06 يناير 2010

حكاية بنت اسمها شيماء



  حكاية بنت اسمها شيماء  



شيماء بنت مصرية من مواليد مدينة رفح سنة 1980.
أبوها مهندس و امها مدرّسة.
شيماء قضت كل حياتها في سينا.
عيلتها مقسومة ما بين رفح المصرية و رفح الفلسطينية.


من زمااااان ..
كان فيه بلد اسمها فلسطين.
احتلتها بريطانيا في الحرب العالمية الأولى 1914.
و سلمتها لليهود بوعد بلفور 1917.
و أعلن اليهود دولتهم فيها 1948
و كملوا احتلالها هي و أجزاء من دول مجاورة بكل وقاحة 1967.


دلوقتي ..
فيه بلد اسمها فلسطين محتلها اليهود، قسموها و خربوها، و قاعدين على صدور أهلها.


عيلة شيماء مقسومة ما بين مصر و فلسطين.
نصين العيلة تقريباً ما بيشوفوش بعض.
العيلة اتقسمت من زمان، و دلوقتي الأجيال الجديدة ما تعرفش بعضها.
العيلة كانت عيلة واحدة و دلوقتي بقت عيلتين.
بقت أربعة.
بقت ميت عيلة مختلفة مفيش عيلة منهم تعرف التانية.


شيماء راحت المدرسة.
و راحت الجامعة.
شيماء بقت دكتورة.
شيماء استقبلت جرحى غزة في مستشفى العريش بعد الاجتياح.
كل واحد بتعالجه بتكون حاسة إنه يقربلها.
يمكن يكون ابن عمها، او ابن خالتها.
ممكن يكون ليهم نفس الجد.


شيماء عاوزة تروح غزة !


فكرة ..
الفكرة شغلتها لفترة.
في رفح تقدر تشوف غزة و انت قاعد فوق سطح بيت.
تقدر تشوف أهلها و هم بيجروا تحت القنابل و الصواريخ.
تقدر تشوفهم بيموتوا.
و ما تقدرش تمد ايدك لحد فيهم، حتى لو كان ابن عمك او ابن خالتك.
شيماء عاوزة تروح غزة.
لما كلمت صاحبتهاعن الفكرة دي قالت إنها أكيد مجنونة.
لما كلمت مامتها قالت برضة إنها مجنونة.
شيماء عاوزة تروح غزة.
شيماء عندها بنتين، واحدة في ابتدائي و التانية في الحضانة.
أعمارهم زي أعمار أطفال غزة، و وشوشهم زي وشوش أطفال غزة، و نفس الدم بيجري في عروقهم.
لما تسمع طفل غزة بيقول إن اليهود حرموه من حقه في التعليم، و من حقه في اللعب، و من حقه في الحياة.
بيقول كلام مايعرفش يقوله وزير خارجية و لا رئيس جمهورية.
لما تسمع طفلنا المصري المعجزة اللي اتربى قدام التليفزيون، قدام قنوات الكارتون و الأفلام و الأغاني.
تسمعه ماشي بيغني في الشارع و منسجم بكلام ملوش لا طعم و لا معنى، دوشة و هيصة و تخبيط و السلام.
جوز شيماء بيقول عليها إنها وقعت على دماغها و هي صغيرة و عشان كدة طلعت وطنية.
يا ريتنا كلنا كنا وقعنا على دماغنا و احنا صغيرين !


قاطعوا من أجل غزة ..
(على فكرة أنا ماقدرش يعدي عليا يوم من غير ما اشرب حاجة ساقعة).
الله يرحم جدودك اللي كانوا بيشربوا المية من النيل، من غير لا فلتر و لا تكرير.
في زمن أصبح فيه الحصول على كوب ماء نقي أصعب من الحصول على إزازة حاجة ساقعة !
كان فيه مثل بيقول (الحيطة الواطية بينط من عليها الكلاب).
و (ما بيتركبش إلا اللي بيوطي) !


إحباط ..
ما تزعليش يا شيماء.
لو انتي متضايقة فيه ناس غيرك كتير متضايقين.
بس شيماء مش زي باقي الناس، شيماء بنت مصرية نص عيلتها في غزة.
و شيماء لسة عاوزة تروح غزة.
و مش عارفة.


حلم ..
شيماء شافت في المنام حصان أبيض، راكب عليه فارس لابس أبيض في أبيض.
و مش بوليس !
وقف الفارس بحصانه فوق الخريطة.
شاور بسيفه ناحية الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب، و شاور على فلسطين.
يعني أروح فلسطين !
مفيش إجابة.


لسة الدم الاحمر على كف الجريح بيئن.
خيبة الأمل في القريب إنه يلين و يحن.
لسة الأغاني بتشتكي و تبكي بحرقة و هم.
و لسة ناس ماعندهاش ذرة حيا و لا دم.
!

لسة يا شيماء عاوزة تروحي غزة !


خبر ..
قالت أم من ضمن الأمهات ربنا يرجعك بالسلامة يابني.
كام ابن راح مارجعش !
كام طفل مات ما بين سنان الكلب !
الأم تندب موت ابنها و تبكي .. و تبكي .. و تبكي .. و تفرح.
أصل الشهيد بيتودع بفرحة و تكبير.
انما اللي ماتوا في أوكار التعاطي، و في الليالي الحمرا، و اللي ماتوا من كتر الشبع و الطمع، و اللي ماتوا على الكراسي ملعونين، دول يتودعوا بإيه !
بابتسامة سخرية !
و لا دمعة حزن على اللي راح من غير ما يصبح راجل بحق.
دموع الأمهات في الشوارع على أي حد و كل حد.
مات الشهيد فلان ابن فلان.
اشهدوا يا ناس انه مات راجل.
و اه يا بلد مافيهاش رجال.


أخوّة ..
شيماء ليها أخين شقايق.
و ليها غير الشقايق ألف أخ.
أخ سافر كندا عشان يدرس و يشتغل بعد ما لقي إن الكراسي الكتير في البلد سادّة الطريق على اللي رايح و اللي جاي.
حس إن طعم كل شئ ماسخ.
كوسة من غير ملح.
و الأخ التاني مستنى زي غيره كتير قطر العمل اللي اتأخر بقاله سنين.
مستني.
كل ما يدوّر يلاقي شغل بملاليم لا تودي و لا تجيب، أو شغل مطلوب فيه للعمل ابن وزير !
شيماء كل ما تشوف حد ميت من الميتين في الطريق تفتكر إن ليها أخين بتحبهم و بتخاف عليهم زي عيالها، مع إنهم أكبر منها.
تدعيلهم، و الخوف ماليها، و قلبها يوجعها لكل واحد مات في الطريق من غير سبب إلا إنه اتولد في الأرض دي.


من الآخر ..

آخر نكتة.
كان مرة واحد فلسطيني مات !

آخر موضة.
الدم حنة، و التراب ع الوش، و الخوف جوه العيون مسجون، و الجوع جوا البطون عشش.
الأحمر موضة السنة دي.

آخر شياكة.
بدلة و كرافتة، و قعدة حلوة في التكييف، و عصير و مية معدنية، و ضحك و هزار، و السلام عليكوا.
كان اجتماع لبحث الوضع في الأراضي الفلسطينية !

آخر الأخبار.
قتل.
قصف.
توغل.
حصار.

آخر كلمة.
البلد اللي مافيهاش رجالة بيحكمها الحريم.
اه يا بلد كل اللي فيها حريم، إلا القليل.


موت .. بجد ..
هو فيه موت بجد و موت بهزار !
شيماء دكتورة أطفال.
شيماء بتروح السوق.
شيماء بنت مصرية عايشة في سينا، اتجوزت و خلفت، و نص عيلتها في غزة، ما تعرفهمش بس بتحبهم.
شيماء بتدعي كل يوم.
يا رب ابعت لنا بطل ما يخافش زي اللي بيخافوا، ما يهربش زي اللي هربوا، راجل يكون صحيح راجل ما يهمهوش إنه يموت إذا كان هيموت راجل بجد.
راجل مش أي حد.
شيماء مريضة.
شيماء عندها سرطان.
شهرين في المستشفى و ماتت.
شيماء سابت جوزها و معاه طفلتين صغيرين.
و لآخر لحظة في عمرها كان نفسها تشوف غزة.
شيماء كانت عاوزة تروح غزة.
بس ما عرفتش.
ما لحقتش.


شيل الهم ..
شيماء بنت مصرية، من المصريين اللي لسة عندهم دم.
بتخاف على كل حد بيتأذي من غير ذنب.
مش راضية عن اللي بيموتوا بس لأنهم عرب أو مسلمين.
زعلانة إن إخواتها بيموتوا قدام عينيها كل يوم و هي مش قادرة تعمل حاجة.
شيماء عاشت طول عمرها شايلة الهم.
و ماتت و هي شايلة الهم.
مش هم الأكل و اللبس و لا العيال و المال.
شايلة هم إنها مستريحة و غيرها كتير تعبانين.
شايلة هم الطفل اللي بيبات من غير عشا.
هو فيه حد بيبات من غير عشا !
اه و الله فيه ناس كتير بتبات من غير عشا.
عشان فيه ناس كتير معندهمش إحساس و لا مرؤة و لا نخوة و لا ريحة الدم.
شايلة هم الأمهات.
شايلة هم كل اتنين اتجوزا و اتفرقوا بالموت.
شايلة هم طفل يتيم من غير أم أو من غير أب.
شايلة الهم.

يا ترى شايلين الهم !
يا ترى بنعمل شئ و لا خلاص كل شئ راح و انقضى !


ضاعت ملامحنا تحت الجذم و النار.
راضيين و مش شايفين فيها ألم و لا عار.
عايشين ومش فارقة غيرنا يعيش و يموت.
طول ما البطون ساكتة تلقى الكلام في سكوت.


رجالة ..
(راجل مسلم عنده دم و نخوة .. شاف ست مسلمة اتعدّى عليها راجل يهودي حقير و ربط طرف ثوبها فانكشفت رجليها .. ماقدرش يشوف ده و يسكت .. راجل .. قتل اليهودي .. اليهود قتلوه .. النبي عليه الصلاة و السلام .. سيد الرجال .. ماقدرش يعدّي حاجة زي دي .. ما عملش مفاوضات سلام لمدة خمسين سنة .. خرج على طول بجيش و أجلى اليهود عن المدينة)

عندنا نقص حاد في الرجالة !




أحـمـد فـايـز


هناك تعليقان (2):

Shaimaa يقول...

احنا بنشجب ونندد وندين...وبنبنى جدار فولازى... وخلى بالك ان مش احنا بس اللى كدة ..كل الدول ورؤساءها كدة..على رأسنا قطر الل عندها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية وأول ما تجيلها فرصة المزايدة على مصر مبتترددش وبتزايد على مصر
مصر "القائد" زى ما ناس كتير بتقول ...صح .. بس برده الاتحاد قوة... الغرب عمل "عملة موحدة" واحنا لحد دلوقتى مش عارفين نعمل بس قمة عربية ناجحة...الأول يتشكلوا على مكان القمة يبقى فين ....وبعدين... لو دعينا السعودية... القذافى أبو دماغ بتنجان يقول لأ مش هحضر ...ولو حضر اما يهبل بكلام فاضى ... لاما ينسحب من القمة...وهكذا حال بقية السادة الروؤؤساء المحترمين
ربنا يرحمنا

winner يقول...



أنا مصدق إننا هنبقى أحسن من كدة .. و بعمل لليوم ده.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك