04 ديسمبر 2009

قلب لليلة واحدة





قلب لليلة واحدة

 

أجمل ما في الحلم أنه يعطينا ما نريد دون مقابل وبمنتهى البساطة، وأسوأ ما فيه أنه ينتهي سريعاً ويتلاشى كالدخان. كنتُ كغيري أبحث عن سكن لأعيش فيه، يحميني ويحتويني وأحتويه وألجأ إليه، كنتُ أبحث عن زوجة. هل تعرفون كيف يحتمي الرجال بالنساء؟ أجل، يحتمون بهنّ، يركض الابن نحو أمّه يدسّ رأسه في جسدها حين يشعر بالخطر، يشكو ويبكي، ولا يتحرّج من البكاء، ولا يملّ من التشبث بها. وعندما يكبر الطفل ويصبح رجلاً، يبحث عن تلك المرأة التي تعيده صغيراً من جديد، وتمنحه حياة أخرى، يعود إليها بعد يوم طويل منهك، وقد أعياه ما لاقى من الهموم والضغوط ، يدسّ رأسه في جسدها يشكو ويحكي، وقد يبكي كما كان يبكي قديماً، فلا يوجد حصن أشد من النساء للرجال.

أعتقد أنني كنتُ أحسب هذا فيما مضى، لكن عندما هوى ذلك الحصن فوق رأسي ليهشم كل خلية وُجدتْ من منبت شعري وحتى أطراف أقدامي، وزاد تهشيماً وتفتيتاً لكل ذرة وُجدتْ بقلبي، بل وامتد أثره ليسحق روحي. كان ذلك كان عندما أشرفتُ على بوابات حصني وسكني، وكنتُ أعتقدها كذلك. تقدمتُ بخطوات وئيدة، ودققتُ الأبواب، وانتظرتُ أن تفتح، وعندما فتحَتْ ما كنتُ أظنها ستغلق بعد اليوم، لكنّني ما قضيتُ غير ليلة واحدة فقط، انتقلتُ فيها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

ليلة واحدة فقط هي ما قد يحتاجه مسافر أو عابر سبيل، لكن مهاجر مثلي أتى بكل ما لديه، وفرّ بحياته وعمره، لم يكن يأمل بليلة واحدة، بل بإقامة دائمة. لكنه بعد أن رسى بسفينته المنهَكة، وأنزل أمتعته، ما قضى بعدها غير ليلة واحدة، ليجد أبواب القلعة التي كانت مفتوحة على مصراعيها منذ قليل، وجدها موصدة متجهّمة في وجهه.

ما أشد أن تتخلى الكلمات عنّي عندما أحتاجها، وما أقصى أن ينسى الطريق آثار أقدامي، ويتركني أضلّ في بلاد لا أدري منها غير اسمها، وما أهون أيامي عندما تُنثر في كل مكان لتحملها الرياح حيث شاءت.

ليلة واحدة فقط هي كل ما أذكر، قضيتها أنسج أحلاماً مزخرفة، أرسم وجهها كلما فتحتُ عيوني أو أغلقتها، أنشد وأناجي وأبتهل، أودّع وحدتي وغربتي وعزلتي، وألملم حاجياتي لأنتقل للعيش في فضاء رحب بعد هذا النفق المظلم الذي اعتدتُ العيش فيه، لكنني فوجئتُ وبدون سابق إنذار أنها لم تسمح لي بعد بالانتقال إلى قلعتها الحصينة، وإنما أعارتني قلبها لليلة واحدة فقط!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما للمهاجرِ مقصِدٌ غيرَ المكوثِ ببابـِكِ
كانَ الطريقُ رفيقـَهُ حتى التقى بعيونـِكِ
يحتارُ في وصفِ الليالي عندما
يشتدُّ صوتُ أنينـِهِ في بُعـدِكِِ
..
يقولُ كلاماً يجهلُ أصلَ تدفـّقـِهِ
ويعـيشُ خيالاً يكبرُ فيهِ تعلقِهِ
ويفيقُ اليومَ ليعرفَ طعمَ الأعذارِ
يبقى بمكانٍ منتظراً حُكمَ الأقدارِ
..
يسمعُ كلماتٍ ينكرُ كلَّ معانيها
يحبسُ دمعاتٍ لستِ اليومَ تحسّيها
يضحكُ ضحكاتٍ تخفي قلباً مكسوراً
فلقاءُكِ عندي أصبحَ شيئاً محظوراً
..
مُدّي كفـّيْـكِ وغوصي بينَ حدائقِ أوردتي
دسّي خنجرَكِ في حجراتِ القلبِ وأنسجتي
وذريني وحدي مقتولاً في سيلِ الدمِّ
سأخرُّ صريعاً بين دقائقِ ذاكرتي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أحمد فايز
 

هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

الاحساس رائع في اول جزء..و كأنه يلامس وجدان كل منا

و لكني لم افهم ما المقصود باليلة الواحدة؟

اهي حلم ؟!

اما عن الابيات الشعرية فهي رائعة

حماك الله و اعانك علي الاستمرار

sookra يقول...

قلب لليله واحده
مُـدّي كـفــّـيْـكِ و غوصي بينَ حدائق ِ أوردتي
دسـّـي خنجرَكِ في حجراتِ الـقـلبِ و أنسجتي
و ذريني وحدي مقتولا ً في سيـل ِ الدمِّ
سأخـرُّ صـريعـاً بين دقـائـق ِ ذاكــرتي
اه منها تلك الخناجر
واه منه القلب عندما يصبح ملكك لليله واحده فهذا منتهى القسوه


معلومه بوستى الاخير موش عارفه انا كتبته ازاى بجد

winner يقول...

غير معرف
ـــــــ

انا سعيد عن عجبك الاحساس و الابيات
شكرا ليك
بالنسبة لليلة الواحدة فهي بالظبط زي ما بيقول المثل (يا فرحة ما تمت).

winner يقول...

سكره
____

مرحبا مرحبا
___________

مش مهم كتبتي ازاي .. المهم اتكتب ..
_________________________________

كنت عاوز اكتبلك تعليق من زمان عن المدونة بشكل عام .. بس لقيته هيبقى طويل .. و ملوش مكان .. فقلت اسكت احسن :)


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك