04 مارس 2010

الاحتمالات اللا متناهية

 الاحتمالات اللا متناهية 



(لا يمكن اعتماد حقيقة مبنية على نظرية).

المنطق البشري الذي وضع بدايته الإغريق ليس إلا تفكير بشري، و العقل البشري لا يمكن تجاهل عجزه و نقصه، بالتالي علم المنطق ليس بالضرورة يعطي حقائق.
 

المنطق البشري المتمثل في قدرة الإنسان على التفكير و التحليل و الاستنتاج ليس علماً بقدر ما هو غريزة، لكن الكائن البشري يتميز بخليط من الغرائز، يتميز بقصور قدرته على استقبال كل شئ. لا يمكن تجاهل حقيقة أن الإنسان لا يمكنه رؤية أطياف عديدة من الضوء، و لا يمكنه سماع ترددات مختلفة للصوت، و عقله ليس بالكفاءه لاستيعاب جميع حقائق الكون، ناهيك عن النظريات التي حاول وضعها لتفسير ما عجز عن فهمه.
نرجع للجملة الأول (لا يمكن اعتماد حقيقة مبنية على نظرية).


جاء جاليليو بنظرية تقول أن الشمس هي مركز الكون و أن الأرض تدور حول الشمس. في هذا العصر كان الاعتقاد السائد بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض. لماذا ؟ لأنه من الواضح (منطقياً) أننا نرى الشمس يومياً تتحرك في السماء من مكان شروقها إلى مكان الغروب، و بالتالي فإن من (المنطقي) أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. بل تم اعتبار أن هذه حقيقة مسلـّم بها، و اعتمدت الكنيسة هذا (المنطق) و تم دمجه مع الدين بحيث أن من يتجرأ على قول غير ذلك فهو يطعن في رأي الكنيسة. هذا ما حدث مع جاليليو، فقد اتهموه بالكفر و الجنون و تم سجنه. هذا دليل قاطع على أن (المنطق) قابل للتغيير، و ليس بالضرورة مصدراً للحقائق، فما تراه أنت منطقياً قد أرى أنا خلافه هو المنطق. أثبت العلم بعد ذلك أن جاليليو كان محقـاً.


(المنطق نسبي و متغيّر).

هل يمكن أن يمر يوم دون أن تشرق الشمس؟ و كم عدد ساعات اليوم؟
 
الإجابات (المنطقية) هي أنه لا يمكن أن يمر يوم دون أن تشرق الشمس. فمنذ بدء الخليقة و الشمس تشرق و تغرب كل يوم، و اليوم في الأساس يتحدد بشروق الشمس و غروبها، أو ما يعادل دوران الأرض حول محورها. و اليوم يتكون من 24 ساعة. هذه إجابات (منطقية) لا يختلف اثنان عليها.


اسمح لي أن أختلف معك حول هذا المنطق. يمكن للشمس ألا تشرق، نعم هذه حقيقة علمية (منطقية) أخرى. تاريخياً (أو دينياً)، تغيّر نظام الشروق و الغروب في عهد نبي الله (يوشع) حين طلب من الله أن يحبس الشمس ليومين متتاليين حتى يتمكن من إنهاء القتال لتحرير بيت المقدس. لا تؤمن بالتايخ ! حسناً، يمتد ليل القطب الشمالي لستة شهور (أو أربعة حسب مصادر أخرى) متواصله و كذلك نهاره، و يمكنك مراجعة هذه الحقيقة العلمية. تمر ستة أشهر دون أن تشرق الشمس، أليس هذا شيئـاً غريباً، و رائعاً، لكنه علمي أيضاً. اليوم يختلف باختلاف تعريفكَ له، فاليوم على كوكب الأرض يختلف عن اليوم على باقي الكواكب، و هذه حقيقة علمية أخرى. المنطق الذي تعتمد عليه قد يختلف باختلاف معرفتكَ و كم المعلومات التي تملكها.


من الأمثلة المنطقية التي كانوا يعلمونها لنا (البرتقال فاكهة، الفاكهة لذيذة، إذاً البرتقال لذيذ). هل هذا منطق ! البرتقال فاكهة، لكن من يحدد أن الفاكهة لذيذة أو البرتقال لذيذ ! هناك أنواع من الفاكهة بالنسبة لي ليست لذيذة، قد أكون لا أحب البرتقال، و بالتالي فالمنطق هذا لا ينطبق على كل شئ، و لا يمثل حقيقة ثابتة، و لا ينبغي منطـَـقة كل شئ و تحويله لكتلة صخرية لا يمكن التفاهم معها.


ما المنطق في عبادة إله لا تراه و لا يمكنك الاستدلال على وجوده علمياً ؟ علمياً لا يوجد ما يسمى (إله) حيث أن أجهزة القياس لم تتوصل لشئ يمكن وصف تركيبه و ماهيته. إذاً نحن لا نعبد الله بالمنطق العلمي، نحن نعبده بالمنطق الروحي، منطق الفطرة. أنا أؤمن بوجود الله على الرغم من عدم رؤيته، أدعوه دون أدري في أي جهة هو، و أصلي إليه خمس مرات يومياً دون أعرف أي شئ عن ذاته، بل و أحبه، و لذلك فيما يتعلق بهذه الأمور لا ينبغي تطبيق منطقنا العاجز في فهم أشياء أكبر من المنطق نفسه. 


لا يعجبني أن يتكلم شخص فيقول (منطقياً كذ و كذا). ما الذي جعل منطقك بهذه القوة ! ما مدى مصداقية هذا المنطق ! لا تخبرني أن الشمس تشرق من المشرق و هذه حقيقة علمية، و لا تخبرني أن سرعة الضوة مقدارها كذا و هذه حقيقة علمية. إن العين لا يمكنها رؤية الألوان الفعلية للأشياء و هذه حقيقة (علمية)، بل العقل يرى أشياءً غير موجودة (فرضاً) في حالات الهلوسة البصرية. هذا العلم الذي يناقض نفسه و مبني بشكل كبير على النظريات لا يجب التسليم بمصداقيته و اعتباره مرجعاً لا يمكن الطعن فيه.

نظريات فرويد تم رفض معظمها على الرغم من اعتباره من مؤسسي علم النفس. نيوتن سقطت العديد من نظرياته و تم تعديل العديد منها. يجب معرفة الفرق بين النظرية و الحقيقة، و لا يجب الخلط بينهما، و لا يجب اعتبار النظرية على أنها حقيقة.


هناك احتمالات لا متناهية لكل شئ في هذا الكون اللا متناهي، و ذلك لأننا لا نعرف الحقيقة، و من لا يعرف الحقيقة لا يمكنه سوى التخمين، و التخمين مهما كان قوياً فهو لا يصل لمصداقية الحقيقة و لا يمكنه نفي التخمينات الأخرى. هناك احتمالات لا متناهية لنشأة الكون و قوانينه و ما يسمّى بالحقائق العلمية. لا يمكنك الجزم بأن هذه هي حقيقة هذا الشئ أو أن هذا الشئ يعمل بهذه الكيفية أو بتلك، نحن لا نرى بشكل كافٍ حتى نضع حقائق أو نرى حقائق أو نتوصل إلى حقائق.


من الضروري أن نضع قواعد نعتمد عليها حتى لا نضل وسط هذا الكم الهائل من المعلومات، لكن من الظلم أن نمنع عقولنا من التفكير بحجة أن العلم غير قابل للنقاش و أن من وضعوه يمتلكون قدرات عقلية خارقة.


المرة القادمة عندما يخبرك أحد أن الشمس (علمياً) تشرق من المشرق تصنـّع أنك توافقه الرأي، لكن في داخلك اعلم أن هذا قد يكون مجرد خطأ آخر من أخطاء الملاحظة البشرية القاصرة.



أحــمـد فــايـز

هناك 10 تعليقات:

محمد عطية يقول...

أ. أحمد من دواعى الشرف لى أنا أزور مدونتك لاول مرة ، و لا اظنها الأخيرة ، بدون مبالغة ، نحن متشابهان كثيرا فى الفكر مما يدفعنى للتواصل أكثر معك .

أرجو ألا أطيل بتعقيبى
أوافقك تماما أن المنطق قابل للتغيير ، لذا فمن المستهجن أن تسمع شخصا يقول لك : أصل أنا عندى مبدأ ، فتقول فى قرار نفسك ك و ايه يعنى ما المبدا ممكن يتغير .

و هذا الاختلاف امر مشاهد فما يصلح لك لا يصلح لغيرك فالعقول خلقها الله متفاوتة ، قال تعالى " و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة و لا يزالون مختلفين و لذلك خلقهم "...هود.

لكن اسمح لى أن اختلف معاك فى نقاط.
نحن نعبد الله لكن نعلم فى أى جهة هو فهو فى السماء ، و اعرف ذاته بما نسبه إلى نفسه من صفات دون أن أكيفها أو أشبهها أو أعطلها.
كذلك حين يخبرنى احد أن الشمس تأتى من المشرق فلن أعارضه فهذه الملاحظة ليست بشرية ، و لدى هذه الحقيقة الجلية من محاجاة أبينا إبراهيم للنمرود.
تقبل مداخلتى المتواضعة :)

WINNER يقول...



محمد عطية.
أهلاً بيك. و أرجو فعلاً ما تكونش زيارتك الأخيرة.

اسمحلي بالتعقيب على النقط اللي اختلفت فيها معايا يمكن أقدر أوضّح وجهة نظري أكتر.

أنا مابقولش إننا مانعرفش ربنا و لا نؤمن بوجوده. بقول العلم المجرّد القاصر هو اللي لا يعترف بوجود إله. و طبعاً أنا مش من أنصار هذا العلم.

و ربنا مش في السماء، الله موجود في أي مكان و كل مكان و مفيش جهة محددة لوجوده، و النبي (صلى الله عليه و سلم) نهى عن النظر إلى السماء عند الدعاء لأننا بكدة بنحدد جهة وجود الله و ندّعي إنه في هذه الجهة و ده غير صحيح. و ممكن تبحث في المعلومة دي و تسأل حد متخصص أكتر منّي عشان يأكدلك الفكرة دي.

فكرة الشمس من المشرق و لا لأ المقصود بيها إننا مانقدرش نجذم بشئ. جهة ظهور الشمس اسمها المشرق لأن الشمس بتشرق منها. لكن العلم بيحدد محور للأرض و محور للدوران و زاوية ميل و اختلاف مواقيت، مفيش حاجة واحدة ثابتة. أنا ماشي تبع إن الشمس بتشرق من المشرق، لكن الله أعلم.

قصة سيدنا إبراهيم و النمرود ملهاش علاقة بالموضوع هنا. سيدنا إبراهيم مكنش بيسأل على مكان ظهور الشمس و لا بيحدد جهة ظهورها، و إنما كان بيتحدى النمرود إنه يغير جهة الظهور. زي ما تطلب من شخص إنه يشيل جبل، طلب تعجيزي يعني.

شكراً ليك و لتعليقك و ملاحظاتك و أرجو تواظب على الزيارة و إبداء الرأي.

Shaimaa يقول...

والله كلامك ده يا أستاذ أحمد بيظهر ابداع الخالق عز وجل
الشمس فى بعض المناطق 6 شهور.. وعندنا كل يوم... ووقت ما نكون احنا ليل .. تكون ناس تانية نهار.. ده فى حد ذاته ابداع الخالق ودليل وحدانيته... وممكن كمان يكون ربنا قسمها كدة عشان (ديمومة ذكر الله)

حاجة تانية فى آيه بتقول "وما أوتيتم من العلم الا قليلا" فى حاجات فى القرآن لحد دلوقتى محدش وصلهاأو يمكن وصلوا لواحد على مليون منها ولسه مازالو بيعملوا أبحاث قدامها سنوات لحد ما يوصلوا ليها

زى بالظبط كل يوم يطلعوا أبحاث عن فايدة القهوة والشيكولاتة .ده مثلا... تانى يوم يقولوا لأ.. دى بتعلى الضغط وبتعمل وبتعمل...وهكذا

WINNER يقول...



شيماء.
مرحب بيكي.
البني آدم ده متفرعن ع الفاضي.
جاهل و ضعيف و مغرور على إيه مش عارف.

الدراسات اللي قريتها عن القهوة لحد دلوقتي بتقول إنها كويسة و مفيدة.
أنا بشرب القهوة زي المية.

محمد عطية يقول...

د.أحمد أرجو الاطلاع على هذا من فضلك :)
الله فى السماء مستو على عرشه بائن من خلقه
http://www.saaid.net/bahoth/30.htm

WINNER يقول...



محمد عطية.
شكراً لاهتمامك و اللينك.
أنا ماقريتش الموضوع كله.
لكن من اللي قريته إن المقصود بالسماء هي العلو و السمو، و بالتالي مفيش اختلاف.
اللي أقصده - و اعتقد إني وضحته - إننا ما ينفعش نحدد جهة محدة لوجود الله. و ده واضح في كلام الله (إينما تولوا فثم وجه الله).
و اللينك الكلام اللي فيها بيقول كدة إننا ما ينفعش نحيز و نحدد جهة معينة و نقول أن الله في هذه الجهة.

أرجو تكون وجهة نظري وضحت أكتر.
مفيش اختلاف في كلامي و الكلام الي موجود في اللينك.

emad يقول...

كلامك كله جميل يا وينر ورائع
ودايما بستمتع بكتاباتك فعلا

بس انا شايف ان التعبير خانك في ردك على (محمد ) بان الله موجود في اي مكان وفي كل مكان.
الكلام الاول بتاعك عن عدم تحديد الحيز والاحاطة كلام صحيح
ولكن موضوع في كل مكان واي مكان دا يحتمل معانى فاسدة لا تقصدها قطعا
يعنى اي مكان وكل مكان دا قد يكون الحمام والمزبلة ومراعى الخنازير وغيرها وطبعا انت (واي قائل للعبارة دى عموما ) لا يقصد المعانى دى اطلاقا
وعلشان كدة لازم ننتبه الى فساد لوازم هذي العبارة

حاجة تانية : النهى عن رفع البصر الى السماء دا في الصلاة
اما في الدعاء المطلق فمن السنة رفع البصر واليدين الى السماء

WINNER يقول...



هل هذا هو الدكتور عماد قطب؟؟
و لا عماد آخر؟

على العموم شكراً جداً.

إن الله موجود في كل مكان مش فاكر فعلاً قريتها فين و لذلك لن أحاجك بدون بينة. و طبعاً كان القصد كما يليق بعظمة الله و جلاله.

و حكاية رفع البصر في الدعاء أنا مش عارف، بس هعتبر كلامك الأصح. و بالله التوفيق.

شكراً ليك جداً.
و ما تقطعش الزيارة.

emad يقول...

ايوا يا احمد انا هو
وانا عندك هنا دايما بس مش بعلق
انا بحبك في الله يا احمد
وبدعيلك دايما ربنا يحفظك ويجنبك الذلل

WINNER يقول...



ربنا يخليك يا دكتور عماد.
أحبك الذي أحببتني فيه.
و ادعيلي ربنا يباركلك. أنا في أمسّ الحاجة لدعوة بظهر الغيب.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك