28 أبريل 2010

بـُـرَعي

 بـُرَعي 



يا ربي، لعل الرجل يكون ضالاً يبحث عن مخرج لضلاله، ليس بالضرورة يلاحقني أنا. سوف أسير بسرعة أكبر، قد أصِل لمنطقة مأهولة بالسكان، فيها أعمدة إنارة تعمل. لن أتاخر مرة أخرى خارج البيت أو أسير وحدي في مكان كهذا.

 
لقد خلقنا الله مختلفين، صوّرنا ليـبدو بعضنا جميلاً، و البعض الآخر قبيحاً. لا يعنيني كثيراً القبح و الجمال بقدر ما تجذبني الملامح المختلفة، تكون جميلة بطريقة مختلفة، و تخيفني الوجوه الضالة، الغاضبة، المتبجّحة. الأشخاص المرسومون الذين يشبهون الصور المقصوصة من المجلات يبدون لي و كأنهم ليس لهم روح، يبدون لي كصور متحركة تسير على أقدام. الأشخاص المبعثرون متعبون للنظر، هم غير مهندمين، بعضهم يبدو كالمتسولين أو المجاذيب، يشبهونني إلى حد ما، فأنا متعِبٌ للنظر، مبعثرٌ بعض الشئ !

 
الرجل يسير في الشارع بشكل طبيعي و شفته السفلى بحجم كف اليد تقريباً، تتدلى على ذقنه، و تبدو أسنان الفك السفلي بعدما ابتعدت عنها الشفة. مشهد لم أره في أي كتب الطب، و لا أعرف له تشخيصاً. هو مريض لا يمكنني لوْمه، لكنه مخيف و لا يمكن لوْمي !


لا أنكر أنني أخاف من بعض المناظر و المواقف. أنا أخاف من الكلاب، و خصوصاً الكلاب ذات البنية الجسدية القوية (كلابوفوبيا). و أتوتر قليلاً من المصاعد، خصوصاً عندما أكون فيها وحدي (أسانسيروفوبيا). لا أحب المناطق المرتفعة، و أشعر بالدوار عند تواجدي فيها لسبب أو لآخر، لا أحب النظر لأسفل من أعلى بناية، أشعر أن الحافة ستهوي بي لأسفل (ارتفاعوفوبيا) !

 
على أحد الطرق السريعة، امرأة و طفلتها تعبران الطريق في حوالي التاسعة صباحاً. سيارة ملاكي (سوزوكي سويفت) تسير مسرعة لتصدم الفتاة و تقذفها لارتفاع أكثر من مترين ف الهواء، و تنقلها لمسافة أكثر من 15 متر بطول الشارع. تسقط الفتاة ميتة في الحال. لم أفعل أي شئ سوى أنني أدرتُ وجهي للجهة الأخرى. لم أتمكن من المشاهدة. فقط رأيتُ الثانيتين اللتين وقعت الحادثة فيهما. مشهد الأم تقف في ذهول لحظي لا تدري هل تصرخ أم تبكي أم تحمل طفلتها الملقاة على الأسفلت. تفيق بعد ذلك لتبدأ في صراخ و بكاء غير متزن، لم تفِق بعد. يحمل بعض المارة الطفلة و هم متأكدون أنها ميتة، لكنهم يحملونها إلى المستشفى على أي حال. هذه الحادثة وقعت منذ ما يقرب من 10 سنوات لكني لا زلتُ أتذكر وقت الحادثة، و نوع السيارة، و التفاصيل التي لم تستغرق أكثر من ثانيتين.

 
في زيارة لأحد المستشفيات منذ زمن بعيد حين كنتُ طفلاً، كنتُ برفقة والديّ لزيارة شخص ما لا أذكره. حالة طارئة تدخل أمامي، رجل على سرير يدفعه بعض الأشخاص، يتأوّه في ضعف، الدم يغطي وجهه و جسده، حادث طريق من تلك الحوادث التي نسمع عنها و يروح ضحيتها عدد من الأشخاص. أن تسمع شئ و أن ترى بعينيك شئ آخر. بقيت هذه الصورة مطبوعة في ذهني حتى الآن. لا يجب أن تصحبوا أطفالكم إلى المستشفيات أو القبور. هذا هو الوقت الذي تعمل الذاكرة فيه بكفاءة فلا تحمّلوها بكل هذا الكم من الفزع و الخوف. هذا يضرهم و لا ينفعهم.

 
في الوقت الذي أنسى فيه الكثير أكتشف أنني كنتُ أكثر كفاءة فيما مضى. كنتُ أكثر اهتماماً بنفسي و بالأشخاص و بما يدور حولي. ربما هذه هي علامات الشيخوخة المبكرة، أو أنه التطور الطبيعي لقدراتنا العقلية التي تتجه تدريجياً نحو الضعف.

 
بالمناسبة، أنا لا أعرف أحداً يُدعى بُرَعي.




أحــمـد فــايـز


27 أبريل 2010

الصراع الأزلي

الصراع الأزلي



الصراع الأزلي بينه و بينها.

يفرض قوته، فتفرض قوتها.

يرفع صوته، فترفع صوتها.

يتشاجران لأتفه الأسباب، و يسعى كل منهما للظفر بانتصار ساحق على شريكه، و ينتشى المنتصر بنصره المزعوم.

كأنها حلبة مصارعة يسعى فيها كل منهما لإثبات أنه الأحق بالسُلطة و السيطرة.

نزال لفرض الكلمة و بسط النفوذ.


الدعاية الكاذبة المخادعة.

إذا وجدتَ رجلاً يبنى سداً ليوقف همجية النهر، احرق قشة في بيته، سينشغل بإطفاء النار عن بناء السد، و عندما يفرغ من إطفاء النار سيكون النهر قد أغرق كل شئ.

لقد أغرقونا بالفعل في مشاكل وهمية و ها هم يتفرجون علينا و يضحكون.

متى نشعر بسخونة الصفعة التي تلقيناها على (قفانا) !




أحــمـد فــايـز

24 أبريل 2010

العُمْرُ المسجونُ

العُـمْـرُ المسجـون

 
يا عمرَنا المسجونَ ضاعَتْ ملامحُـنـا
 
بينَ السين ِ التي من بعدها
 
تأتي حروفُ الجيم ِ و النون ِ
 
ضاعَتْ ملامحُـنا فما عادَتْ ستعرفــُـنـا
 
طفلاتـُـنا حينَ الرجوع ِ بعمرِنا المرهون ِ
 
و تبقى يا وطنَ الطفولةِ كما تركتـُـكَ
 
بكلِّ ما فيكَ شامخـاً نـُصْبَ العـيون ِ
 
بالآفاق ِ و الجدران ِ و أحلام ِ الصبا
 
و صورة ِ الطرقاتِ برملـِـها الملعون ِ
 
لسنا تائهينَ و إنـّما ملــّـتْ أقدامُـنـا
 
من الركض ِ عريانينَ مدفوعينَ بجنون ِ
 
ملــّـتْ ملامحُـنا اصطناع َ البسمةِ
 
لنواري عن أطفالـِـنا موتَ الملايين ِ
 
ملــّـتْ كلماتـُـنا الخرساءُ خوفَ الناس ِ
 
ملــّـتْ من الصمتِ الطويل ِ و القوانين ِ
 
..
 
يا عمرَنا المسجونَ ضاعَتْ أماكنـُـنـا
 
ما عادَ ركـنٌ في البلاد ِ يـؤويـنـي
 
ضاعَتْ معالمُـنا من فرط ِ قسوتِـها
 
و عُـدتُ أبحثُ بعدها عن أصل ِ تكويني
 
عن صور ٍ في بيوتٍ كنتُ أسكنـُها
 
و عن أصواتٍ كنتُ أعرفها
 
و وجوه ٍ من تخاميني
 
و أرجعُ حاملا ً ذاتي على كـتـفـي
 
و ألقيها بما فيها طعامـاً للمساكين ِ
 
و أحملُ عظمـَها البـاقي لأطحنـَـهُ
 
و أوصي بمعظمِهِ لعُـمّـال ِ الطواحين ِ
 
و أنـثـرُ ما بـقـى منه على الدنـيـا
 
فينبتُ لحمُـنا الصافي من الطين ِ
 
..
 
يا عمرَنا المسجونَ ضاعَتْ أمانـيـنـا
 
و ضاع َ منها ما كان يـعـنـيـنـي
 
بقيَ الكلابُ مرابضونَ فوقَ مسرحِـنـا
 
يمثــّـلونَ كابوساً طوالَ اليوم ِ يشقيني
 
قتيلا ً فوقَ أرض ِ الناس ِ مستلق ٍ
 
و تـأتي نسمة ٌ أولـى فتحـيـيـنـي
 
أقـاومُ مـلامـحَ الـطـغـيـان ِ عامين ِ
 
فتهزمُـني و من شرّها المسموم ِ تسقيني
 
أموتُ حُـرّاً و لا أموتُ مـطـأطـأ ً
 
فالـموتُ حتمـاً و بأيِّ حـال ٍ سيأتـيـنـي
 
..



أحــمـد فــايـز

22 أبريل 2010

التعـوّد

التعـوّد




لا يمكنكَ أن تشعر بجمال المرأة إن لم تكن مهتمّـاً بها، فالشخص الذي لا يهتم بالنجوم لن يقضي الليل يتأمل بريقها.

لا يمكنكَ أن تشعر بوجود المرأة إن كانت معكَ باستمرار، و تعوّدت على وجودها. فأنت لا تشعر بالنظارة على وجهكَ، و لا بالساعة في يدكَ إذا تعودتَ على وجودهما.

الابتعاد عن الأماكن و الأشخاص يشعركَ بالحنين و الاشتياق، بينما التعوّد يفقدكَ القدرة على الشعور.

في الحقيقة، يُعتبر التعوّد بمثابة الإهانة للأشخاص المقربين لدينا، فهم لن يتقبلوا فكرة أننا فقط تعوّدنا على وجودهم في حياتنا. أن تـُبقي على وجود شخص في إطار حياتكَ لمجرد أنـّك تعوّدت على وجوده أمر غير مقبول لكثير من الأشخاص. البشر يرغبون في وجود ارتباطات أقوى من مجرّد التعوّد.


جدد علاقتكَ بالأشخاص و الأشياء.




أحــمـد فــايـز

21 أبريل 2010

استعراض الـقـوة

 استعراض الـقـوة 




أصبح الناس ينتظرون منكَ الإشارة ليبدأوا في استعراض قوتهم أمامكَ.

مجرد أن تـُظهر ما يدل على ضعفكَ، لا يتوانون عن لعب دور القوي.

قد يعتبرون صمتكَ ضعف، و صبركَ ضعف، و ابتسامتكَ ضعف.

يحتاجون منكَ أن تـُظهر لهم صوتكَ المرتفع، و نبرتكَ الحادة، و وجهكَ المتجهـّـم الشرس، و لا مانع من سلاح تخيفهم به. عندها ستجد من يحترمكَ و يتوقف عن أذيتكَ رغماً عن أنفه.

الناس لا يفهمون أنكَ تستطيع أن تكون وقحاً، لكنكَ لا ترغب في ذلك.



أحــمـد فــايـز

16 أبريل 2010

أخطاءنا الصغيرة


 أخطاءنا الصغيرة 


إنها الثانية ظهراً. الساعة الثالثة تأبى استقبال أقصر عقارب الساعة. إنها الساعة التي تمتد لأكثر من ساعة.


منذ فترة ليست بالبعيدة كنتُ أعتقد أنّ الوقت واحد، الساعة من النهار هي نفسها ساعة الليل، والساعة في مصر تشبه تلك التي في فرنسا. لم أكن أفكر أبداً في الساعات التي تطول وتقصر. عقارب الساعة لا تعترف بأي شئ مما يدور في عقلي، إنها تدور بميكانيكية ثابتة لتنقل العقارب في حركة دائرية منتظمة من أمام رقم إلى الرقم الذي يليه. الوقت غير ثابت على الإطلاق، وهذه حقيقة إن لم يعترف بها العلم فلا أكترث، فأنا أعترف بها.


إنها الثانية ظهراً. الساعة الثالثة تأبى استقبال أقصر عقارب الساعة. إنها الساعة التي تمتد لأكثر من ساعة.


يحضر أبي إلى الغرفة يحمل حقيبة بلاستيكية سوداء، يبدأ في فتحها بسعادة، وعلى وجهه ابتسامة أحبها من هذا الرجل. أذكر هذه الابتسامة على وجهه، أراها كثيراً، وكنتُ أراها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً كما هي الآن، وهو قادم من العمل أو من سفر يحمل في يده حقيبة بها فاكهة أو حلوى أو أي شئ من الممكن أن يحبه الأطفال، كان هذا منذ زمن. يدخل الآن عليّ ويُخرج من هذه الحقيبة ثلاث موزات ويضعها أمامي على المكتب. الأهل يستمتعون حين يروننا لا زلنا صغارهم على الرغم من تقدمنا في السن. يَخرج ليوزّع الفاكهة على باقي أخوتي، ويوزع عليهم مع الفاكهة بسمة لطيفة وشعور بالرضا بأنه لا يزال يطعم صغاره. أتناول الموز بسعادة ونهم، ولا أنكر أنني من عشاق الموز، وللأسف ينتهي سريعاً كعادة الأشياء التي نحبها. أعود مجدداً لمتابعة فيلم وثائقي من انتاج شبكة الـ(بي بي سي) ضمن سلسلة اسمها (أحداث الطبيعة العظيمة) والحلقة بعنوان (رحلة السلمون العظيمة).


إنها الثانية ظهراً. الساعة الثالثة تأبى استقبال أقصر عقارب الساعة. إنها الساعة التي تمتد لأكثر من ساعة.



الأخطاء الكبيرة تكون عادة ً واضحة ً جداً بحيث أننا لا نحتاج من ينبهنا إليها. تكون جلية ً بحيث أننا لا نملك إلا أن نعترف بها. البعض لا يرون أخطاءهم الكبيرة ولا يعترفون بها وأولائك هم أكبر الحمقى.


الأخطاء الصغيرة هي الأسوأ لأننا قد نرتكبها دون أن نشعر بها.

أخرج صباحاً من المنزل دون أن أخبر أمي أنني قد خرجت. لا تحظى هي بالفرصة لتقول لي (ربنا يسهّـل طريقك) وهذا شئ يزعجها. أعود إلى المنزل متعباً فأتجه إلى غرفتي لأنام دون أن أخبرها أنني حضرتُ لتقوم كعادتها بتجهيز طعام الغذاء. تظل هي منتظرة قدومي ولا تدري أنني أتيتُ بالفعل وأغط في النوم بغرفتي. عندما تكتشف ذلك تشعر بانزعاج لأنها تعلم أنني نمتُ دون أن أتناول الطعام. هي تحب أن تراني آكل باستمرار. يجب أن أنهي الطعام الذي أمامي حتى وإن كان كيلو أرز ونصف كيلو مكرونة. هكذا سأنمو جيداً وأصبح شاباً صحيحاً!


الأخطاء الصغيرة قد تكون مؤلمة جداً و نحن لا ندري. ولأننا لا نشعر بها فلا نحظى بالفرصة لتعويض الأشخاص الذين أخطأنا في حقهم، ولا ندرك الوقت المناسب للاعتذار.

كان يجب أن أقبل منها هدية عيد ميلادي. عدم قبولي هديتها بحجة أنني لم أحتفل بعيد ميلادي هذا العام يشعرها بأنّ هديتها ليست جميلة وليست قـيّمة بشكلٍ كافٍ. تبدأ في البكاء بشكل غريب -من وجهة نظري- لا يتناسب إطلاقاً مع الموقف. الكلمات قد تبدو بسيطة وقليلة لكن تأثيرها قد يكون هائلاً. حاول غرس إبرة صغيرة في قلب شخص، هذه الإبرة الصغيرة ستقضي عليه في الحال.


الأخطاء الصغيرة تتراكم.

الصخور الرسوبية هي نوع من الصخور تتكون نتيجة ترسّب حبيبات رملية صغيرة. مع مرور الوقت تتكدس هذه الحبيبات وتلتصق ببعضها وتكوّن صخرة كبيرة. حبيبة الرمل إن سقطتْ عليك فلن تشعر بها ولكن يمكن لصخرة رسوبية تتكون من ملايين حبيبات الرمل أن تقتلكَ!


يمكن تحمّل الأخطاء الصغيرة لبعض الوقت، لكن بتكرارها تتجمع وتصبح حِملاً ثقيلاً.

لم أكن ألاحظ أنها تهتم كثيراً لعدم إلقائي التحية عليها وأنا في طريقي إلى العمل. ليست علاقتنا وثيقة للدرجة التي تجعلها تهتم بتفصيلة صغيرة كهذه. نحن فقط زملاء عمل. وأخيراً في مصعد واحد.

"لماذا تتعمد فعل هذا بي!".

"ماذا؟!".

"هل تستمتع برؤيتي كل يوم وأنتَ تمر أمامي دون حتى أن تلقي التحية!".

"أنا لم أقصد...".

"لم تقصد ماذا؟! لم تقصد أن تكون فظاً معي لهذه الدرجة؟! أم لم تقصد أن تتجاهلني طوال هذه الفترة؟!".

"أنا...".

"هل يمكن حقاً أن تكون عديم الشعور والذوق لهذه الدرجة! لقد أمهلتكَ عاماً كاملاً حتى تغيّر هذه الطريقة، عاماً كاملاً وأنا أنتظركَ بكل الصبر الذي أمتلكه، أنتظر أن تقول فقط (صباح الخير)، حتى صباح الخير لم تستطع أن تنطقها. ألا تستطيع التعامل بلطف! لا أطلب أكثر من معاملة لطيفة، أنا حقاً أندم على كل دقيقة انتظرتُ فيها رجلاً مثلكَ".



الأخطاء الصغيرة أول طريق الأخطاء الكبيرة.

"هل يمكن أن تسجل اسمي في الغياب؟".
"هل يمكن أن تخبرهم أنني كنتُ معكَ بالأمس؟".
"هل يمكن أن تشهد في المحكمة أنني قضيتُ الليلة الماضية برفقتكَ في أحد المقاهي؟".

واحتمال اختلاط واجتماع أنواع الأخطاء الصغيرة وارد جداً. فالكذبة البسيطة يمكن أن ترتبط بخدعة لطيفة وقد تؤدي إلى مقلب ظريف. ويمكن لدفعة بسيطة أن تسبب ألماً طفيفاً ويتحول الأمر لمزحة.


الأخطاء الصغيرة يسهل التعوّد عليها، ويمكن عندها أن نصبح مدمنين على أخطاءنا الصغيرة.

اعتدتُ منذ حوالي الخمس سنوات أن ألقي النكات. يمكن السخرية من أي شخص فقط من أجل المزاح وإثارة الضحك. أتحوّل مع مرور الوقت إلى مهرج لطيف يحب الناس التجمّع حوله لسماع نكاته المضحكة. ويمكن أن أقدم لهم فقرة (عجين الفلاحة). إنها سخافة التعوّد على أمر يعتبره الكثيرون أمراً عادياً ويعتبره قليلون أمراً تافهاً لا طائل منه.

نعتاد على الكذب، سرقة الأقلام، تخريب المقاعد، الكتابة على الجدران، المزاح الكثير، الألفاظ البذيئة، متابعة الدراما ذات الفكر الفاسد، تناول الطعام السريع عديم الفائدة، تجاهل الأشخاص الذين يهتمّون لأمرنا، معاملة الناس بطريقة سيئة، ترك أمور نعتبرها بسيطة في عقائدنا. ونعتاد على شخصياتنا لدرجة تمنعنا من رؤية حقيقة كوننا أشخاصاً صالحين أم فاسدين.

قد نكتشف بعد مرور سنوات أنّ ما كنا نفعله أمراً خاطئاً. لا يفيد الندم على التدخين الذي سبّب سرطان الحنجرة. لقد فات الوقت.


أخطاءنا الصغيرة هي الفارق الحقيقي بين الأشخاص. فمرتكبي الأخطاء الكبيرة تفضحهم أخطاءهم، وكما تفضحهم فهي تنبههم وتنبهنا، لكن الأخطاء الصغيرة هي التحدّي الفعلي لقدرتنا على التمييز بين الخطأ والصواب، وتوضّح مدى مصداقيتنا في طرح الأسئلة على أنفسنا والإجابة عليها دون تحيّز لذواتنا. نحن قد نغفل عن أخطاءنا لأننا نعتقد أننا على صواب، ونستمر في فعل هذه الأخطاء لأننا لا نعتبرها شيئاً خاطئاً في الوقت الذي نرتكبها فيه. الأشخاص الذين يرتكبون الأخطاء ويكررونها وهُم على علم بأنهم مخطئين هم حقـاً أشخاص سيئين.



(من يستطيع إدراك أخطاءه الصغيرة وتدارُكها في الوقت المناسب فقد أمسك حقاً بزمام الأمور).



أحمد فايز



08 أبريل 2010

سوق الحياة

 سوق الحياة 



عارفة إية الفرق بين ولاد الفقرا و ولاد الأغنيا ؟

إن ولاد الأغنيا بيتولدوا في التكييف
بيبقوا عاملين زي الأكـلة الباردة
إنما ولاد الفقرا بيتولدوا في حر الدنيا
و يفضل الفقر مولـّع حياتهم
و عشان كدة بيستووا بسرعة

ولاد الأغنيا بيروحو مدارس لغات
و يروحو النادي عشان يلعبوا رياضة
سباحة و تنس
إنما ولاد الفقرا بيتعلموا في الشارع
بيتعلموا يعيشوا
بيتعلموا الدفاع عن النفس في الخناقات كل يوم
بيتعلموا نط الحواجز عشان يعدّوا من مطبات الشوارع و حفرها و هم مروّحين بيوتهم
و بيتعلموا الجري ورا الأوتوبيسات

ولاد الأغنيا معندهمش مشكلة يشيلوا فلوس زيادة في جيبهم للظروف
ممكن يدفعوا فلوس أكتر من المطلوب في حاجة عجبتهم
ولاد الفقرا أصلا ً بيخرجوا بفلوس ماتقضيش الحاجة اللي هم عاوزينها، و يقولوا يارب تحصل معجزة و الظروف تتغير و نقدر نجيب الشئ اللي محتاجينه عشان نعيش بس مش عشان نستمتع بالحياة
و ممكن الواحد فيهم يفضل يفاصل ساعة في حاجة بجنية عشان ياخدها بتسعين قرش!
ولاد الأغنيا دول نوع من الناس و ولاد الفقرا نوع تاني
ما ينفعش يتلموا على بعض
عاملين زي الزيت و المية
ولاد الأغنيا زي الميه المعدنية
و ولاد الفقرا زي زيت أكلهم اللي في الأساس هو زيت عربيات مستهلك
كل عقل بيتكوّن على أساس
و الأساسات المختلفة بتطلع عقول مختلفة
اللي ممكن تشوفيه ضروري ممكن بالنسبالي يبقى رفاهية
و اللي تشوفيه ملوش لازمة و ما يستحقش ممكن بالنسبالي يبقى مهم جداً
حتى لو اتقابلنا في يوم صدفة في طريق مش هقدر أعمل حاجة غير إني أقف على جنب و اوسعلك السكة

عارفة مشكلتنا إية ؟
مشكلتنا إني ابن فقرا و إنك بنت أغنيا
و بتسأليني ليه خايف من الارتباط !





أحــمـد فــايــز


04 أبريل 2010

أهل القلم





كيف يمكننا الكتابة ونحن نخشى المعتقل!

الناس يشعرون، ومن بين هؤلاء الناس أشخاص تصادف أنهم يستطيعون كتابة ما يشعرون به، يمكنهم وصف الأحوال ونقل الشعور وإبداء الرأي بطريقة لا يحسنها باقي الناس. الناس مختلفون، سبب شهرة بيكاسو وموتزارت وشكسبير وآينشتين أنهم مختلفون عن باقي الناس، يملكون شيئاً لا يملكه الباقون، إنها الموهبة أو العقل أو الخيال أو أيّاً كانت تسميته، لا يمكن للبقية أن يفعلوا ما فعلوا، ليس هناك تبادل للأدوار، إنه شخص معين يفعل شيئاً محدداً.


الناس يخافون، كيف يمكن لشخص أن يعمل وهو خائف! فما بالكم إن أراد أن يُبدع! الخوف يقتل الإبداع. على مر التاريخ ظهر أشخاص من نوعية فريدة من البشر، أشخاص لا يتملكهم الخوف عندما يسيطر الخوف على كل شئ، لا يهمهم الألم، يمكنهم تحمل المزيد والمزيد، والمقاومة، والخروج واقفين على الأقدام، دون أن يقتحم الخوف قلوبهم المنيعة. إنهم فئة قليلة جداً، إنهم نادرون، لكنهم يستطيعون تغيير العالم. هناك دوماً مخاطر تحيط بكل شخص وبكل مهنة، وعندما تكون مهنتك مساندة الحق وإظهار الحقيقة فبالتأكيد سيقف أعوان الباطل في وجهك وسيحاولون بكل الطرق أن يسقطوك أرضاً، والمشكلة الحقيقية هي عندما يكون أهل الباطل والظلم هم المتحكمون في كل شئ، هم من يملكون القوة والسلطة. لم تُنشأ المقاصل إلا لقطع رقاب المناضلين والمدافعين عن الحق والحرية.


أهل القلم وأنصار الحق هم المقاتلون في ميادين الورق، هم الذين يطلقون قذائف الحق على أهل الباطل، يقتحمون حصون الظلم والفساد، يخاطرون براحتهم وحريتهم وكرامتهم وحياتهم في سبيل إحقاق الحق وإظهار الحقيقة. هؤلاء لابد أن يكونوا هدفاً لقوات الطغيان وسلطات الظلم، لأنهم يفتحون النار عليهم ويكشفون مساوئهم ويفضحون شرورهم. ولذلك تبقى هناك معادلة صعبة جداً؛ إذا أردت أن تنصر الحق فأنت في مواجهة مباشرة مع أهل الباطل وهم ليسوا ضعافاً بل هم على قدر كبير من القوة، وهناك احتمال قد يكون كبيراً أو صغيراً أن تتعرض للإهانة والتضييق وسلب حريتك بل وسلب حياتك إن لزم الأمر، هذه هي القوانين السائدة، وعليك أن تقبل أو ترفض، يمكنك العودة لصفوف الشعب الخاضع، تكسر قلمك وتمزق أوراقك وتقطع أصابعك وتحطم فاهك وتجلس منتظراً من ينقذك، وفي الحقيقة ستُداس بالحذاء في كل الأحوال.


من الصعب الوصول لهذه المرحلة ثم التراجع، نحن قريبون جداً من خطوط النار، والرصاص الطائش لا يهتم بأي شئ، هناك دائماً الحجة القوية لقتل القتيل والمشي في جنازته! بعد ما وصلت إليه الصحافة والكتابة في بلادنا لا يمكنها أن تتراجع الآن، لابد من التقدم ومواصلة السير بثبات.


السادة المدوّنون، الجيل الجديد من كتّاب مصر ومفكريها، إنهم يقفون على منبر جديد يدعم منابر الكلمة في الوطن، طريقهم ليس معبّداً ولن تكون أيامهم وردية، لن ينصروا الحق ويكونون بمنأى عن بطش أهل الباطل، إنه دورهم لإكمال المسيرة الشاقة.


لا يمكن رؤية الظلم والسكوت عنه، لا يمكن ألا نشير إلى الخطأ ونقول هذا خطأ بيّن، لا يمكن التصفيق للفساد والقبول بتكبيل الأقلام الحرة وإلقاءها في معتقل مظلم. سيتسلل الحق من خلف القضبان والجدران، هناك دوماً بذور ستنبت لتحافظ على السلالة القيّمة لأهل القلم وأنصار الحق.


(أنا ضد تكبيل الحريات وإهدار حقوق الإنسان واعتقال الكتّاب والمدوّنين)






أحمد فايز





02 أبريل 2010

الأخطاء نفسها تتكرر

  الأخطاء نفسها تتكرر 

 
في طريقي إلى المسجد لأداء صلاة العشاء، في الطريق الذي تصادف أن يكون مظلماً هذه الليلة، لمحت ثلاثة صبية على بعد أمتار قليلة من المسجد، يمكن أن أطلق عليهم أطفالاً حيث أن أعمارهم لا تتجاوز الخامسة عشر. رأيت ضوءاً أحمرَ يبين و يخبو، كل واحد منهم يوجد أمام وجهه الغير واضح الملامح في هذا الظلام بقعة حمراء صغيرة متوهجة، يزداد توهجها بين الحين و الآخر. كانوا يدخنون السجائر.

 
شعرت بضيق شديد، و كان أول تفكير جاء إلى رأسي أن أذهب إليهم و أوبخهم أشد التوبيخ، أو حتى أضربهم، يجب أن أقول لهم : " هل هذا يصنع منكم رجالاً ! ألا تعرفون مخاطر التدخين ؟ ". لكن تذكرت نفسي عندما كنت في مثل عمرهم. إنها الأخطاء تتكرر، الأخطاء نفسها تتكرر مرة أخرى لكن باختلاف الأشخاص. أتذكر أخي الأصغر ذا الطبع المتمرد الذي جدّ عليه منذ بلغ عامه العاشر، أو قبل ذلك بقليل. إنهم يتصرفون بغرابة شديدة، أفعالهم مليئة بالحماقة و غير مسؤلة أو مبررة، و كذلك كنا.

 
كلما تذكرتُ هذه الفترة من حياتي أشعر كم كنتُ غبياً، أعتذر إلى نفسي عمّا بدر منـّي في حقها، و في حق كل من حولي. الكثير من الأخطاء المرتكبة التي تفتقر إلى المسؤلية، القليل من التفكير. التشوش الكبير، التقلب المستمر، و الاضطراب المتزايد. حالة من عدم الثبات. لا أدّعي أننا عندما نكبر نصبح عقلاء أو رزينين، لكننا نصبح أعقل و أكثر خبرة و فهم، فهكذا تعلمنا الأيام. نحن نترك الأخطاء الساذجة الطفولية أو المراهِقة لنرتكب أخطاء أخرى ناضجة.

 
من أكثر الأشياء التي تضايقني هي رؤيتي أخي الأصغر يقترف نفس الأخطاء التي كنتُ أقترفها في الماضي، نفس العثرات التي كنتُ أتعثر بها، و نفس التخبط و الحيرة. أهرع إليه أحاول أن أمد يدي بالمساعدة، لكنه - و بنفس طريقتي السابقة - يرفض كل يد تمتد إليه، و يفعل في النهاية ما يحلو له. هو لا يفهم. أحزن بشدة، لا يمكنني فعل شئ للمساعدة، فقط أتفرّج. أراه يضيّع وقته في اللعب، يهدر الساعات و الأيام و السنوات في لا شئ، و أتذكر ما كنتُ أفعله، كنتُ أفعل المثل. لذلك لا يمكنني رؤية الأحداث تتكرر و أقف مكتوف اليدين دون عمل أي شئ.

 
عندما أعود بالذاكرة إلى فترة سابقة من عمري أتمنى لو أنني فعلتُ أشياءً كثيرة غير التي فعلتها، أتمنى لو كنتُ قرأتُ كثيراً في الأوقات التي ضيّعتها في لعب أحمق. أتمنى وضع حياتي في مسار قد يكون مختلفـاً عن مسارها الحالي، قد يكون أفضل. أتذكر الأخطاء التي اقترفتها، و أتمنى لو لم أقدم عليها أو أفعلها. لكن للأسف لا يمكننا تغيير أي شئ في الماضي. 



أحــمـد فــايـز



01 أبريل 2010

الحياة العادية

  الحياة العادية 


لم تعُدْ الحياة عادية كما كانت، أو أنها لم تكنْ عادية من البداية. و هنا تدور علامة استفهام فوق رأسي، تجرّ خلفها سؤالاً عويصاً؛ و كيف هي الحياة العادية ؟


احذر، لا تتسرع في الإجابة على سؤال كهذا، إنه فخ، أنتَ لا تدري ما الذي سيحدث بعد إجابتكَ، لا تدري إن كنتَ ستتوصل لنظرية جديدة عن نشأة الكون، أم ستصاب بالاكتئاب عند اكتشافك أنكَ لا تعرف أي شئ !


الاستيقاظ صباحاً، تناول الإفطار مع الأسرة، ثم الذهاب إلى العمل، قضاء الوقت المحدد في هذا العمل، ثم العودة مجدداً إلى المنزل، تحمل في إحدى يديك جريدة و في اليد الأخرى تحاول الحفاظ على توازن البطيخة. حياة عادية !


تقضي معظم نهاركَ في اليوم الدراسي المعتاد، و تقضي معظم ما بقى من اليوم بين الدراسة و النوم و تناول الطعام، و تتكرر نفس الأحداث كل يوم. حياة عادية !


متى تكون الحياة عادية ؟ ما النمط أو الطريقة أو الأسلوب الذي نعيش به لتكون حياتنا عادية ؟ هل هناك أصلاً ما يمكن تسميته بالحياة العادية !

أنا لم أجد إجابة على أسئلة كهذه، لم أتمكن من فهم كيفية سير الحياة بطريقة عادية. أعرف كيف أعيش حياتي الشخصية، و يمكنني ملاحظة كيف يعيش الناس حياتهم، لكني لم أجد تعريفـاً واضحاً لتلك الحياة القياسية أو العادية التي نستطيع بها أن نحكم على أي حياة، و يمكننا عندها أن نصنف حيوات الآخرين كعادية أو غير عادية. لقد وجدتُ أن كل حياة تعرّفت عليها كانت غير عادية، إما متعِبة بشكل كبير، أو روتينية بشكل ممل، أو أنها ناجحة بشكل مبهر. إذا وجد أحدكم نقاط تحدد تلك الحياة العادية فلا يبخل عليّ بها.


أنا أذكر كيف كانت الحياة أبسط، و أعلم جيداً أنها تزداد تعقيداً. قد يكون هذا التعقيد طبيعياً حيث أن الإنسان كلما نضح كلما زادت تعقيدات الحياة بالنسبة له، لا يمكن فعلاً العيش بعقلية طفل داخل جسد شخص بالغ. فقط أصحاب التأخر العقلي هم من يتمتعون بهذه النعمة، حيث يعيشون طفولة شبة دائمة. انظر في عينيّ طفل رضيع، و دقق النظر، لن ترى أي شئ، يمكنكَ أن ترى مخه الزجاجي الشفاف، لا يوجد شئ هناك. بمعنى أدق، لا يوجد الكثير هناك، لا يوجد الكثير من فلسفات الحياة المعقدة التي يحملها البالغون داخل رؤوسهم. يمكنني إلى حد ما تصنيف الحيوات إلى بسيطة و معقدة حسب عقلية كل شخص و تصرفاته، لكن لم أصل أبداً للدرجة التي أتمكن بها من منح أي حياة لقب (عادية). 


هل حياتك عادية ؟!



أحــمـد فــايـز


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك