين في كوكب الأرض ؟! عملت سيرش على الكمبيوتر و قولتله هاتلي لستة المناطق اللي مفيهاش دفاع جوي خطير ضد سفن الفضاء الزائرة، بدل ما يفجّروا السفينة بتاعتي في الهوا قبل ما انزل، جابلي منطقة واحدة اسمها (كوسالاندا)، و قالي دول معندهمش أي دفاع أصلاً، فماتقلقش. عملت سيرش على الكمبيوتر و قولت هاتلي لستة المناطق اللي مليانة زبالة و ناسها عجيبة و طباعهم غريبة، عشان تبقى المغامرة حلوة، جابلي منطقة واحدة و برضه طلعت (كوسالاندا). عملت سيرش كمان و قولت للكمبيوتر هاتلي لستة المناطق المعدومة المطحونة، اللي مفيهاش أي عدل أو مساواة، و الناس فيها ميتين أكتر ما هم عايشين، و حكامها ظلمة و جبابرة، جابلي منطقة واحدة و أكيد عرفتوا طلعت ايه ! أيوة هي (كوسالاندا)، قولت على خيرة الله، يبقى كوسالاندا.
 
برمجت الكمبيوتر على الهبوط في منطقة كوسالاندا، الكمبيوتر فضل يعيط و يقولي " بلاش كوسالاندا، بلاش كوسالاندا، أبوس ايدك، أنا مش حمل الجو هناك، دا الناس هناك ممكن يفككوني و يبيعوني خردة، و لا يفيرسوني أو يسرقوا السوفت وير بتاعي كعادتهم "، قولتله " هننزل كوسالاندا يعني هننزل كوسالاندا، هتنزل و لا نعيد برمجتك ! "، قالي " منك لله يا ظالم، هنزل و أمري لله ".

و نزلنا كوسالاندا، و فضلت ماشي ماشي ماشي، ايه ده ! كل دي صحرا ! هم الناس مش بيزرعوها ليه طيب ! هم الكمبيوترات عندهم مابتزرعش و لا ايه ! يمكن مبرمجين الكمبيوترات بتاعتهم على الصناعة !

و أخيراً وصلت بلد كدة شكلها عجيب، كل مبنى شكل و لون، و الناس لابسة هدوم عجيبة. بس أنا لازم أحترم عادات و تقاليد و تاريخ كل الشعوب. و شميت روايح عجيبة سواء في المنطقة أو من الناس نفسهم، و الجو كان لونه كدة مصفر أو مسود. و كان فيه كائنات صغيرة بتطير في الهوا، شكلهم أذكيا الناس في كوسالاندا، و صنعوا كمبيوترات صغيرة بجناحات بتطير، بس هي كمبيوتراتهم بتقرص ليه ! يمكن بتاخد عينة دم منـّي عشان تحللها و تتعرف على شخصية الزوّار ! يعني نظام الأمن عندهم متقدم !

سألت واحد عن بيت الملك بتاعهم، عشان أروحله و أسلم عليه و أقعد معاه شوية و أشرب معاه الشاي، الراجل قاللي " يعني ايه ملك ! ". أكيد نظام الحكم عندهم مختلف عن عندنا، أصلي أسمع إن فيه كواكب كتير نظام الحكم فيه مش زي عندنا، المهم سألته تاني " قصدي الراجل اللي بيحكمكوا، القائد بتاعكم يعني، أو كبير البلد دي "، فضل يبصلي شوية و بعدين جري، و هو بيجري سمعته بيقول " الراجل ده شكله أمن دولة، و بيوقعني في الكلام عشان أغلط في الريس و يقفشوني ". 

مشيت و سبتني من الراجل المجنون ده لحد ما قابلت راجل تاني و سألته " هو بيت الريس بتاعكوا فين ؟ "، قاللي " ريس مين يا حبيبي، شايفني شايل المركب على كتفي و ماشي ! "، و سابني و مشي. هي الناس هنا كلهم مجانين كدة !

مشيت كمان لحد ما لقيت واحد واقف وسط الشارع بينظم العربيات، قولت هو بيعمل ليه كدة ! مش المفروض العربيات مبرمجة زي عندنا ! و لا يمكن ده مبعوث الريس بيشوف الناس في الشوارع عاوزة حاجة و لا لأ ! قربت منه و قولتله " لو سمحت يا مبعوث الريس، ممكن تاخدني لبيت الريس ! أنا جاي من سفر بعيد و عاوز أقابله "، بصلي كدة و قالي " هو انت دبلوماسي من دولة أجنبية و تايه و لا ايه ؟! ". يعني ايه دبلوماسي ! مش مهم، قولتله " أيوة أنا من مملكة تانية، و جاي مخصوص للريس "، الراجل كتـّر خيره اتصل بالمبعوثين التانيين، و جُم خدوني عشان أقابل الريس.

وصلت قصر كبير كدة، و لقيت خمسة ستة حواليا، و بتاع ميت واحد حوالين القصر، ايه ده ! هم كل دول زوار للريس ! الظاهر إنه كريم جداً و بيحب الناس ! قولت بقى أدخل أسلم عليه على الأقل، و ابقى آجي وقت تاني أقعد معاه براحتنا لما الزحمة دي تخف. لقيت الناس وقفوني و بيقولولي ورق و مش عارف ايه كدة، طلـّعت الكمبيوتر بتاعي، لقيت كل الناس دول فوقي و بيقولوا قنبلة قنبلة، و لقيت نفسي بتخنق و مش قادر أتنفس، و لقيتهم كتفوني و جرجروني، هو فيه ايه يا جدعان ! دا الكمبيوتر بتاعي، و تقريباً حد منهم سمعني، خلاهم يستنوا، وقف قدامي و فضل يبصلي و قالي " انت مين و جاي منين ؟ ". الظاهر الراجل ده عاقل. قولتله " أنا جاي من كوكب تِك تِك، و جاي كوكب الأرض في مغامرة، و قولت آجي أسلم على الريس و أقعد معاه شوية و نشرب الشاي سوا ". بصلي شوية كدة و بعدين قال " جاي من كوكب تِك تِك ممكن نفوّتها، جاي في مغامرة ماشي، إنما عاوز تقابل الريس و تشرب معاه الشاي أهي دي اللي غريبة " ! و لقيت كل دول جرّوني، و حطوا حاجة سودا على دماغي، و خدوني لمكان غريب كدة. الظاهر عملينلي مفاجأة !

قضيت عشر سنين في أوضة غريبة، و كنت مستغرب هم ليه كانوا بيضربوني، و بيعملوا حاجات غريبة معايا. أنا ماتفقتش إن المغامرة يكون فيها ضرب. و كمان سايبيني هنا ليه ده كله ! يمكن الريس بتاعهم مش فاضي يقابلني دلوقتي ! أكيد راجل كريم قوي و عنده زوّار كتير، لما أقعد معاه و احنا بنشرب الشاي سوا هبقى أقوله إن صحابه غلطوا و ضربوني و هم مش واخدين بالهم !





أحــمـد فـايـز



26 ديسمبر 2009

الحياة و أبطالها الحقيقيون



 الحياة و أبطالها الحقيقيون 

 

إنه دوماً ذلك التصوّر بأن الأبطال الخارقين هم وحدهم من يستطيعون إنقاذنا. لا نتخيل أن إنسانـاً عادياً يمكنه أن يمد يده و ينتشلنا من الموت أحياءً، و يقدّم لنا حياة حقيقية في الوقت الذي نحتاج فيه لذلك.


عندما يموت أحد الأشخاص المقربين لدينا نشعر بمرارة الفقد، نشعر أن مكانه في حياتنا أصبح خالياً. في الحقيقة لا يصبح مكان أي شخص خالٍ، لأن في أنفسنا لا تزال تلك الصور، الأصوات، المواقف، الضحكات، البكاء، و الأماكن. هناك الكثير من ذلك الشخص لا يزال حيّـاً بداخلنا، و لذلك نحن لا نفقد الأموات إلا عندما ننساهم.

إذا حزنتَ على شخص قد مات فهذا الشخص قد أثــّر فيكَ بحيث أن فقده جعلكَ تشعر أن توازنكَ قد اختل، و أن الحياة العادية التي كنتَ تحياها في وجوده لن تكون هي نفسها من بعده. هذا الشخص بدوره الخارق في بقاء توازن حياتكَ هو بطل، لكنه بطل عادي لا نشعر بوجوده و لا بدوره إلا عندما يموت. لذلك أرجو أن نكرّم الأبطال أحياءً، و لا ننتظر أن يموتوا حتى ندرك قيمتهم.


أذكر صديقـاً لي في الدراسة، في الصف الثالث الابتدائي. هذا الصديق لازل يتمتع بمكانة خاصة في نفسي على الرغم من أنني لا أراه إلا كل عدة أعوام. هذا الشخص أهداني جزء من روحه، و طوّقني بحالة من السلام الروحي، هذا الشعور الذي يجعلكَ تبتسم ابتسامة صافية عندما ترى ذلك الشخص. ذلك الشخص لم يكن بطلاً خارقـاً كأبطال أفلام الخيال العلمي و أفلام الكرتون، و إنما هو إنسان عادي فعل شيئـاً عادياً، و لكن هذا الشئ ترك أثراً فيَّ أذكره حتى الآن. 

في حصة الخط نسيتُ أن أحضر كراستي، و كانت المدرِّسة تضرب من لم يحضر كراسته. هذا الصديق أعطاني كراسته و ضُرب بدلاً منـّي. هذا شئ قد يبدو بسيطاً و عابراً، إلا أنه رغم بساطته لم يكن عابراً بالنسبة لي، و لم يكن شيئـاً سهلاً يمكن نسيانه.


الأبطال الحقيقيون في حياتنا هم الذي يفعلون معنا كما يفعل الأبطال الخارقون، و لكن بطريقتهم الخاصة. أنا أعرف بطلاً خارقـاً يبتسم عندما يلقاني، فيذيب جبال الهموم من فوق أكتافي. و أعرف بطلاً خارقـاً يستطيع أن يضحكني في أشد المواقف كآبة. و أعرف بطلاً خارقـاً يهبني حياة التفاؤل و أنا على وشك الموت في أرض اليأس.


نحن لا نريد أبطالاً خارقين يطيرون أو يمتلكون قوة عظيمة، و لكن كل ما نحتاجه في الحياة هو أشخاص عاديين مثلنا يمتلكون قوة روحية خارقة، يملكون جزءاً منـّا، و نملك جزءاً منهم، و بهذا التفاعل ينتج شيئـاً خارقـاً بيننا، ألا و هو الحب، السعادة، المشاركة، و الألفة. هذه هي القوى الخارقة التي نحتاجها في الحياة.




أحــمـد فــايـز


25 ديسمبر 2009

تجربة الانهيار



 تجربة الانهيار 

 

حاول نزع جذور شجرة عملاقة وتخيل كيف ستتمكن هذه العملاقة من الصمود أمام نسمة هواء!

حاول هدم الدور الأول من بناية ضخمة وتخيل كيف ستتمكن هذه البناية من البقاء قائمة!

حاول هدم تاريخ أمة وتخيل كيف ستتمكن هذه الأمة من معرفة نفسها وكيف ستتمكن من بناء مستقبلها!

ما لا جذر له لا فرع له، وما لا أساس له لا قيام له، وما لا تاريخ له لا مستقبل له.




أحمد فايز


24 ديسمبر 2009

أحبـُّـكِ أكثرْ


 أحبـُّـكِ أكثرْ 



إذا ما تشبّثَ كـفــّي بحُـبـِّـكْ

أجدْكِ تضيعينَ من كـفــِّي أكثرْ

و أخبرُ نفسي لو ضيّعتُ بحبـِّـكِ عمري

ماذ سأخسرْ!

..

إذا ما كتبتُ إليكِ خطابـاً

يحاولُ وصفَ اشتياقي إليكِ

عساهُ يُعبـِّرْ

أجدْني نسيتُ الكتابة ْ

نسيتُ كيف لساني قديماً كانَ يُـثرثرْ

أجدْني أحبـُّـكِ أكثرَ و أكثرْ

..

أراكِ صباحـاً لألمحَ مِنـْـكِ ابتسامة َ صُبْح ٍ

و عندَ المساء ِ عساها تزورُ المنامْ

و أرجو حينَ أقومُ صباحـاً أنْ أتذكـّرْ

أحاولُ وصفَ شعوري

حُـبٌّ!

شغفٌ!

أفكـّرُ كيفَ حياتي بعدَكِ صارتْ أجملْ

و ما عُـدْتُ مثلَ الليالي الخوالي وحيداً أفكـّرْ

و هذا لأنـّي أحبـُّـكِ أكثرَ و أكثرْ

..

أحاولُ نـُطقَ الاسم ِ حينَ أكونُ مُـنفرداً

و ذاكَ اللسانُ يخافُ التعثــُّـرْ

يقولُ كفاكَ العقلَ مشغولا ً

و القلبَ مفتوناً

أنا لستُ أقدرْ

و أسمعُ الاسمَ حينَ أكونُ بينَ الناس ِ

و حوليَ أنظرْ

تـُراها تكونُ في مجلس ٍ مثلي فتذكـُـرُني

و في نفسها شعورٌ مثـلما أشعرْ

و لو يوماً قدّر الله ُ اللقاءَ بيننا

سأنطقُ بالكلماتِ الراقداتِ في عمري

أم تتوقــّـفُ الكلماتُ في فاهي و تتأخـّرْ

و إنْ خيـّروني بينَ الحياةِ بدونـِها

وبينَ الموتِ و قالوا لي اختـَرْ

ما كنتُ أختارُ بينَ الموتِ و الموتِ

و لكنـّي – و إنْ لم ترَني – سأعيشُ أذكرُها و أسخـرْ

فكمْ من مريض ٍ كانَ يرجو شفاءَهُ

و الموتُ أقـربْ

و كمْ من مسافر ٍ جابَ الأراضينَ

و العُمرُ يقصُرْ

و لو كانَ للمرء ِ كلُّ ما شاءَ

لتمنـّى كلَّ ما في الدنيا و أكثرْ

..

يا عزيزتي إنـّنا بشرٌ

ليسَ مِنـّـا واحدٌ مَلــَـكٌ و لا ربٌ

لو نستطيعُ حيـْـزَ الدنيا و ما فيها

ما كـُـنـّـا لنتأخـّرْ

لكـنـّنا ننتظرُ الأقدارَ أنْ تشاءَ ما نرجو

و إنْ ما شاءَتْ ماذا عسانا أنْ نفعـلْ

فهل نضجرْ!؟

و هـل القنوط ُ هوَ السبيلُ لكي ننالَ نعيمَها

فالصبرُ أجدرْ

سأنتظرُ انتظارَ المُحِبِّ الصابرِ

و ماذا في اليدِّ غيرَ أنْ أصبرْ

و هذا لأنـّي أحبـُّـكِ أكثرَ و أكثرْ

..

هل تذكرينَ لي كلامـاً يعجبـُـكْ؟

أو موقِـفـاً؟

و تفكـّرينَ و لو قليلا ً

و هل أمرُّ بخيالـِكِ الورديِّ؟

و إنْ مررتُ فبأيِّ شئ ٍ تذكرينـّي؟

مجرّدُ شخص ٍ التقيـتِهِ في طريقْ!

رفيق ٌ صديقْ!

و إذا ما وقفتُ أمامَـكِ هل تشعرينْ؟!

هل تسمعينَ النبضة َ المُتسارعة ْ؟!

و تلاحظينَ الحدقة َ المُتسعة ْ؟!

و اليديْن ِ المتشابكـتين ِ الفزعة ْ؟!

و الأرجلَ القـلـقـة ْ؟!

و الكلماتِ التي تخرجُ من فاهي محترقـة ْ؟!

..

إنْ كنتِ تحسبينَ أنّي عاشق ٌ

فهل تحسبينني عاشقــاً كالآخرينْ!

يحاولُ أن يتقرّبَ منكِ كطبع ٍ لديهِ

كباقي الرجال ِ أتلطــّـفُ في المعاملة ْ

أحبُ المغازلة ْ!

..

أيّـتـُها الشمسُ لو تحسبينَ أنّ وجودَنا تحتَ شعاعِكِ اختيارٌ

و لو تعتقدينَ أنّ القـُربَ منكِ شئ ٌ بسيط ٌ ممكنٌ

فأنتِ حتمـاً مُخطئة ْ

لو كنتُ أختارُ أحلامي لاخترتُ حُـلماً مُشرقـاً

في السماء ِ الزرقاء ِ الواسعة ْ

و حديقة ً مُتـألقة ْ

عصفورة ً مُحلــّـقة ْ

و نهرَ ماء ٍ مُندفعــاً مُترنـّماً

لكنّ معظمُ الأحلام ِ عندي مشوّشة ٌ تائـِه ْ

أبحثُ فيها عن شئ ٍ و لستُ أدري ما هوَ

و حينُ أجدُ الشئ َ الذي لا أعرفُ كـُنهـَـهُ

يضيعُ منـّي و أعودُ أبحثُ من جديد ٍ

و الحُـلم ينظرُ واجماً نحو روْحي التافهة ْ

الناسُ ينعمونَ بيوم ٍ دافئ ٍ

و لو اقتربوا من الشمس ِ أكثرَ لاحترقوا

و أنا مثـلـُهم أخشى على نفسي التحرُّقَ في القربِ منكِ

و لذلكَ اتخذتُ البُعدَ لي رفيقـاً و ساتراً

بالخوفِ و الاشفاق ِ مُتذرّعــاً

مع أنـّني كلما ابتعدتُ عنكِ يزدادُ حُـبـُّـكِ في قلبي أكثرْ

..

و أخبرُ نفسي لو ضيّعتُ بحبـِّـكِ عمري

ماذا سأخسرْ!

..



أحــمــد فــايــز


19 ديسمبر 2009

الفرق بين ما تعيشه وما تتمناه


 الفرق بين ما تعيشه وما تتمناه 

 

لا شك أن كل شخص يت منّى أن يعيش في مستوى جيد اجتماعياً ومادياً. ولا شك أن كل شخص يتمنّى أن يعيش حياة (مستريحة) ويحقق أحلامه التي قضى عمره يحلم بها. أعتقد أن الجميع يتفق معي أن هناك فرقاً شاسعاً بين ما نتمناه وما نعيشه فعلاً. هذا الفرق نتج عن ما يمكن أن نحققه فعلاً وما يُسمَح لنا بتحقيقه، ولكي لا (تتوه) عزيزي القارئ اسمح لي أن أضرب لك مثالاً: شاب في ريعان شبابه يتخرج من كلية الهندسة بتقدير مناسب، فرصته في العمل لا تزيد عن 1% -هذا إن وُجدَتْ هذه النسبة أصلاً- هذا الشاب المجتهد الصابر المثابر الذي قضى فترة طويلة من عمره في الدراسة يجد أن حلمه في الزواج وإنشاء أسرة والحصول على عمل يوفر له راتب مناسب وحياة كريمة يجده حلماً قد تلاشى في الهواء، فهو ينتظر فرصة تأتيه لكي يحصل على هذا العمل، ولا توجد تلك القنوات الشرعية التي توفر للشاب العمل الذي يستحقه. ليس هناك فرص عادلة توفر العمل للجميع وفقاً للتخصص والكفاءة. هناك واسطة للتعيين في شركات الكهرباء، الاتصالات، المقاولات، وفي أي فرع يمكن لأي شخص العمل فيه. صدقني أنكَ إذا أردتَ أن تعمل (زبّال) فستحتاج لمن يساعدكَ في الحصول على هذه الوظيفة حتى وإن كنتَ تحمل بكالوريوس في (الزبالة).

الفرق بين ما تعيشه وما تتمناه هو هذا الفرق الذي تلاحظه في خريجي كلية الطب الذين يقضون سبع سنوات في الدراسة، ولا أصدق أن هناك شخصاً يدرس لمدة سبع سنوات ليتخرّج وهو لا يعرف عن مستقبله شيئاً. وإذا كان البعض يعتقد أن التعيين والوظيفة الحكومية هو المستقبل الذي يحلم به كل طبيب تخرج حديثاً من كلية الطب فهذا مفهوم خاطئ، فمن يحلم براتب لا يكفي لتناول خبز فقط طول الشهر! هذا باعتبار أنه سيدفع تكاليف طعامه فقط ويملك سكناً يستطيع دفع مصاريف مرافقه. وليس شخصاً أنفق ما لا يعلمه إلا الله على الدراسة بهذه الكلية ويحلم أنه سيجد بعد ذلك ما يعوّضه وسيمكنه من بناء مستقبله بعد ذلك! كيف يمكن لشخص أن يضيّع ما يقارب خُمس عمره في الدراسة! ويضيّع باقي عمره في العمل من أجل (ملاليم) سيتقضاها بعد ذلك! وينتظر بكل الصبر حتى (يفرجها ربنا) ويصبح طبيباً يملك المال الكافي لحياة كريمة، ولن تصبح كريمة كفاية في ظل النظام الفاشل في كل ناحية من مناحي الحياة، فسفينة الوطن قد امتلأت بالثقوب، عندما تضع يدكَ لسدِّ أحدهم ستجد آخراً قد انفجر في وجهكَ. فتحية لكل طبيب تحمّل هذا العبأ. (واستثني من هذه التحية الأطباء النصّابين اللصوص المفاجيع الذي لا يشبعون).

أتمنى حقاً أن أحقق عُشر ما أتمناه، مع العلم أن ما أتمناه بسيط جداً وليس أمراً مستحيلاً، فلا أنا أحلم بقصر في هذه الأماكن المحرّمة على البسطاء ولا بحساب في أحد بنوك سويسرا. هذه ليست أحلامي، حلمي قابل للتحقيق بكل المقاييس الإنسانية، ولكن المقاييس غير الإنسانية تقول أن ما تتمناه لا يعني أي شئ، فما يريده النظام هو ما سيكون، سواء أعجبكَ هذا أم لم يعجبكَ.



أحمد فايز


18 ديسمبر 2009

المبدعون يحتضرون


 المبدعون يحتضرون 

 

على الرغم من ذكائه الذي اشتهر به دوماً، و نشاطه الدائم، يعمل الآن موظفـاً عادياً في إحدى الشركات.

كل سنوات الدراسة ذهبت سُدى بمجرد أن ألقوا به في ساحة الحياة العملية، حيث العمل الذي يطلب عمّالاً و ليس العمّال الذين يطلبون عملاً. هناك فرق. عندما تكون هناك شركة تطلب عاملاً لتشغيل إحدى الماكينات دون اشتراط مؤهل معين، فعندها يمكن لأي شخص القيام بهذا العمل، و عندما تكون محتاجاً للمال فستقبل بهذا العمل بغض النظر عن مؤهلك، و هنا العمل هو من يختار العمال. و عندما تكون رسّاماً مثلاً، و تبحث عن عمل يكون محوره الرسم، عندما تحصل على هذا العمل تكون أنت من يختار العمل و ليس العمل من يختارك.

عندما نصل لهذه الدرجة من ثقافة توظيف الطاقات البشرية يمكننا أن نرى مبدعين على قيد الحياة. 


أحـمـد فـايـز

17 ديسمبر 2009

زوّجـونا يرحمكم الله



 زوّجـونا يرحمكم الله 

 

نداء استغاثة إلى ذوي القلوب الرحيمة، بل صرخة أكتر من 20 مليون شاب و فتاة تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشر و الثلاثين هم تعداد شباب مصر. و كلمة إنسان هنا مهمة جداً، حيث أن هذا الإنسان له احتياجات فسيولوجية لا يمكنه تناسيها، له حقوق فطرية لا يمكنه العيش بدونها، كما أنه لا يمكنه التخلـّي عن الطعام و الشراب فهو أيضاً لا يمكنه التخلـّي عن الزواج.

فتيات خليعات، و شباب (صايع)، و مواقع إباحية، و أفلام تستورد المادة الجنسية من أفلام الأجانب. تحرّش جنسي و اغتصاب، و فتيات الكليبات العاريات. النكت الجنسية، الملاهي الليلية، العلاقات العشوائية المحرّمة. الزواج العرفي، حب المدارس و الجامعات، و حب (بير السلم). الدعارة و موضة الشذوذ الجنسي.

ما كل هذا الكم من القذارة التي تملأ شارعنا العربي الإسلامي المصري !
ما الأسباب ؟ و من المسئول ؟ و ما الحل ؟

يقولون أن (سقف) الزواج ارتفع، أم أن (السقف وقع على دماغ أهله). سن الزواج في الشباب تعدى الخامسة و العشرين، بل تعدى الثلاثين.
في مصلحة من ؟ و بموافقة من ؟

اسأل أي شاب أو فتاة في أي مكان (هل ترغب في الزواج ؟)، و الإجابة حتى و إن كانت (لا) فهي (نعم). بالطبع كل شخص يريد أن يتزوج، من أجل الحب، من أجل تكوين أسرة، من أجل الحصول على الأطفال، من أجل الجنس حتى، كل شخص يريد أن يتزوج، لكن كيف ؟!

سأكون سعيداً جداً إذا وفرتَ لي مسكنـاً مناسباً، و عملاً مناسباً بأجر مناسب. سأبحث عن زوجة على الفور، و سأتزوج بأسرع ما يمكن.

 لا، ليست المشكلة في المال يا عزيزي، يجب أن تنضج كفاية لكي تتحمل مسئولية الزواج.
 
هراء، كل هذا هراء، إذا كنتَ ترغب شباباً ناضجاً يمكنه تحمُّل مسئولية الزواج و إنشاء أسرة، فأنا أخبركَ أن الشباب لم ينضج فحسب، بل إنه (استوى و اتحرق).

 كم يستغرق شاب ليجد (بنت الحلال)، و كم يستغرق فتاة لتجد (ابن الحلال)، و كم يستغرقهما لكي يجدا ما يكفي لإنشاء بيت و التمكن من إبقاءه قائماً ؟!

فلنحسب حسبة بسيطة، و لنبدأ من الصفر، إذا أراد شاب و فتاة أن يتزوجا، فلابد أن يوجد مسكن يجمعهما، و حيث أنه لا يوجد أحد يقبل بالزواج إلا في مسكن مستقل – إلا القليلين – فنتخيل شاب يحاول الحصول على هذا المسكن الأسطوري. سيشتري مسكن متواضع، يتكون من حجرتين مثلاً و صالة، في منطقة ليست من مناطق الأغنياء، أنتَ إذاً تتكلم في مبلغ حوالي 250 ألف جنية و يقبل الزيادة بالتأكيد، و لا نتحدث عن مشاريع إسكان الشباب الخيالية و التي تتسلمها – إن تسلمتها – بعد 10 أعوام. المبلغ المذكور مسبقـاً هو ثمن مسكن فارغ تماماً، يتطلب هذا المسكن مفروشات و أجهزة قد يصل ثمنها إلى نفس المبلغ تقريباً، (أخبرني صديق أن ابنة عمه اشترت مفروشات و أجهزة للبيت بمبلغ يقارب 70 ألف جنية و هي ليست أشياء فاخرة جداً، و لا ننسى ما اشتراه الزوج أيضاً و هو أكثر)، و بحساب تكاليف الزفاف و خلافه، إذا نحن نتكلم في نصف مليون جنيه ! و يسعدني ان أخبركم أن هذا المبلغ المتواضع هو لإنشاء بيت بسيط جداً يلبّي أساسيات الحياة، و لا أتكلم عن شراء فيـّلا في مارينا. و يمكنكم التأكد من هذه الأسعار بسؤال أي شخص له دراية بأسعار العقارات. أمّا إذا فكـّر شاب في شقة مؤجرة – إذا وافق أهل العروس أصلاً – فهو سيواجه مبلغ إيجار يختلف بالتأكيد من مكان لآخر لكنه لن يقل عن 500 جنيه في المناطق البسيطة، و لن يقل عن الألف جنيه في منطقة مقبولة إلى حد ما، و يمكنكم أيضاً الاستعلام عن أسعار الإيجار في المنطقة التي تعيشون فيها.
 
إذاً الشاب الذي تخرج من جامعة - أو لم يتخرج - مطالـَب بأن يشترك مع مجموعة من زملاءه، و يكوّنوا عصابة، و يقوموا بسرقة بنك ليتمكنوا من توفير المال اللازم للزواج.

في ظل هذه الظروف القاسية التي لا تسمح حتى للجراثيم بالحياة، فإن الأهل يقومون بتوفير كل هذا المال، و الشاب يجد نفسه مطالباً الآن (بالصرف على البيت). و تبقى عقبة (الفشخرة) و المظاهر، حيث أن (بنتي لا يمكن تخش إلا في شقة مش عارف إيه)، و (ابني دفع دم قلبه و انتوا ما جبتوش حاجة). و المتضرر الوحيد في هذه (المجزرة الاجتماعية) هم الشباب المسكين.

التليفزيون لا همّ له إلا عرض أصناف من النساء كنّ في حقبة تاريخية سابقة يطلق عليهن (عاهرات) و ذلك بسبب ملابسهن الفاضحة و طريقتهن المائعة في الكلام و الحركة.
 
اتركوا الشوارع، و اغلقوا التلفاز، أو فلتذهبوا جميعاً إلى الجحيم، من لا يعجبه الواقع فليضرب رأسه في أقرب حائط.

الدراسة، أنا لا اعتبرها سبباً لتأخير الزواج بقدر ما أعتبرها حُجّة، أو كما يقول المثل (ده قصر ديل)، كل من لا يستطيع الزواج يتحجج بالدراسة أو (يصبّر) نفسه بها. (لسة ما اتجوزتش لحد دلوقتي يا راجل ؟)، (انت عارف الدراسة بقى، و مش عاوز حاجة تعطلني عن الدراسة، و أنا من محبي العلم، و عندي كبت جنسي) ! و (ليه البنت ما اتجوزتش لحد دلوقتي ؟)، (الدراسة بقى و انتوا عارفين إن الجواز بيعطل عن الدراسة، و البنت الغلبانة عاوزة تصرخ و تقول عريس يامّاي) !

الفقر، الخوف، الطمع، هذه هي الأسباب (على بلاطة)، هذا هو سبب تأخر الزواج عند الشباب في مجتمعنا، هذا هو ما يمنع الشباب من تلبية نداء الطبيعة، هذا هو (البُعبُع) الذي يقف في وجه كل شاب يفكر مجرد التفكير في الزواج، و هو (العفريت) الذي يخرج لكل فتاة تحلم بفارس أحلامها يأتي على حصان أبيض، و لو تعلم ثمن الحصان في هذه الأيام لاكتفت بأن تحلم بأي شاب يأتيها و لو على ظهر (عجلة)، و لو حتى ماشياً، و إن كان حافياً فلا مانع.

نداء إلى الحكومة، إلى المجتمع، إلى الأهالي، إلى كل شخص يشهد هذا الزمان، إلى كل من يهمه الأمر، أغيثوا هذه الملايين التي لا تستطيع الحياة، لا تستطيع التفكير و الإبداع، فعقل مشغول بفكرة الزواج و الكبت و الحاجة لا يمكنه الإبداع و لا العمل. و تتساءلون لما الشباب مكتئب، و لما تغيّرتْ أخلاقه، و لما لا يعمل، و لما توقفتْ مصر عن إنجاب العقول الجميلة ! هذا لأن هذه العقول مشتتة بين أشياء كثيرة، و لا شك أن الزواج على قمة قائمة الأشغال الهامة في حياة أي شاب و أي فتاة، و لو قال غير ذلك فهو كاذب بيّن الكذب، فزوّجونا يرحمكم الله.


أحـمـد فـايـز



16 ديسمبر 2009

النوتة الحمراء




النوتة الحمراء


لم تكن تدري أنّ أحداً يراها. أفرغتْ محتويات حقيبتها على المكتب –المحتويات الكثيرة جداً– وبدأتْ تبحث عن شئ، ويبدو أنه شئ مهم جداً، ولم تجده، لأنها بدأتْ في الانفعال وبعثرة الأشياء هنا وهناك، وظهرتْ تلك النظرة المستاءة على وجهها. اقتربتُ ببطء منها ثم سألتها: " ما الذي تبحثين عنه؟!".

فزعتْ وبدأتْ بلمِّ أشيائها في الحقيبة بسرعة.

"لقد أخفتني حتى الموت".

"آسف. لكن عن أي شئ تبحثين؟".

"أنتَ".

"تبحثين عني في الحقيبة!".

"لا، أبحث عن نوتة تليفوناتي، تلك النوتة الصغيرة التي حيرتني، ألم ترَها؟".

"لا".

"حاول أن تتذكر. إنها نوتة حمراء صغيرة في حجم...".

وأخذتْ تنظر حولها تبحث عن شئ، ثم أمسكت بكتاب من كتب الجيب كان على المكتب.

"في حجم هذا الكتاب تقريباً".

"لا لم أرَها. لكن يمكنكِ شراء واحدة غيرها".

"لا يمكن ذلك".

"لا تملكين المال الكافي لشراء نوتة تليفونات!".

"ليست المشكلة في المال ولكن النوتة بها أرقام تليفونات مهمة جداً بالنسبة لي".

"آسف جداً. لكني لم أرَ هذه النوتة أبداً. يمكن أن تكوني قد نسيتيها في مكان آخر. تذكري كل الأماكن التي ذهبتِ إليها في اليوم الذي فقدتيها فيه ثم ابحثي عنها هناك".

"شكراً. هذا ما أفعله الآن".

"وهل وجدتيها؟!".

"كيف أكون وجدتها وأنا أسألكَ عنها الآن!".

رحلتْ وهي غير راضية عن نتيجة بحثها.

جلستُ إلى المكتب فوجدتُ سلسلة مفاتيح بين الأوراق. من الحروف اللامعة التي فيها والعروسة المطاطية الصغيرة المعلقة بها استنتجتُ أنّ هذه المفاتيح تخص تلك الفتاة. يبدو أنها تفقد أشياءها بسهولة في كل مكان. خرجتُ خلفها لأعطيها المفاتيح لكنها كانتْ قد اختفتْ. رجعتُ مجدداً إلى مكتبي ووضعتُ سلسلة المفاتيح في الدرج، هي حتماً ستأتي للبحث عنها. جلستُ أنتظر أي شخص يريد أن يشتري مني كتب هذا اليوم.

رجعَتْ مجدداً بعد حوالي ساعة.

"هل رأيتَ سلسلة مفاتيحي؟ أنتَ بالتأكيد لم ترها!".

وانطلقتْ مجدداً، فلحقتُ بها.

"يا آنسة، انتظري، أنت مسرعة دوماً هكذا! لقد وجدتُ سلسلة المفاتيح".

"وأين هي؟".

"ها هي، لقد نسيتيها حين أفرغتِ محتويات حقيبتكِ عندي على المكتب".

"وأين نوتة التليفونات الحمراء؟!".

"أيُّ نوتة!".

"النوتة التي كنتُ أبحث عنها منذ ساعة قبل أن أفقد المفاتيح".

"وما أدراني أنا! لقد أخبرتكِ من قبل أني لم أرَها".

"حسناً. شكراً".

انصرفتْ مجدداً، وأنا عُدتُ إلى مكتبتي.

أسامة يأتي من المخزن ويقول: "لقد نسيتُ أن أعطيكَ هذه النوتة، لقد فقدها أحدهم هنا بالأمس، ضعها عندك ربما يأتي للبحث عنها".

خرجتُ إلى الشارع لعلني أجد الفتاة، لكن بلا جدوى. عُدتُ إلى مكتبي واحتفظتُ بالنوتة. تخيلتُ تلك الفتاة وهي تدور في كل مكان بحثاً عن نوتتها. هي لن تأتي هنا مرة أخرى فلقد أكدتُ لها مرتين أنني لم أرَ النوتة وبالتالي هي لن تأتي للبحث عنها هنا من جديد. لم أستطع الجلوس وأنا تدور في رأسي هذه الأفكار، فخرجتُ أبحث عنها في الشوارع. مرّتْ ساعتان وأنا أبحث عنها. لمحتها تقف مع فتاة أخرى أمام أحد محال الملابس. اتجهتُ نحوها قبل أن تذهب مسرعة كعادتها، وعندما وصلتُ عندها كنتُ قد تعبتُ جداً من طول السير. وقفتُ أمامها منهكاً أحاول التقاط أنفاسي وإراحة قدميّ.

"ها هي نوتتكِ، لقد نسيتيها عندي بالأمس. عندما سألتِني عنها هذا الصباح لم أكن قد وجدتها، لقد كانتْ في الغرفة الأخرى".

أخذتْ مني النوتة ورحلتْ من دون أن تنطق كلمة.

في اليوم التالي أتتْ مجدداً.

"لقد جئتُ لكي أشكركَ فأنا لم أشكركَ بالأمس. لقد كان يوماً طويلاً مرهِقاً".

"لا داعي للشكر".

تناولنا القهوة وتصفحّتْ بعض الكتب، وبعد أن انصرفتْ وجدتها قد نسيَتْ هاتفها النقال على المكتب!



أحمد فايز


13 ديسمبر 2009

مكالمة تليفون

 مكالمة تليفون 

 
الساعة 2 بالليل كان محمد قاعد قدام الكمبيوتر بيلعب ومنسجم. وفجأة التليفون رن. محمد نفض وكمل لعب. لكن التليفون رن تاني. قام محمد يشوف مين اللي بيتصل.

محمد لقي إنها نمرة غريبة لكن قال أما اشوف مين اللي بيتصل وقال: "ألو".

فسمع صوت رقيق بيقول: "ألو".

فقال محمد: "أيوة، مين معايا؟".

ونفس الصوت الرقيق بيقوله: "مش مهم أنا مين، أنا كنت بس عاوزة أسمع صوتك قبل ما أنام".

وقفلت السكة.

محمد بعد المكالمة الغريبة دي حس إنه جعان، فقام عمل طبق فول بالفلفل الأخضر والطماطم ومعاه كباية شاي بالنعناع ونسي بعدها إن فيه حد اتصل أصلاً!

وتاني يوم وبرضة الساعة 2 بالليل التليفون رن. قام محمد يشوف مين اللي بيتصل. وبرضه لقيها نمرة غريبة لكن من أثر الفول بتاع امبارح هو فقد الذاكرة وما يفتكرش إذا كانت نفس نمرة امبارح ولا لأ.

فرد محمد وقال: "ألو، مين معايا؟".

فرد الصوت الرقيق وقال: "انت لحقت نسيتني! دا أنا لسة مكلماك امبارح!".

فرد محمد: "أيوة يعني انتي مين وعاوزة إيه؟".

فقال الصوت الرقيق: "أنا عاوزة بس أطمن عليك وأسمع صوتك".

وبمنتهى البراءة والاستغراب (ويمكن بشوية غباوة) رد محمد: "تطمني عليا إزاي يعني! وعاوزة تسمعي صوتي ليه!".

فرد الصوت الرقيق: "يعني تقدر تقول أنا مهتمة بيك شوية وشخصيتك شداني جداً".

وبنسبة استغراب (وغباوة) أعلى رد محمد: "مهتمة بيا إزاي يعني!".

فسكت الصوت الرقيق لكن الخط لسة مفتوح.

فقال محمد: "ألو، ألو، انتي لسة موجودة على الخط ولا إيه؟".

فرد الصوت الرقيق: "أيوة يا محمد معاك".

فقال محمد: "أومال ما بترديش وساكتة ليه!".

قالتله: "أصل أنا بحب أسمع صوتك".

وراحت قافلة السكة. قال يعني عشان تشغل تفكير محمد ويقعد يفكر. لكن محمد باشا قام ضرب طبق الفول المتين مع كباية الشاي ونسي بعدهم اسمه.

تاني يوم لكن المرة دي مش الساعة 2، لكن 2 وربع. قال يعني عشان محمد يكون منتظر المكالمة وبيفكر فيها. يرن التليفون ومحمد كان مشغول فعلاً بس بطبق الفول اللي ع النار وهو لا سامع تليفون ولا نيلة. وفضل التليفون يرن لحد 2 ونص لحد ما الصوت الرقيق بقى هو اللي منتظر حد يرد عليه ويعبره.

وبعد ما جهّز محمد طبق الفول سمع التليفون بيرن فرد عليه وسمع نفس الصوت الرقيق بيقوله: "كل ده بتصل! انت كنت فين كل ده!".

فرد عليها محمد: "مين اللي بيتصل؟".

قالتله: "إيه يا محمد انت عندك زهايمر! مش انا اتصلت بيك امبارح!".

فرد عليها ببرود أعصاب: "طب عن إذنك عشان الأكل هيبرد!".

وقفل السكة وراح ياكل.

اتضايقت هي قوي إن محمد قفل السكة في وشها وسابها وراح ياكل واتصلت تاني لحد ما رد عليها.

قالتله: "إزاي تقفل السكة في وشي!".

قالها (و بنفس الغباوة المعتادة): "يعني أسيب الأكل يبرد عشان أتكلم معاكي!".

قالتله: "أكل إيه دلوقتي ! دا احنا بعد نص الليل".

قالها: "أنا بحب آكل دلوقتي. قوليلي الأول انتي مين. أنا لسة ما كملتش أكل، فقولي انتي مين وإلا هقفل السكة ومش هرد ع النمرة دي تاني خالص".

قالتله: "طب مش لما نعرف بعض كويس الأول!".

قالها: "لا متشكرين، أنا كدة كويس قوي، ومش عاوز أتعرف على حد في التليفون، وبعد إذنك عشان أنا خلاص مش قادر، أنا جعان وشوية الفول والشاي هيبردوا".

وراح قافل السكة وقفل التليفون خالص وجري على طبق الفول حبيبه!

 

12 ديسمبر 2009

الطريق إلى المعتقـل يبدأ بكلمة



الطريق إلى المعتقـل يبدأ بكلمة

 

في الأفلام القديمة (الأبيض و أسود)، كنتَ ترى المعارضين للسلطة الظالمة، و المحتجّين على الاحتلال الغاشم، و الثوّار و المناضلين، تراهم زوّاراً للمعتقلات، و نزلاءً في السجون. كانت المظاهرات و العمليات الفدائية، كانت المنظمات و الخلايا السرّية. الآن دوركَ أنتَ في ارتياد السجون و المعتقلات، لأنكَ مسلـّح بقلم لا يعرف السكون.

أصبح من السهل أن تتشرف بزيارة أحد الأقسام، أو الأماكن الأخرى مجهولة الهوية بمجرد أن تكتب مقالاً لا يعجب أحد هؤلاء (الكبار). و الأمثلة كثيرة على ذلك، فمنذ بداية وجود الصحافة بشكلها المعروف، أصبح القلم يشكل تهديداً حقيقياً للسلطات في جميع أنحاء العالم، و بعض السلطات التي لا تستطيع التعامل مع أخطاءها بشكل قانوني تتجه إلى كسر هذه الأقلام التي تـُشهِّر بالحكومة أو الفساد في أي مؤسسة تابعة للنظام الحاكم.

أصبح من السهل أن تتخلى عن مرقدكَ المريح، و فنجان القهوة الصباحي، و جلسات الأصدقاء المسائية. فقط قم بكتابة مقال لاذع يسلـّط الضوء على فضائح هذا المسئول، أو يندد بفساد هذه المنظمة، أو يحاسب القيادات المختلفة. طريقكَ نحو المعتقل أصبح معروفـاً و واضحاً. يمكنكَ زيارة المعتقلات إن شئتَ، فلم يصبح المعتقـل بالمكان السري، يمكنكَ معرفة ماذا يحدث فيه، يمكنكَ خوض التجربة لمجرد أنكَ كتبتَ هذه الكلمات.

عزيزي المواطن، إذا أردتَ أن تكون بعيداً تمام البعد عن المعتقلات و ما يحدث فيها، فما عليكَ إلا أن تكون أمّـيـّـاً جاهلاً لا تعرف القراءة و لا الكتابة، و لا حتى الفهم. يمكنكَ أن تكون أعمى و أبكم و أصم. يمكنكَ العيش متوارياً عن الأنظار. و يمكنكَ قبول كل شئ و أي شئ حتى و إن كان انتهاك حرمة بيتكَ أو إهانة كرامة أهلكَ.

عزيزي المواطن، أنتَ الآن أصبحتَ عبداً لدى العبيد، يمكن لشخص لا يساوي أي شئ في سوق البشر أن يفعل بكَ ما يريد، و لا يمكنكَ فعل أي شئ عندها. صديق لي تعرض للضرب و الإهانة من قِبَل (حارس أمن) عند بوابة إحدى المستشفيات الحكومية، فقط لأنه مواطن عادي لا يملك (كارت) من فلان، و لا يظهر عليه أنه شخص مهم يجب احترامه و الخوف منه. يمكنكَ تقبـّـل صفعة جيدة على (قفاك) دون أن تتكلم، لأنكَ لو اعترضتَ على هذا فأنتَ تخالف القانون، و عندها سيحدث لك أسوأ من ذلك. يمكنكَ أن تفرغ محتويات جيوبكَ لأي شخص يوقفكَ في الشارع و يقول لكَ (مباحث)، و أي كلمة ستقولها سيكون الرد عليها هو صفعة مع مجموعة من كلمات السباب تنتهي بكلمة (يا روح أمك).

يمكنكَ أن تكتب مقالاً تشكو فيه من الغلاء و الظلم و الفساد. يمكنكَ الاعتراض على سياسات الدولة. يمكنكَ المطالبة باستقالة بعض الوزراء الذين لم يضيفوا للبلاد سوى المزيد من الفقر و التأخر، و يمكن حتى المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية، و هو المسئول الأول عن أي شئ يحدث في البلاد، و إن كان عذره أنه لا يدري، فهذا عذر أقبح من ذنب. يمكنكَ أن تكتب عن أي شئ تريده – هذه هي حرية الرأي – و عندها يمكن محاكمتكَ بتهمة السب، و عدة تهم أخرى، كسرقة (ورق التواليت) من الحمامات العامة (غير الموجودة أصلاً)، أو تجارة السلاح و المخدرات، و التعامل مع مؤسسات خارجية ضد الدولة، و تجد نفسكَ في النهاية في أحد المعتقلات (الخمس نجوم).

عزيزي المواطن، تذكـّر أن الطريق إلى المعتقل يبدأ بكلمة.


أحـمـد فـايـز


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك