25 مايو 2010

قهوة سكر زيادة

 قهوة سكّر زيادة 

 
الساعة الرابعة عصراً –وكالمعتاد- جلس في المقهى وطلب كوب قهوة سكر زيادة كما يفعل كل يوم في نفس الميعاد. يجلس يشرب القهوة وينظر إلى الشارع يتابع السيارات والمارّة، في هدوء شديد رغم الضجة، في حالة تأمل مركـّزة، وبعد ذلك يغادر.

أكثر من ثلاث سنوات وهو على هذا الحال. وحين يجلس لشرب قهوته لا يقاطعه أحد، ولا يقتحم عليه خلوته الخاصة أي مخلوق، الجميع ينتظر أن ينتهي من طقوسه ويفرغ من كوب قهوته.

هو ليس كئيباً ولا زاهداً متصوّفاً، وليس مجنوناً أو مختل العقل، وإنما هو شخص يحب أن يجلس لمدة خمس دقائق فقط كل يوم ليتأمل الحياة من زاويته الخاصة، زاويته هو. الجميع في المقهى يعرفونه ويعرفون عادته. هو شخص اجتماعي ومحبوب، لكن هناك حالة من القدسية للخمس دقائق المخصّصين للقهوة والتأمل.
 
حين بدأ هذا الأمر كانت هناك مقدمات ودوافع، كان هناك ما يدفعه للبحث عن طريق جديد وطريقة جديدة، كان لابد من إيجاد حل. وكانت الأسباب كما وردت على لسانه: "بعد أكثر من سبع سنوات من العمل، وجدتُ نفسي أعيش بنفس المستوى، بنفس الأسلوب، نفس الأشخاص، ونفس الأفكار. شئ ممل جداً، شئ يقتلني ببطء. وجدتني لا أبدع في عملي مع أنني كنتُ أحب القيام به بشغف وأتفنن فيه، وأصبح العمل عبء، ومتطلبات البيت عبء، ومشاكل أبنائي عبء، وكل حياتي تحولتْ لمجموعة من الأعباء، فكان ولابد من إيجاد حل. وذات يوم ذهبتُ إلى المقهى فارّاً من أعبائي، منهكاً محبطاً مهموماً، طلبتُ فنجان قهوة سكر زيادة، وجلستُ أفكر وأنظر إلى كل مشكلة من كل زاوية حتى ولو كانت غير مهمة، وأحاول أن أجد أسباباً وحلولاً، وأحاول أن أرسم حياتي من جديد، وأواكب التغيير لكي أتمكن من العيش داخل الدنيا ولا تمر الدنيا عليّ وأنا واقف في مكاني. وبدأتُ أجد حلولاً لمشاكلي، وأحس بتغيير في حياتي، وأصبحتُ أسعد وأنشط وأكثر تفاؤلاً وحباً لكل شئ. وكل هذا بسبب فنجان قهوة وخمس دقائق من الصفاء الذهني يومياً. خمس دقائق أمنح نفسي فيها الفرصة لأفكر بعمق وأدرس نفسي وحياتي بموضوعية، بعيداً عن الضغوط والأعباء. أنا لم أدرس الفلسفة ولا علم النفس، لكنني وصلت لهذه الحالة عن طريق تجربة وجدتني بمنتهى الصدفة".
 
قد يكون أصحابه ومن يعرفونه يحسدونه على هذا الحل السحريّ الذي وجده، لكنهم في نفس الوقت لا يبحثون عن حلول لأنفسهم، يكتفون بالانبهار بما حولهم ولا يجرّبون هذا في واقعهم الشخصي، ويظلون على حالهم يدورون في مدار الدنيا مرغمين، والدنيا تفعل بهم ما تشاء وهم مستسلمون لها وكأنهم ورقة شجر يتلاعب بها الهواء.
 
من المؤكد أن هناك حلولاً لكن لابد من البحث عنها، حتى ولو كان الحل هو مجرد فنجان قهوة وخمس دقائق من التفكير العميق والتأمل.




أحمد فايز


هناك تعليقان (2):

dr_nada111989 يقول...

فكرة جميلة جدا يا د/ أحمد والله
لكن شايفة انه انسان محظوظ أوي علشان وجد من الناس اللي حواليه تفهم لتلك الحالة التي يحب أن يعيش فيها ولو لمدة خمس دقائق ،فالفكرة كلها في احترام الناس لتلك الخصوصية،أنا دايما بعمل كده بس عادة بحب يكون معايا كتاب وكوباية شاي
بس في كثير من الأحيان بفشل بسبب ولاد اخويا العفاريت....مش هم لوحدهم بس ففيه اسباب تانية كتير......

WINNER يقول...



د. ندى.
القاعدة إن كل إنسان مسئول عن نفسه.

وجود أشخاص تتفهم الموقف و الحالة، و تقدم الدعم و المساندة أمر موجود نتيجة تطور العلاقات البشرية.

كل شخص لازم يسعى للحصول على حقوقه من التفكير و التأمل و حساب النفس، من دون انتظار موافقة شخص و لا مساعدة شخص.

إذا الظروف لم تسمح ببيئة مساندة، و أشخاص متفهمين، لابد من خلق بيئة مناسبة.

الشخص في القصة دي خد المبادرة و لقي مكان يقدر يفكر فيه، و جديته أجبرت كل من حوله على احترام قدسية و خصوصية الوقت المخصص للتفكير و التأمل.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك