28 أبريل 2010

بـُـرَعي

 بـُرَعي 



يا ربي، لعل الرجل يكون ضالاً يبحث عن مخرج لضلاله، ليس بالضرورة يلاحقني أنا. سوف أسير بسرعة أكبر، قد أصِل لمنطقة مأهولة بالسكان، فيها أعمدة إنارة تعمل. لن أتاخر مرة أخرى خارج البيت أو أسير وحدي في مكان كهذا.

 
لقد خلقنا الله مختلفين، صوّرنا ليـبدو بعضنا جميلاً، و البعض الآخر قبيحاً. لا يعنيني كثيراً القبح و الجمال بقدر ما تجذبني الملامح المختلفة، تكون جميلة بطريقة مختلفة، و تخيفني الوجوه الضالة، الغاضبة، المتبجّحة. الأشخاص المرسومون الذين يشبهون الصور المقصوصة من المجلات يبدون لي و كأنهم ليس لهم روح، يبدون لي كصور متحركة تسير على أقدام. الأشخاص المبعثرون متعبون للنظر، هم غير مهندمين، بعضهم يبدو كالمتسولين أو المجاذيب، يشبهونني إلى حد ما، فأنا متعِبٌ للنظر، مبعثرٌ بعض الشئ !

 
الرجل يسير في الشارع بشكل طبيعي و شفته السفلى بحجم كف اليد تقريباً، تتدلى على ذقنه، و تبدو أسنان الفك السفلي بعدما ابتعدت عنها الشفة. مشهد لم أره في أي كتب الطب، و لا أعرف له تشخيصاً. هو مريض لا يمكنني لوْمه، لكنه مخيف و لا يمكن لوْمي !


لا أنكر أنني أخاف من بعض المناظر و المواقف. أنا أخاف من الكلاب، و خصوصاً الكلاب ذات البنية الجسدية القوية (كلابوفوبيا). و أتوتر قليلاً من المصاعد، خصوصاً عندما أكون فيها وحدي (أسانسيروفوبيا). لا أحب المناطق المرتفعة، و أشعر بالدوار عند تواجدي فيها لسبب أو لآخر، لا أحب النظر لأسفل من أعلى بناية، أشعر أن الحافة ستهوي بي لأسفل (ارتفاعوفوبيا) !

 
على أحد الطرق السريعة، امرأة و طفلتها تعبران الطريق في حوالي التاسعة صباحاً. سيارة ملاكي (سوزوكي سويفت) تسير مسرعة لتصدم الفتاة و تقذفها لارتفاع أكثر من مترين ف الهواء، و تنقلها لمسافة أكثر من 15 متر بطول الشارع. تسقط الفتاة ميتة في الحال. لم أفعل أي شئ سوى أنني أدرتُ وجهي للجهة الأخرى. لم أتمكن من المشاهدة. فقط رأيتُ الثانيتين اللتين وقعت الحادثة فيهما. مشهد الأم تقف في ذهول لحظي لا تدري هل تصرخ أم تبكي أم تحمل طفلتها الملقاة على الأسفلت. تفيق بعد ذلك لتبدأ في صراخ و بكاء غير متزن، لم تفِق بعد. يحمل بعض المارة الطفلة و هم متأكدون أنها ميتة، لكنهم يحملونها إلى المستشفى على أي حال. هذه الحادثة وقعت منذ ما يقرب من 10 سنوات لكني لا زلتُ أتذكر وقت الحادثة، و نوع السيارة، و التفاصيل التي لم تستغرق أكثر من ثانيتين.

 
في زيارة لأحد المستشفيات منذ زمن بعيد حين كنتُ طفلاً، كنتُ برفقة والديّ لزيارة شخص ما لا أذكره. حالة طارئة تدخل أمامي، رجل على سرير يدفعه بعض الأشخاص، يتأوّه في ضعف، الدم يغطي وجهه و جسده، حادث طريق من تلك الحوادث التي نسمع عنها و يروح ضحيتها عدد من الأشخاص. أن تسمع شئ و أن ترى بعينيك شئ آخر. بقيت هذه الصورة مطبوعة في ذهني حتى الآن. لا يجب أن تصحبوا أطفالكم إلى المستشفيات أو القبور. هذا هو الوقت الذي تعمل الذاكرة فيه بكفاءة فلا تحمّلوها بكل هذا الكم من الفزع و الخوف. هذا يضرهم و لا ينفعهم.

 
في الوقت الذي أنسى فيه الكثير أكتشف أنني كنتُ أكثر كفاءة فيما مضى. كنتُ أكثر اهتماماً بنفسي و بالأشخاص و بما يدور حولي. ربما هذه هي علامات الشيخوخة المبكرة، أو أنه التطور الطبيعي لقدراتنا العقلية التي تتجه تدريجياً نحو الضعف.

 
بالمناسبة، أنا لا أعرف أحداً يُدعى بُرَعي.




أحــمـد فــايـز


هناك تعليقان (2):

محمد عطية يقول...

فى الحقيقة الأمر يحتاج موازنة بشأن عدم اصطحاب الأطفال إلى المستشفيات.
من جانبين
الجانب الأول الذى تفضلت بذكره
و الثانى على :
و ينشأ ناشئ الفتيان منا ..........على ما عوده أبوه

فزرع عيادة المرضى فى نفس الصغير لا يخفى اثرها فى التربية ...... و أنا لا أنسى أثر العملة التى كانت تعطينيها أمى لأضعها فى المسجد فى محبيتى للإنفاق.......بس هو مين برعى ده
:)

WINNER يقول...



محمد عطية.
الفكرة يا محمد إننا نختار الوقت المناسب و المكان المناسب و المريض المناسب اللي نسمح لأطفالنا بزيارتهم.
شئ غير صحيح بالمرة اصطحاب طفل لزيارة مريض محروق و شكله (مخيف) أو التواجد في مستشفى في يوم طوارئ و المصابين رايحين جايين.
عيادة المريض شئ طيب، لكن داحنا بنأمر الأولاد بالصلاة على سبع و نبدأ نحاسبهم عليها بالضرب على عشر. يبقى ممكن نسيبهم لما يكبروا شوية و يفهموا يعني إيه عيادة مريض و نفوسهم تتقبل فكرة المستشفيات. و ممكن في البداية ناخدهم لمريض في مستشفى هادية في قسم هادي، و لمريض معندوش إصابة ظاهرية ممكن ترهب الطفل. لحد ما يكبر شوية.

أنا ماعرفتش طول عمري شخص واحد حتى اسمه برعي، و لا حتى اسمه التاني أو التالت. حاجة غريبة.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك