12 ديسمبر 2009

الطريق إلى المعتقـل يبدأ بكلمة



الطريق إلى المعتقـل يبدأ بكلمة

 

في الأفلام القديمة (الأبيض و أسود)، كنتَ ترى المعارضين للسلطة الظالمة، و المحتجّين على الاحتلال الغاشم، و الثوّار و المناضلين، تراهم زوّاراً للمعتقلات، و نزلاءً في السجون. كانت المظاهرات و العمليات الفدائية، كانت المنظمات و الخلايا السرّية. الآن دوركَ أنتَ في ارتياد السجون و المعتقلات، لأنكَ مسلـّح بقلم لا يعرف السكون.

أصبح من السهل أن تتشرف بزيارة أحد الأقسام، أو الأماكن الأخرى مجهولة الهوية بمجرد أن تكتب مقالاً لا يعجب أحد هؤلاء (الكبار). و الأمثلة كثيرة على ذلك، فمنذ بداية وجود الصحافة بشكلها المعروف، أصبح القلم يشكل تهديداً حقيقياً للسلطات في جميع أنحاء العالم، و بعض السلطات التي لا تستطيع التعامل مع أخطاءها بشكل قانوني تتجه إلى كسر هذه الأقلام التي تـُشهِّر بالحكومة أو الفساد في أي مؤسسة تابعة للنظام الحاكم.

أصبح من السهل أن تتخلى عن مرقدكَ المريح، و فنجان القهوة الصباحي، و جلسات الأصدقاء المسائية. فقط قم بكتابة مقال لاذع يسلـّط الضوء على فضائح هذا المسئول، أو يندد بفساد هذه المنظمة، أو يحاسب القيادات المختلفة. طريقكَ نحو المعتقل أصبح معروفـاً و واضحاً. يمكنكَ زيارة المعتقلات إن شئتَ، فلم يصبح المعتقـل بالمكان السري، يمكنكَ معرفة ماذا يحدث فيه، يمكنكَ خوض التجربة لمجرد أنكَ كتبتَ هذه الكلمات.

عزيزي المواطن، إذا أردتَ أن تكون بعيداً تمام البعد عن المعتقلات و ما يحدث فيها، فما عليكَ إلا أن تكون أمّـيـّـاً جاهلاً لا تعرف القراءة و لا الكتابة، و لا حتى الفهم. يمكنكَ أن تكون أعمى و أبكم و أصم. يمكنكَ العيش متوارياً عن الأنظار. و يمكنكَ قبول كل شئ و أي شئ حتى و إن كان انتهاك حرمة بيتكَ أو إهانة كرامة أهلكَ.

عزيزي المواطن، أنتَ الآن أصبحتَ عبداً لدى العبيد، يمكن لشخص لا يساوي أي شئ في سوق البشر أن يفعل بكَ ما يريد، و لا يمكنكَ فعل أي شئ عندها. صديق لي تعرض للضرب و الإهانة من قِبَل (حارس أمن) عند بوابة إحدى المستشفيات الحكومية، فقط لأنه مواطن عادي لا يملك (كارت) من فلان، و لا يظهر عليه أنه شخص مهم يجب احترامه و الخوف منه. يمكنكَ تقبـّـل صفعة جيدة على (قفاك) دون أن تتكلم، لأنكَ لو اعترضتَ على هذا فأنتَ تخالف القانون، و عندها سيحدث لك أسوأ من ذلك. يمكنكَ أن تفرغ محتويات جيوبكَ لأي شخص يوقفكَ في الشارع و يقول لكَ (مباحث)، و أي كلمة ستقولها سيكون الرد عليها هو صفعة مع مجموعة من كلمات السباب تنتهي بكلمة (يا روح أمك).

يمكنكَ أن تكتب مقالاً تشكو فيه من الغلاء و الظلم و الفساد. يمكنكَ الاعتراض على سياسات الدولة. يمكنكَ المطالبة باستقالة بعض الوزراء الذين لم يضيفوا للبلاد سوى المزيد من الفقر و التأخر، و يمكن حتى المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية، و هو المسئول الأول عن أي شئ يحدث في البلاد، و إن كان عذره أنه لا يدري، فهذا عذر أقبح من ذنب. يمكنكَ أن تكتب عن أي شئ تريده – هذه هي حرية الرأي – و عندها يمكن محاكمتكَ بتهمة السب، و عدة تهم أخرى، كسرقة (ورق التواليت) من الحمامات العامة (غير الموجودة أصلاً)، أو تجارة السلاح و المخدرات، و التعامل مع مؤسسات خارجية ضد الدولة، و تجد نفسكَ في النهاية في أحد المعتقلات (الخمس نجوم).

عزيزي المواطن، تذكـّر أن الطريق إلى المعتقل يبدأ بكلمة.


أحـمـد فـايـز

هناك 4 تعليقات:

sookra يقول...

استاذ احمد
اوجعت قلبى اكتر مما يحمل من اوجاع

winner يقول...


استاذة سكره
الحقيقة فعلاً موجعة .. بس ما ينفعش نغمض عينينا و نعمل انها مش موجودة .. لازم نواجه الواقع بواقعية ..

Shaimaa يقول...

أ/أحمد ....مش هنسكت مهما حصل ...يمكن مش هتسمع كلمتنا مرة واتنين وثلاثة بس من كتر تردديها هيتسمع صداها وهتجيب نتيجة...انما لو سكتنا المأساة هتكبر وهتكبر ومش هنعرف نسيطر عليها
كفاية ان كلامنا واعتراضنا بينفس عن اللى جوانا وبيموت فينا....هما ايه عايزين يقفلوا كل المنافذ ليه...حسبنا الله ونعم الوكيل

winner يقول...


انا بقول برضه اننا لازم نتكلم.
الكلام افضل من السكوت.
و ان شاء الله هييجي اليوم اللي كلامنا يجيب نتيجة.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك