16 أبريل 2010

أخطاءنا الصغيرة


 أخطاءنا الصغيرة 


إنها الثانية ظهراً. الساعة الثالثة تأبى استقبال أقصر عقارب الساعة. إنها الساعة التي تمتد لأكثر من ساعة.


منذ فترة ليست بالبعيدة كنتُ أعتقد أنّ الوقت واحد، الساعة من النهار هي نفسها ساعة الليل، والساعة في مصر تشبه تلك التي في فرنسا. لم أكن أفكر أبداً في الساعات التي تطول وتقصر. عقارب الساعة لا تعترف بأي شئ مما يدور في عقلي، إنها تدور بميكانيكية ثابتة لتنقل العقارب في حركة دائرية منتظمة من أمام رقم إلى الرقم الذي يليه. الوقت غير ثابت على الإطلاق، وهذه حقيقة إن لم يعترف بها العلم فلا أكترث، فأنا أعترف بها.


إنها الثانية ظهراً. الساعة الثالثة تأبى استقبال أقصر عقارب الساعة. إنها الساعة التي تمتد لأكثر من ساعة.


يحضر أبي إلى الغرفة يحمل حقيبة بلاستيكية سوداء، يبدأ في فتحها بسعادة، وعلى وجهه ابتسامة أحبها من هذا الرجل. أذكر هذه الابتسامة على وجهه، أراها كثيراً، وكنتُ أراها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً كما هي الآن، وهو قادم من العمل أو من سفر يحمل في يده حقيبة بها فاكهة أو حلوى أو أي شئ من الممكن أن يحبه الأطفال، كان هذا منذ زمن. يدخل الآن عليّ ويُخرج من هذه الحقيبة ثلاث موزات ويضعها أمامي على المكتب. الأهل يستمتعون حين يروننا لا زلنا صغارهم على الرغم من تقدمنا في السن. يَخرج ليوزّع الفاكهة على باقي أخوتي، ويوزع عليهم مع الفاكهة بسمة لطيفة وشعور بالرضا بأنه لا يزال يطعم صغاره. أتناول الموز بسعادة ونهم، ولا أنكر أنني من عشاق الموز، وللأسف ينتهي سريعاً كعادة الأشياء التي نحبها. أعود مجدداً لمتابعة فيلم وثائقي من انتاج شبكة الـ(بي بي سي) ضمن سلسلة اسمها (أحداث الطبيعة العظيمة) والحلقة بعنوان (رحلة السلمون العظيمة).


إنها الثانية ظهراً. الساعة الثالثة تأبى استقبال أقصر عقارب الساعة. إنها الساعة التي تمتد لأكثر من ساعة.



الأخطاء الكبيرة تكون عادة ً واضحة ً جداً بحيث أننا لا نحتاج من ينبهنا إليها. تكون جلية ً بحيث أننا لا نملك إلا أن نعترف بها. البعض لا يرون أخطاءهم الكبيرة ولا يعترفون بها وأولائك هم أكبر الحمقى.


الأخطاء الصغيرة هي الأسوأ لأننا قد نرتكبها دون أن نشعر بها.

أخرج صباحاً من المنزل دون أن أخبر أمي أنني قد خرجت. لا تحظى هي بالفرصة لتقول لي (ربنا يسهّـل طريقك) وهذا شئ يزعجها. أعود إلى المنزل متعباً فأتجه إلى غرفتي لأنام دون أن أخبرها أنني حضرتُ لتقوم كعادتها بتجهيز طعام الغذاء. تظل هي منتظرة قدومي ولا تدري أنني أتيتُ بالفعل وأغط في النوم بغرفتي. عندما تكتشف ذلك تشعر بانزعاج لأنها تعلم أنني نمتُ دون أن أتناول الطعام. هي تحب أن تراني آكل باستمرار. يجب أن أنهي الطعام الذي أمامي حتى وإن كان كيلو أرز ونصف كيلو مكرونة. هكذا سأنمو جيداً وأصبح شاباً صحيحاً!


الأخطاء الصغيرة قد تكون مؤلمة جداً و نحن لا ندري. ولأننا لا نشعر بها فلا نحظى بالفرصة لتعويض الأشخاص الذين أخطأنا في حقهم، ولا ندرك الوقت المناسب للاعتذار.

كان يجب أن أقبل منها هدية عيد ميلادي. عدم قبولي هديتها بحجة أنني لم أحتفل بعيد ميلادي هذا العام يشعرها بأنّ هديتها ليست جميلة وليست قـيّمة بشكلٍ كافٍ. تبدأ في البكاء بشكل غريب -من وجهة نظري- لا يتناسب إطلاقاً مع الموقف. الكلمات قد تبدو بسيطة وقليلة لكن تأثيرها قد يكون هائلاً. حاول غرس إبرة صغيرة في قلب شخص، هذه الإبرة الصغيرة ستقضي عليه في الحال.


الأخطاء الصغيرة تتراكم.

الصخور الرسوبية هي نوع من الصخور تتكون نتيجة ترسّب حبيبات رملية صغيرة. مع مرور الوقت تتكدس هذه الحبيبات وتلتصق ببعضها وتكوّن صخرة كبيرة. حبيبة الرمل إن سقطتْ عليك فلن تشعر بها ولكن يمكن لصخرة رسوبية تتكون من ملايين حبيبات الرمل أن تقتلكَ!


يمكن تحمّل الأخطاء الصغيرة لبعض الوقت، لكن بتكرارها تتجمع وتصبح حِملاً ثقيلاً.

لم أكن ألاحظ أنها تهتم كثيراً لعدم إلقائي التحية عليها وأنا في طريقي إلى العمل. ليست علاقتنا وثيقة للدرجة التي تجعلها تهتم بتفصيلة صغيرة كهذه. نحن فقط زملاء عمل. وأخيراً في مصعد واحد.

"لماذا تتعمد فعل هذا بي!".

"ماذا؟!".

"هل تستمتع برؤيتي كل يوم وأنتَ تمر أمامي دون حتى أن تلقي التحية!".

"أنا لم أقصد...".

"لم تقصد ماذا؟! لم تقصد أن تكون فظاً معي لهذه الدرجة؟! أم لم تقصد أن تتجاهلني طوال هذه الفترة؟!".

"أنا...".

"هل يمكن حقاً أن تكون عديم الشعور والذوق لهذه الدرجة! لقد أمهلتكَ عاماً كاملاً حتى تغيّر هذه الطريقة، عاماً كاملاً وأنا أنتظركَ بكل الصبر الذي أمتلكه، أنتظر أن تقول فقط (صباح الخير)، حتى صباح الخير لم تستطع أن تنطقها. ألا تستطيع التعامل بلطف! لا أطلب أكثر من معاملة لطيفة، أنا حقاً أندم على كل دقيقة انتظرتُ فيها رجلاً مثلكَ".



الأخطاء الصغيرة أول طريق الأخطاء الكبيرة.

"هل يمكن أن تسجل اسمي في الغياب؟".
"هل يمكن أن تخبرهم أنني كنتُ معكَ بالأمس؟".
"هل يمكن أن تشهد في المحكمة أنني قضيتُ الليلة الماضية برفقتكَ في أحد المقاهي؟".

واحتمال اختلاط واجتماع أنواع الأخطاء الصغيرة وارد جداً. فالكذبة البسيطة يمكن أن ترتبط بخدعة لطيفة وقد تؤدي إلى مقلب ظريف. ويمكن لدفعة بسيطة أن تسبب ألماً طفيفاً ويتحول الأمر لمزحة.


الأخطاء الصغيرة يسهل التعوّد عليها، ويمكن عندها أن نصبح مدمنين على أخطاءنا الصغيرة.

اعتدتُ منذ حوالي الخمس سنوات أن ألقي النكات. يمكن السخرية من أي شخص فقط من أجل المزاح وإثارة الضحك. أتحوّل مع مرور الوقت إلى مهرج لطيف يحب الناس التجمّع حوله لسماع نكاته المضحكة. ويمكن أن أقدم لهم فقرة (عجين الفلاحة). إنها سخافة التعوّد على أمر يعتبره الكثيرون أمراً عادياً ويعتبره قليلون أمراً تافهاً لا طائل منه.

نعتاد على الكذب، سرقة الأقلام، تخريب المقاعد، الكتابة على الجدران، المزاح الكثير، الألفاظ البذيئة، متابعة الدراما ذات الفكر الفاسد، تناول الطعام السريع عديم الفائدة، تجاهل الأشخاص الذين يهتمّون لأمرنا، معاملة الناس بطريقة سيئة، ترك أمور نعتبرها بسيطة في عقائدنا. ونعتاد على شخصياتنا لدرجة تمنعنا من رؤية حقيقة كوننا أشخاصاً صالحين أم فاسدين.

قد نكتشف بعد مرور سنوات أنّ ما كنا نفعله أمراً خاطئاً. لا يفيد الندم على التدخين الذي سبّب سرطان الحنجرة. لقد فات الوقت.


أخطاءنا الصغيرة هي الفارق الحقيقي بين الأشخاص. فمرتكبي الأخطاء الكبيرة تفضحهم أخطاءهم، وكما تفضحهم فهي تنبههم وتنبهنا، لكن الأخطاء الصغيرة هي التحدّي الفعلي لقدرتنا على التمييز بين الخطأ والصواب، وتوضّح مدى مصداقيتنا في طرح الأسئلة على أنفسنا والإجابة عليها دون تحيّز لذواتنا. نحن قد نغفل عن أخطاءنا لأننا نعتقد أننا على صواب، ونستمر في فعل هذه الأخطاء لأننا لا نعتبرها شيئاً خاطئاً في الوقت الذي نرتكبها فيه. الأشخاص الذين يرتكبون الأخطاء ويكررونها وهُم على علم بأنهم مخطئين هم حقـاً أشخاص سيئين.



(من يستطيع إدراك أخطاءه الصغيرة وتدارُكها في الوقت المناسب فقد أمسك حقاً بزمام الأمور).



أحمد فايز



هناك 8 تعليقات:

دندنة قيثارة الوجد يقول...

ما أكثر الأخطاء الصغيرة التي نقع بها في حياتنا .. فهي قد تغير مجرى مصيرنا للأبد!

GEBA يقول...

دى اول مرة ادخل هنا بس مقالة رائعة
"حاول غرس إبرة صغيرة في قلب شخص، هذه الإبرة الصغيرة ستقضي عليه في الحال"

غير معرف يقول...

اكثر من رائع كالعادة

فعلا نحن نرتكب الاخطاء لحد اننا لا نبالي بها و نستمر في تكرارها حتي تشكل جزء من شخصيتنا

(ادم )

WINNER يقول...



دندنة.
فعلاً ما أكثرها.
و أحياناً فعلاً بتغيّر مسارنا.
أهلاً بيكي و أرجو تكرار الزيارة.

WINNER يقول...




GEBA
أهلاً بيك و ياريت ماتكونش آخر مرة.
و شكراً جداً.


WINNER يقول...



ادم.
شكراً.
جميل قوي تعليقك.
بيبقى شئ سيئ جداًإن الأخطاء تتحوّل لجزء من شخصيتنا. بيبقى صعب جداً نتخلص منها.

محمد عطية يقول...

الأخطاء أمر يفرضه على الإنسان طبيعه خلقه الضعيف
لكن موقف الناس من أخطائها يختلف ، فنفر لا يتعلم منها ، و نفر يتعلم منها ، و النفر الأقل على الإطلاق والأعظم أيضا هو من يتعلم من أخطاء غيره
:)

WINNER يقول...



محمد عطية.
أحسنت.

العاقل من يتعلم من أخطاءه، و الحكيم من يتعلم من أخطاء غيره.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك