31 مايو 2010

البية البوّاب

 
البية البوّاب


إنها المصلحة يا عزيزي التي أصبحتْ في عصرنا هذا ترفع أقواماً وتخفض آخرين، هي تلك العرّابة التي تمنح البوّاب لقب بية وباشا وتحقق أمانيه في السُلطة والثراء، وتبارك ممشاه ومجلسه، وتعطيه قدراً أكثر مما قد يستحق، وذلك لأن بيده تسيير المصلحة، مع احترامي لمهنته وكل المهن.


إنها المصلحة يا عزيزي التي تجعلكَ تدور خلف السّاعي أملاً في مساعدتكَ لإنهاء أوراقكَ المعلّقة، على الرغم من مبلغ المال الذي دفعته مسبقاً. لكن وجب عليكَ مدحه والثناء عليه وتلقيبه بكل ألقاب الفخامة والتعظيم، والسير مجدّاً خلفه، والابتسام المتكلَّف في وجهه، ورشقه بالسباب واللعان حين تنتهي بينكما المصلحة.

 
هل تذكر هذا البية الذي يقف في منفذ بيع الخبز! وذلك البية الذي يقف في المدرسة يوزع نتيجة الامتحانات! وبالتأكيد تذكر بهوات المصالح الحكومية الذين اهترأتْ قدماكَ ركضاً خلفهم، وتعب لسانكَ من كثرة مناداتهم والتوسّل اليهم. هؤلاء يا عزيزي هم بهوات وبشوات هذا العصر.

 
لا تنكر إنكَ تتملق كل من حولكَ لكي (تمشّي حالك)، وتغدق بالهدايا والإكراميات على كل بية قدّر الله أن يجعله في طريقكَ ليذكّركَ أن في هذه الحياة ما يستحق أن تستعيذ بالله منه، فاللهم إنّا نعوذ بكَ من بهوات هذا العصر، كبيرهم وصغيرهم، في أي مكان ملّكتهم فيه علينا.

 
بالتأكيد أنتَ تعرف من أتكلم عنهم، إنهم هؤلاء الموظفون الصغار الذين صاروا كباراً فجأة عندما تُرك الحبل لهم على الغارب، وأصبحوا يفعلون ما يشاءون. فهذا المخبر بالنسبة لكَ هو الباشا الذي تخشى أن تنظر نحوه نظرة لا تعجبه فيقضي على مستقبلكَ. وهو سكرتير مكتب فلان الفلاني الذي بيده أن يسمح لكَ أو لا يسمح أن تقابل مديره ليلبّي حاجتكَ. وهو الموظف البسيط الذي يستطيع أن يوقف حياتكَ إن لم يعجبه شكلكَ، ويستطيع أن يجعلكَ تنفق أضعاف أضعاف ما عليكَ إنفاقه إذا لم يشعر بالارتياح نحوكَ، ولم تقدّره (ماديّاً) حق قدرته عليكَ.

 
إذا لم تكن قد قابلتَ أحد هؤلاء البهوات، ولم تشعر بذلك القدر من الهوان والمذلة وحرق الأعصاب في تعاملكَ معهم، ولم تكن قد وقعتَ فريسة لمطالبهم وأهوائهم، فأرجوكَ أخبرني في أي كوكب تسكن!


ملحوظة: الصورة ليست قاتمة، ولكنها فقط مليئة بالدخان والغبار!




أحمد فايز


30 مايو 2010

الزُهـْرة



الزُهْرة

كوكب الزُهرة، الكوكب الغامض، الكوكب المغلـّف بضباب كثيف يحجب ملامحه، الكوكب الذي يبدو في الأفق قبيل الغروب كنجم لامع. هو ليس نجماً، هو لا يتكوّن من ملايين الأطنان من الهيدروجين والهيليوم، هو لا يطلق ملايين الميجاوات من الطاقة. هو مجرد كوكب عادي، لكنه يبدو تماماً كالنجم، ومن لا يعرفه سيعتقد أنه مجرد نجم رائع. كيف تمكـّن هذا الكوكب من أن يصبح نجماً؟!


تعوّدتُ –منذ أن عرفتُ كيف أجده في السماء– أن أتابع هذا الكوكب النجم كل ليلة تقريباً، أنظر إليه في السماء واضحاً ومتألّقاًً. أحياناً أجد إحدى زوايا شكله النجمي تمتد بشكل أكبر وكأنه يخرج لسانه! وكأنه يقول: "أوَ لستُ كوكباً! لكنني بالرغم من ذلك أظهر كنجم متألق!".

منذ وقت دراسة العلوم في الصف الثاني الإعدادي، ومروراً بالأفلام الوثائقية عن الفضاء والكواكب، والمواقع الإلكترونية العلمية المتخصصة في علوم الفضاء أو حتى غير المتخصصة، أتابع هذا النجم -عفواً الكوكب- وأتابع أخباره، هذا الكوكب الذي لا نعرف عنه الكثير، لكننا نعرف جيداً أنه يظهر في السماء كنجم متألق.

يدفعني التأمّل والتفكير إلى تطبيق هذه الحقيقة على البشر، فالبشر قد يظهرون بشكل لا يستند إطلاقاً إلى حقيقة طبيعتهم. قد تجد نجوماً بين البشر هم لا يملكون أي مقومات ليكونوا نجوماً. قد تجد شخصاً يظهر بصفة هو لا يملك أيّا من مقوّماتها. الحياة غريبة، أليست كذلك!

على الأقل أنا أعرف أن كوكب الزُهرة هو كوكب وليس نجماً، وأتقبّل منه ظهوره اللامع في السماء.  لكنني أتحيّر كثيراً في البشر، بل وأخشى منهم ما يخفوه من الطبيعة الغامضة، القاسية، الضبابية، المصطنعة، والمزيفة فيهم.

أنا أحب السماء وأحب متابعة كل ما فيها.  لا تملك وأنتَ تنظر إلى هذا الجمال وهذه العظمة سوى أن تقول (سبحان الله).


أحمد فايز

29 مايو 2010

انسلاخات

انسلاخات


بعد يوم طويل شاق متعب أعود إليكِ، أعود مشتاقـاً إلى أحضانكِ الدافئة الحنونة، أشتاق إلى عزلتنا التي أكون فيها صادقـاً و لو للحظة واحدة، بعيداً عن تصنـّعي و تظاهري. أخلع زيفي و أرتدي حقيقتي، و أنزع عن جلدي جلداً ليس لي، و أراني في المرآة مختلفـاً، متوهّجاً، محترقـاً، أرى أوردتي تنبض بالحياة و بالشعور، أتأمّـل عينيّ اللتيْن نسيتهما و فقدتُ ما فيهما من بريق، أعود من الدخان و الغبار و العطور الهائمة على وجهها في الطرقات، تبحث عنـّي، تترصدني، تـُلقي على كتفيّ همها المثقِل، ثم تسأل " من تكون ؟! ".


أعود إليكِ و قد أعياني السفر و التغرّب في المدن، و البحث عن حياتي و عن ترفي. مللتُ الغرور، مللتُ تملـّـق من يعلوني،  و ازدراء من هو دوني، و مللتُ مرافقة الصحاب، و مداعبة العيون، و ألفاظ الشفاه تلك التي بلا كلام. مللتُ نفسي خارج حوائطكِ و نوافذكِ، و فقدتُ رائحتي بين روائح همجية تغزوني أينما كنتُ، و فقدتُ لوني بين لون الدخان و السقيع، و بين الألوان الصناعية، و بين أسئلة تغيّرني، و فقدتُ هويتي في زحام أسقطني من داخل نفسي في هاويتي، و لم أجد بدلاً عن الألوان و السقوط، و سافرتُ كي أبحث عن نفسٍ تشبهني، و عدتُ خالي الوفاض ممتعضاً.

 
لكم أشتاق إلى تسامرنا بالساعات في جنح الليل، و إطلالة الشمس علينا في الصباح، و عندما ينتابني ضحك أو بكاء، و عندما أخِرّ بين أثاثكِ من الإعياء، و أفيق و كـُلـّي رهبة أن أغادر الحياة بلا وعاء فيه من ضحكي و من فرحتى شئ قليل، كما للناس أوعية من الفرح، و كما ملأنا أوعية من الدمع، و سكبناها من النوافذ في الطريق، تتبخر تحت أشعة الشمس إذا هلـّت علينا و نحن نرشف الشاي مع الإفطار في مطلع صباح جميل.

 
عشرة أعوام هي ما جنيتُ بعيداً عنكِ، بين ألوان صناعية، و روائح ليست مألوفة، و ركام من الأصوات في أذني، و تلال من الصور في عيني، و عقلي قد تعب من الحسابات و الافتراضات، و قد حان الوقت لكي أعود و أرتمي عند بابكِ بعد أن يغشى عليّ، و أتكوّن من جديد من ذرات رماد و ثلج و بعض الذكريات، حتى أصبح مارداً خرج لتوّه من مصباح ضيق مليئ بالصدأ، أسعل حتى أُخرج من داخلي ماء البحر و رمال الصحراء و قليلٌ من الحنظل.

 
لكم اشتقتُ إليكِ أيتها الغرفة المخلصة التي شهدتْ نبتي، و شاهدتني طفلاً ثم مراهقــاً، و تعبَتْ منـّي و من أفعالي، ثم عاصرتني شابـاً و رجلاً ناضجـاً، و عانت أيضاً من عنادي و إعراضي و انشغالي. و رحلتُ لكي أصبح أنسانـاً آخر، في مكان آخر، بين أناس آخرين، و حسبتُ أنني سوف أصبح أفضل حين غادرتُ، و لكنّي أصبحتُ جزءاً من صدأ التاريخ العقيم، جزءاً من عجلة الحياة و ميناء المسافرين، أصبحتُ كماء البحر يلمع تحت الشمس كلؤلؤ بهيْ، و إذا شربتَ منه لم تستسغه، وجدته مالحاً لا يصلح للشراب.


أحـمـد فـايـز

28 مايو 2010

أورشليم


 أورشليم 

 
ارقدي بسلامٍ يا أورشليم، ارقدي بمباركة الرب، سأُحضِر لكِ بعض زهور الأوركيد، موعدنا مساءً يا أورشليم.
 
الأطفال يبيتون ليلتهم جياع بين حطام السور العتيق.
 
لا زال المنجنيق منتصباً، والسهام تغمر الأرض، ولازالت رائحة الدم تفوح من الطرقات. تتحول رائحة الدم مع الوقت إلى رائحة خمر معتّق.
 
جماعة يرتدون الأسود ويسيرون ببطء، يحملون المشاعل، يتجهون نحو المدينة ومعهم زهور الأوركيد، وعند حفرة كبيرة يلقون الزهور، يتمتمون ببعض الكلام ثم يرحلون.
 
في قاع الحفرة يرقد خمسون ألف رجل وامرأة وطفل.
 

أرقدي بسلامٍ يا أورشليم!




أحمد فايز

27 مايو 2010

كلمات متقاطعة


 كلمات متقاطعة 

 
كثيراً ما تثيرني الكلمات المتقاطعة باعتبارها نوعاً من عمل العقل أو تحدياً و اختباراً للمعلومات. لكن كيف الحال عندما أتحول أنا إلى مجموعة من الكلمات المتقاطعة !

 
يمكنكَ أن تحلني إذا امتلكتَ القدر الكافي من المعرفة، المعرفة المتعلقة بي. و يمكنكَ الشعور بالضجر عند أول كلمة لا تجد لها تفسيراً في قاموسكَ الشخصي. لا ألوم أحداً إن وقف أمام صفحاتي مندهشاً أو متحيراً، فلطالما وقفتُ أنا أمامي متعجباً من هذا المخلوق المعقد التركيب الذي يرافقني كل يوم حيث أذهب، و أكتشف في بعض الأحيان أنه غريب عنـّي.


عندما يشعر الإنسان أنه ينظر إلى نفسه من الخارج، حالة يطلق عليها الأطباء النفسيون إلغاء الشخصية أو الانفصال عن الشخصية (Depersonalization)، و بالمعنى الفلسفي يمكن أن تكون حالة غير مَرَضية يمر بها كل شخص في حالات من التأمل الخاصة، ينظر إلى نفسه و كأنه يراها من الخارج.

 
كلمات رأسية و أخرى أفقية، و تحاول جاهداً أن تحل كلمة هنا و كلمة هناك، و كل كلمة تحلها تقربكَ من حل كلمة أخرى، و لحظة النجاح العظمى هي عندما تصل للكلمة (المفتاح) التي تنطلق بعدها في حل باقي الكلمات، و تشعر عندها بالارتياح. هذا غير حقيقي، إنه مجرد حلم، حلمكَ أن تتعرف على نفسكَ بشكل مباشر كما تضع أطراف معادلة حسابية بسيطة لتصل إلى ناتج.

 
التصرفات غير المتوقعة أو غير المفهومة، و الأفكار المختلفة في كل مرة، هي طبع إنساني أصيل، لا يستطيع تفهـّمه إلا شخص يحترم طبع الإنسان و يقدّر فيه ما هو موجود في الجميع.

 
أرجوكَ لا تسافر فأنا أحتاجكَ فعلاً، أرجوكَ ابقَ معي و لو قليلاً، لا تـُسئ فهمي عندما يصدر منـّي فعل لا تفهمه، يمكنكَ أن تتساءل، و يمكنكَ أن تستفهم منـّي مباشرة، يمكنني أن أعطيكَ أجوبة بسيطة لأفعال في نظركَ بدت معقدة. لا تتسرع في الحكم عليّ لمجرد أنـّي إنسان، فلا تنسَ أنكَ أنتَ أيضاً إنسان.

 
خذ وقتك في حل كلماتي المتقاطعة، و دعني آخذ وقتي في حل كلماتكَ المتقاطعة.


أحـمـد فـايـز

26 مايو 2010

كوني أيَّما امرأةٍ




كوني أيَّما امرأةٍ

كوني أيَّما امرأةٍ سأهواكِ
كوني المجنونةَ العصبيةَ المزاجِ
كوني الرقيقةَ الهادئةَ الطباعِ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأعرِفُكِ
ولو لستِ من عِرْقي سآلفُكِ
سألمحُ في عينيْكِ ذِكْرى أوّلَ ميعادٍ
وألمحُ في كفّيْكِ طريقاً ليسَ لهُ آخِرْ
لو كانَ طريقُكِ عبرَ الزمنِ
فحتماً أنّي سأسافِرْ
فكوني أيَّما امرأةٍ سألقاكِ
وتمُرُّ عليّ ذكراكِ
تُذكِّرُني رسائلُكِ
وأُقبِّلُ وردتكِ الحمراءَ بكلِّ صباحٍ
وألحقُ سربَ الطيرِ و أبحثُ عَنْكِ
وأعودُ خِماصاً مثلما غادرْتُ عُشّي
أبحثُ عن حُبٍّ
أبحثُ عن أمْنٍ
أبحثُ عَنْكِ
..
قد تعلمينَ بأنّي أُحبُّكِ
وقد تجهلينْ
لكنْ سأبحثُ رغمَ البعادِ ورغمَ السنينْ
ورغمَ انقطاعِ الرسائلِ مِنْكِ
سأبحثُ عَنْكِ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأعشقُكِ
..
تتدللينَ وتضحكينْ
تتجهّمينَ وتغضبينْ
فكوني مثلما شِئْتِ
فليسَ بطوْعي أفقدُكِ
وأنساكِ وأترُكُكِ
..
كوني كالنهرِ الجارفِ بالوادي
كوني كليالي الأعيادِ
كوني جِنّيّةً
بَشَريّةً
أو زهرةً برّيّةً
بعيدةً عن أطماعِ الرائحِ والغادي
..
كوني كشتاءِ الأنثى القطبيةْ
كوني كالصيفِ الحارقِ بالصحراءِ العربيّةْ
كوني كفتاةٍ خمريّةْ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأقْبَلُكِ
..
كوني ليلى وبثينةَ أو عبلةْ
كوني جولييت وكليوباترا
كوني امرأةَ القصصِ الأُخرى
كوني أيَّ أميرةٍ حسناءْ
أو ليستْ حسناءْ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأذكُرُكِ
..
وكوني مثلما أنتِ في تفرُّدِكِ
كوني كالجدولِ المتسلسِلْ
من أعلى إلى أسفلْ
من عيني إلى قلبي
وكوني القطرةَ الأولى ببحرِ دمي
وكوني عندَ الصباحِ الوليدِ
طيوراً حُوَّمِ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأسمعُكِ
..
لو تهمسينَ الكلامَ الرقيقْ
لو تلبسينَ حُليَّ العقيقْ
ولو تدوسين بشكلٍ رفيقْ
سأسمعُ صوتَ النبضِ لديكِ
وأبحثُ عَنْكِ
وآتي إليكِ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأعرفُكِ
..
كوني كشُجيرةِ أملٍ
في الأرضِ المُجدِبةِ القفراءْ
كوني عنقودَ اللؤلؤِ والمَرمَرْ
كوني كقُنينةِ مِسْكٍ أو عنبرْ
كوني رذاذاً ينقرُ أرصفةَ الطُرُقاتِ
بفصلِ الشتاءْ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأرغبُكِ
..
كوني الرعدَ والبرقَ
كوني الأرضَ والخَلْقَ
وكوني لعنةً تُلقى
على قلبي فتأسرُني
..
كوني البحرَ إنْ هبّتْ نسائمُهُ
كوني الليلَ إنْ سكنَتْ حمائمُهُ
وكوني السِحْرَ في الأيامِ
وضحكتُكِ تمائمُهُ
فكوني أيَّما امرأةٍ سأطلبُكِ
..
كوني الجنّةَ المتراميةَ الأطرافْ
كوني قبيلةً همجيّةَ الأعرافْ
وكوني مثلَ شعاعِ الشمسِ
لا يعرفُ الإنصافْ
..
كوني طريقاً وَسَطَ المُحالْ
كوني الشجاعةَ عندَ القتالْ
وكوني الفَجْرَ للأيامِ
يُنهي سوادَ ليالٍ طِوالْ
فكوني أيَّما امرأةٍ سألحقُكِ
..
كوني كالجبلِ الشاهقْ
كالنجمِ الحارِقْ
كوني مثلَ ليالٍ تعانقْ
وأُخرى تفارقْ
فلا يُهِمُّ من تكونينْ
بمجرّدِ ما تحبينْ
تنسينَ الشرقَ والغربَ
تنسينَ البُعْدَ والقُرْبَ
وتعشقينْ
لو تعرفينْ
قد تقبلينَ وقد ترفضينْ
فلمْ أخترْ من تكونينْ
فكوني مثلما اخترتِ
وكوني مثلما شئتِ
سأعشقُكِ
..

أحمد فايز



25 مايو 2010

قهوة سكر زيادة

 قهوة سكّر زيادة 

 
الساعة الرابعة عصراً –وكالمعتاد- جلس في المقهى وطلب كوب قهوة سكر زيادة كما يفعل كل يوم في نفس الميعاد. يجلس يشرب القهوة وينظر إلى الشارع يتابع السيارات والمارّة، في هدوء شديد رغم الضجة، في حالة تأمل مركـّزة، وبعد ذلك يغادر.

أكثر من ثلاث سنوات وهو على هذا الحال. وحين يجلس لشرب قهوته لا يقاطعه أحد، ولا يقتحم عليه خلوته الخاصة أي مخلوق، الجميع ينتظر أن ينتهي من طقوسه ويفرغ من كوب قهوته.

هو ليس كئيباً ولا زاهداً متصوّفاً، وليس مجنوناً أو مختل العقل، وإنما هو شخص يحب أن يجلس لمدة خمس دقائق فقط كل يوم ليتأمل الحياة من زاويته الخاصة، زاويته هو. الجميع في المقهى يعرفونه ويعرفون عادته. هو شخص اجتماعي ومحبوب، لكن هناك حالة من القدسية للخمس دقائق المخصّصين للقهوة والتأمل.
 
حين بدأ هذا الأمر كانت هناك مقدمات ودوافع، كان هناك ما يدفعه للبحث عن طريق جديد وطريقة جديدة، كان لابد من إيجاد حل. وكانت الأسباب كما وردت على لسانه: "بعد أكثر من سبع سنوات من العمل، وجدتُ نفسي أعيش بنفس المستوى، بنفس الأسلوب، نفس الأشخاص، ونفس الأفكار. شئ ممل جداً، شئ يقتلني ببطء. وجدتني لا أبدع في عملي مع أنني كنتُ أحب القيام به بشغف وأتفنن فيه، وأصبح العمل عبء، ومتطلبات البيت عبء، ومشاكل أبنائي عبء، وكل حياتي تحولتْ لمجموعة من الأعباء، فكان ولابد من إيجاد حل. وذات يوم ذهبتُ إلى المقهى فارّاً من أعبائي، منهكاً محبطاً مهموماً، طلبتُ فنجان قهوة سكر زيادة، وجلستُ أفكر وأنظر إلى كل مشكلة من كل زاوية حتى ولو كانت غير مهمة، وأحاول أن أجد أسباباً وحلولاً، وأحاول أن أرسم حياتي من جديد، وأواكب التغيير لكي أتمكن من العيش داخل الدنيا ولا تمر الدنيا عليّ وأنا واقف في مكاني. وبدأتُ أجد حلولاً لمشاكلي، وأحس بتغيير في حياتي، وأصبحتُ أسعد وأنشط وأكثر تفاؤلاً وحباً لكل شئ. وكل هذا بسبب فنجان قهوة وخمس دقائق من الصفاء الذهني يومياً. خمس دقائق أمنح نفسي فيها الفرصة لأفكر بعمق وأدرس نفسي وحياتي بموضوعية، بعيداً عن الضغوط والأعباء. أنا لم أدرس الفلسفة ولا علم النفس، لكنني وصلت لهذه الحالة عن طريق تجربة وجدتني بمنتهى الصدفة".
 
قد يكون أصحابه ومن يعرفونه يحسدونه على هذا الحل السحريّ الذي وجده، لكنهم في نفس الوقت لا يبحثون عن حلول لأنفسهم، يكتفون بالانبهار بما حولهم ولا يجرّبون هذا في واقعهم الشخصي، ويظلون على حالهم يدورون في مدار الدنيا مرغمين، والدنيا تفعل بهم ما تشاء وهم مستسلمون لها وكأنهم ورقة شجر يتلاعب بها الهواء.
 
من المؤكد أن هناك حلولاً لكن لابد من البحث عنها، حتى ولو كان الحل هو مجرد فنجان قهوة وخمس دقائق من التفكير العميق والتأمل.




أحمد فايز


24 مايو 2010

الكلمة إيد

 
  الكلمة إيد 



الـكلمة إيد
الـكلمة رجـل
الـكلمة باب
الـكلمة نجمـة كهربيــة في الضبـــاب
الـكلمة كوبـري صـلب فـوق بحر العباب
الجـن يا أحبــاب ما يقــدر يهدمــه
فاتكلموا
..


الكلمة سلاح لا يُستهان به، و من يعتقد أن الكلام بلا قيمة فلينظر في التاريخ ليرى كم من حروب أشعلتها كلمة، و كم من حروب أنهتها كلمة، كم من إخفاقات سببتها كلمة، و كم من نجاحات بدأتها كلمة، كم من كلمات غيّرت مصير أمم بين الرفع و الخفض، و كم من كلمات أعانت على الحياة و أخرى أفقدت كل رغبة فيها.


ما قد يؤخذ على الكلمة هو اقتصارها على الثرثرة بلا طائل، أو الجعجعة دون طحن، و التجميل و التزيين دون معنى. لكن هذا ليس من شأنه إتهام الكلمة بالتقصير، فقد تكون الآذان لا تستقبل الكلمات، أو العقل لا يترجم الأقوال إلى أفعال.


في الحروب يستخدمون الكلمة كسلاح قوي لا يقل قوة عن المدافع و القنابل، أو ما يُعرف بالحرب النفسية. فعندما تصيب الكلمة الناس بالإحباط فلن ينفعهم سلاح و لا قوة، و على النقيض، إن تشبّعوا بالأمل و الحماسة فهذا هو أقوى سلاح. كانت القوات المتحاربة توّزع منشورات تخوّف الأعداء و تزرع في قلوبهم الرعب، كانوا ينشرون الشائعات عن سقوط مدن، و مقتل قادة، و امتلاك أسلحة لا تـُـقهر. هذه الكلمات تؤدي إلى الهزيمة دون أي قتال. و نذكر كيف كان الرسول (عليه الصلاة و السلام) يُحمّس المقاتلين قبل الغزوات بكلمات بسيطة لكن قوية، هذه الكلمات تجعل الفئة القليلة تهزم الفئة الكثيرة بإذن الله.


كم من ثورات عظيمة بدأت بكلمات بسيطة تجمّع حولها الناس، هذه الكلمات تحوِّل العامّة إلى ساسة و مقاتلين. و عظماء القادة كانوا يقودون أممهم بالكلمة القوية، و يقترن بعد ذلك الفعل بالكلام. لا ننسى كيف كان هتلر يحشد الجيوش و يجتاح أوروبا بخطبه التي حوّلت الألمان في ذلك الوقت - أو كما اعتقدوا - إلى نوع مختلف من البشر. كيف استطاع جيفارا أن يتحدّى النـُظـُم و يُشعل روح الثورة في قارة بأكملها، بل و يُلهم العالم كله بحماسته التي كان يبثها في روح جنوده عن طريق الكلمات القوية المؤثرة. جمال عبد الناصر أعطى للمصريين الفرصة أن يتحرروا من قيود لم يتخيلوا يوماً أنهم قد يكسروها و لكنه تكلـّم بثقة أحدثتْ فارقـاً في حياة كل المصريين. كيف تمكـّن المصطفى (عليه الصلاة و السلام) من تحويل أمّة بأكملها من الجهل و الفـُرقة و الشتات إلى مجتمع متحضّر قوي منظـَّم، لم يجمعهم بسيف و لا قوة، و إنما بالكلمة الطيبة و حُسن المنطق.


الكلمة تنقلكَ من مكان إلى مكان، و من زمان إلى زمان، و تخلق في خيالكَ أشخاصاً و أحداثـاً، و تحوِّلكَ من إنسان لآخر. و الكلمة تطلعكَ على كل ما يحدث حولكَ، و تشرككَ في كل ما يجري، و تعلـّمكَ الكثير مما قد لا تعلم. تستطيع الكلمة أن ترفع من شأنكَ، و تعلي من قدركَ، و توصلكَ إلى أفضل الأماكن.


الكلمة من طـُرُق إحقاق الحق، و إبطال الباطل، و لذلك فإن من يرى منكراً فعليه أن يغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. فالكلمة قادرة على التغيير، بل أحياناً تكون أقدر على التغيير من الفعل، تكون أبلغ و أعمق، تكون أسهل و أبسط و أوقع.


علـّموا أنفسكم أن تحترموا الكلمة، و علـّموا أولادكم أن يقرءوا و يقدّروا ما يقرءون. اعرفوا ما ينفعكم و ينفع غيركم. استخدموا الكلمة بشكل صحيح و اصنعوا منها سلاحكم الذي لا تكسره الأسلحة. غيّروا كل ما حولكم إلى الأفضل بالكلمة، و بالفعل إن استطعتم. اجعلوا من أقلامكم بنادقـاً تدافعون بها عن الحق، و فـُرَشَ رسم ترسمون بها المستقبل الأجمل، و معاولاً تهدمون بها القبح، و رايات تؤيدون بها الصواب، و عصيّ تضربون بها على أيدي الفاسدين، و حجارة تقذفون بها الباطل، و جسوراً تعبرون بها الصعاب، و مصابيحاً تضيئون  بها الظلام، و دروعاً تصدّون بها عدوكم، و وروداً تنشرون بها المحبة بينكم.


(اتكـلـّموا...)


أحـمـد فـايـز
 
 

23 مايو 2010

هوامش

 هوامش 



اعتقدَ أنه يمكنه إدخال السرور على طفله ذي العشر سنين بأن يحضر له حلوى.
بينما الابن يطلب هاتفاً نقـّالاً!

...

نفس الحيرة كل عام.
(ماذا سيحضر لها في عيد الحب؟).
قرر هذا العام أن عيد الحب بدعة وأنه لن يحتفل به!

...

نفس الكلام المكرر.
(كان الأشخاص العظماء قديماً يستذكرون على ضوء مصابيح الشوارع).
أعتقد أنه لو كان أحدهم يملك قصراً مضاءً بالثريّات لما خرج إلى الشارع.
إنها الحاجة فقط!






أحمد فايز

22 مايو 2010

مصباح عماد الدين

مصباح عماد الدين
(أخو علاء الدين)


لما حد يلاقي مصباح عماد الدين ويلاقي نفسه يقدر يحقق كل اللي هو عاوزه أكيد طلبات الناس هتختلف، لكن المبدأ واحد، وهو إنه يحصل على أكبر قدر ممكن من النفع.

ونشوف الناس ممكن تطلب إيه.

...

إبراهيم، 25 سنة، مصر:

شبيك لبيك، تطلب إيه؟
 
عاوز أكل كتير قوي، وبعدين عاوز أروح السينما، وهاتلي فيلا وعربية وفلوس كتيييير قوي، وعاوز أتجوز واحدة حلوة، أو أي حاجة تلاقيها وخلاص!

...


سعاد، 65 سنة، مصر:
 
شبيك لبيك، تطلبي إيه؟
 
عاوزة أرجع شباب تاني، وعاوزة عريس يكون شباب وحليوة كدة، وعاوزة أكون أحلى واحدة، وعاوزة فلوس كتير كمان.

...


رامي، 7 سنين، مصر:
 
شبيك لبيك، تطلب إيه؟
 
عاوز بسكوت كتييير، وشيكولاتة كتير قوي، عاوز محل لعب، وعاوز كمبيوتر ونت، وعاوز تضرب لي الواد محمود زميلي في المدرسة عشان أخد مسطرتي امبارح!

...

حسين الشيباني، 43 سنة، السعودية:
 
شبيك لبيك، إيش تبغى؟
 
والله أبِّي سيارة فخمة، وقصر وسط الرياض وتاني في كاليفورنيا، ويا سلام لو بيرين بترول، ولا تنسى حسابات البنوك بسويسرا.

...

كارول الطربوشي، 22 سنة، لبنان:
 
شبيك لبيك، شو بتريدي؟
 
تكرم، بدّي أكون مطربة كتير ناجحة، وبدّي أكون جميلة وأجمل واحدة في الدنيا، وبدّي فيلا في فرنسا واتنين في أميريكا، وحياة عيونك لاتنسى الماسات تكون كتير كتير حلوة، وبدّي أتجوز عمرو دياب أو وائل جسار.

...

ديفيد كوهين، 45 سنة، أمريكا:
 
شبيك لبيك، What do you wish ؟
 
آي ويش يكون عندي 2 مول كبار جداً وسط نيويورك، وعاوز مزرعة في تكساس، وقرية سياحية في فلوريدا، و100 كيلو دهب في خزنة في سويسرا، وأكون عضو في الكونجرس، ويكون عندي أكبر شركة اتصالات وتكنولوجيا في العالم، وعاوز جزيرة وسط المحيط الهادي، وعاوزك تخلصني من كل المسلمين والعرب اللي في الدنيا!

...

فن الحياة:
 
اللي جوا دماغك ممكن يفرق كتير معاك في يوم من الأيام، فاحرص إن اللي في دماغك يكون يستحق إنك تحتفظ بيه في دماغك، وسيبك من الأحلام التافهة لأنها لو اتحققت فيبقى انت خسرت أكتر ما كسبت. الفرص الحقيقية في حياتك قليلة، فاوعى تضيعها واستغلها صح.



أحمد فايز

21 مايو 2010

الأطباق الطائرة

الأطباق الطائرة



هل رأيتَ من قبل طبقاً طائراً؟ 
أنا رأيتُ، في التليفزيون طبعاً.
هل يهمكَ أن ترى طبقاً طائراً؟ 
لماذا؟

إن كان قد جاء راكبه بخير فليس لك من هذا الخير شئ، وإن كان قد جاء بشرٍ فليس هناك سبيل لردع هذا الشر.

لماذا يتصورون دائماً أن هناك حضارة أخرى في الفضاء البعيد، وهي أكثر ذكاءً منا!
لماذا يعتقدون أننا أغبى سكان الكون، إن كان هناك سكان لهذا الكون غيرنا! 
لماذا ينتظرون قدوم هؤلاء الغرباء أو الفضائيين لتنشب حرب الكواكب!

أنا أحترم خيال العلماء لكني لا (أهضم) أفلام الخيال العلمي بسهولة.

نبحث عن كوكب جديد، ويستمر البحث. 
ما العيب في الكوكب الذي نعيش فيه!
لماذا نتوقع أننا سنخرّب كوكبنا ونحتاج لكوكب آخر لنعيش عليه!
ولماذا لا نحافظ على هذا الكوكب ونتشبث بالحياة عليه!
هناك دوماً الحروب العظيمة، والقمامة الكثيرة، والأمراض الفتاكة والأوبئة. نغادر الكوكب في سفن الفضاء، ونطوف الكون بحثاً عن وطن جديد.
أعتقد أن الحياة ستنتهي على هذا الكوكب كما بدأت عليه، ولا حاجة للبحث عن كوكب آخر نسكنه، ولا اكتشاف حضارات جديدة في الفضاء لكي ندمرها، ولا مخلوقات فضائية كي نقتلها.

البشر دوماً ينظرون إلى البعيد الغامض، وينسون ما بين أيديهم وتحت أقدامهم.





أحمد فايز


20 مايو 2010

أزهار نرجسية

 أزهار نرجسية 



لمَ أتيتِ بالنرجس إليّ!
هل لسكوته وانتظاره الطويل، أم لأنكِ نرجسية!
أنتِ تعرفين أنني لا أحب اللون الأصفر
ولا أحب زهور النرجس
هل تعرفين أن النرجس يقتل كل ما حوله!
هل تعرفين أنه أنانيّ!
وأنتِ أيضاً!

لمَ عندما أطلب منكِ القدوم مبكراً تأتين متأخرة!
وعندما أطلب منكِ الحضور متأخرة تأتين مبكّرة!
ولمَ تصرّين على ارتداء اللون الأصفر رغم علمكِ أنني لا أقبله!
وتحاولين قطع حديثي قبل أن أبتديه أو أكمله!
لمَ تفعلين ما ترغبين أنتِ، ولا تهتمّين على الإطلاق بما أرغب أنا!
لماذا كلما اقتربتُ ابتعدتِ!
وكلما ابتعدتُ اقتربتِ!
تقررين كل شئ وفقاً لما تحبين وترغبين، ولا تكترثين لما أحب وأرغب.

هل تعرفين معنى زهور النرجس!
إنها نرجسية.
وأنتِ أيضاً.





أحمد فايز



19 مايو 2010

قـهـوة زيادة

قهوة زيادة


(رغم أشياء كثيرة، لطالما علمت أنني ذات حظ أوفر من الجميع. و مع ذلك ... قراراتي هي ألا أسكن أعلى من الدور الرابع، ألا أملأ أقداحي حتى حافتها، و ألا أرتدي الكعب العالي. لا أحد يعلم ما قد يحدث)


هكذا تقول عن نفسها سارة سويدان صاحبة مدونة ( قهوة زيادة )


على الرغم من انشغالي المعتاد بالدراسة، إلا أنني هذه الفترة أقوم (بالدعبسة) في المدونات بحثـاً عن شئ، لا أدري ما هو، لكنه قد يكون الخبرة أو المشاركة.

من ضمن المدونات التي وجدتها، مدونة جميلة و تستحق التقدير إنها مدونة (قهوة زيادة). صاحبتها سارة سويدان، اسكندرانية، (أجدع ناس). لا أعرفها بشكل شخصي لكن أرواح (البلوجرز) تتلاقى في مكان ما فوق السحاب !

المدونة مليئة بأشياء جميلة، ما بين الرومانسية و الواقعية و التأملات. (الماجّات) تشغل حيّـزاً كبيراً منها ! كما أن هناك شئ غريب، قد تحدثتْ هي عنه بنفسها، وهو أنها تحس أحياناً أنها (مجنونة)، أو تقصد بذلك بطلتها في المدونة، و التي تكلمها أحياناً. أنا أرى أنها نظرة عميقة و تأملية، و قد تكون فلسفية. و هذا يرجع غالباً لطبيعة حياة عاشتها، فكوّنت لديها كل هذا. و عندما وجدتْ هذا المكان الذي يمكنها أن تتكلم فيه بحرية، أخرجت كل ما بداخلها بشكل جميل.


خاتمة..
أسعدتني سارة سويدان بقراءة مدونتها الجميلة. في البداية تخيلت أنها سيدة كبيرة عمرها حوالي 36 سنة. و بعد قراءة بعض التدوينات تغيرت فكرتي، و شعرت أنها سيدة أكبر، عمرها حوالي 80 سنة. و اندهشتُ عندما عرفت أنها في بداية العشرينات، و هذا شئ قد لا أكون أصدقه بشكل كبير، و لا أدري لماذا ! أعجبتني الصور التي في المدونة و التي قامت هي بتصويرها بنفسها. المدونة احتاجت ثلاثة أيام لأتمكن من قراءة كافة تدويناتها، و هذا بسبب انشغالي، و لولا ذلك لأنهيتها في جلسة واحدة.

زوروا المدونة، و اقرأوا موضوعاتها، ستعجبكم.



أحـمـد فـايـز


18 مايو 2010

الاحتراق الداخلي


 

لا أدري السبب الحقيقي وراء الكتابة السريالية في الأوقات العصيبة.
ربما هو الضغط العصبي.
و ربما غرابة الأطوار التي تصبح أكثر وضوحاً في مثل هذه الأوقات.
إنه الاختناق.
اختناق داخلي.
على وزن احتراق داخلي.
ذلك الذي يحدث في محرك السيارة.
و هو نفس الفكرة تقريباً.
من دون نار فعلية يتبدد الوقود، و يتحول من طاقة كيميائية إلى طاقة حركية.
و الاختناق الداخلي من دون نار فعلية تنبّه المقربين أني أحترق، ساعدوني، اطفئوا تلك النار التي تأكلني حياً.
تحوّل هذه النار طاقتي الإنسانية إلى غبار.
ماذا تفعل حين تكتشف حريقـاً !
تسعى لإخماده !
فلماذا لا تسعى لإخمادي !
ربما نسعى لإخماد الحرائق الفعلية لأننا في الأساس نخشى على أنفسنا منها.
مجرد أنانية إنسانية.
أو لأن حواسنا البدائية يمكنها إبصار النار في الهشيم، و لا يمكنها ملاحظة الأرواح المحترقة، المتفحمة، تلك التي تصرخ بصوت لا تسمعه الآذان العادية.


عندما يصرخ فرانكشتين بوجهه القبيح، يزيدونه ضرباً و تنكيلاً.
هو الوحش.
و هم الملائكة المطهّرون.
و يعود كل واحد منهم بعد قتله إلا بيته.
يحضر قنينة الخمر.
و يأوي إلى فراشه مع أي جارية من جواري المنزل الفخم.
و يصف فرانكشتين بالوحش القبيح.
مرايانا لا ترى حقـاً.
و نحن أيضاً لا نرى.
نعلم أن المرآة تظهر الصور معكوسة.
أكررها، المرآة تظهر الصور معكوسة.
فهل فهم أحد هذه الخدعة !


تستيقظ في الصباح من سرير زوجها و تقف أمام المرآة.
هي على موعد مع عشيقها.
ترى نفسها جميلة جداً.
رقيقة جداً.
إنها ملائكية جداً.
إنها المرآة.
نحن في الحقيقة لا نرى أنفسنا.
هل سبق لأحدكم أن رآى وجهه إلا فى مرآة، أو ما يشبه المرآة !
لم يحدث.
و لن يحدث.
إننا مخادعون.
و مخدوعون.


يقف تحت السماء في يوم مطير.
أيتها السماء امطري علينا حجارة.
اقتلي كل من في المدينة، حتى الأطفال.
فنسل المدينة لن يأتي إلا بمزيد من المجرمين.
بمزيد من المتغطرسين.
و مزيد من أكلة لحم الموتى، و الأحياء.
أيتها السماء لا ترحمي أحداً بعد اليوم.
اغرقينا.


و تتحرك السيارة.
و في كل دورة لعجلاتها يحترق الوقود.
تتكسر روابط جزيئاته.
و تنطلق الطاقة الهائلة تدفع السيارة دفعـاً.
و لأنها جامدة.
لا تشعر.
لا تبحث عمن يطفئ تلك النار.
ذلك الاحتراق الداخلي.
بل تتوقف عند أقرب محطة وقود !


يا صديقي لا تعتقد أنني راض ٍ عن نفسي.
لا تعتقد أنني سعيد، حتى و لو لم تفارق البسمة شفتي.
و لو رأيت لمعة السعادة في عيني.
فلعلها من أثر بخار خفيف من مخلفات احتراقي الداخلي.
لو أقسمتُ لكَ أني سعيد فلا تصدق.
افتح غطاء السيارة و ضع يدك على محركها الدائر.
و اسأله، هل أنت سعيد !
ستجيبكَ حرارته.


و يسألني المارة في الطريق.
هل أنت طبيب ؟
أتردد.
هل أخبرهم بالحقيقة !
كيف أكون طبيباً و أعجز عن مداواة نفسي !
يحضرون إلىّ فتاة صغيرة، عمرها لا يتجاوز الخامسة عشر.
يقولون أنها لا تتكلم.
يطلبون منـّي أن أشفيها.
أو لعلي أدعو لها بالشفاء !
أسألها: " ماذا بكِ ؟ ".
لا تجيب.
" هل أنتِ جائعة ؟ ".
لا ترد.
" هل تقبلين الزواج مني ؟ ".
تبتسم !


و المرأة العجوز منتظرة خطيبها الذي لم يأتي.
و لن يأتي.
إنها عجوز الاحتراق الداخلي.
يمكنكم رؤية آثار الاحتراق على يديها الضعيفتين.
تجلس عند عتبة المسجد.
اعطني لكي أحضر طعاماً.
أمد يدي في جيبي.
أبحث عن أي مال.
كل المال احترق.
أخرجه ورقـاً محترقـاً، مهترئـاً، أسود.
أنثره.
لكن حمداً لله، هناك المال المعدني.
لم يحترق.
أعطيها كل ما في جيبي من أموالي المعدنية.
تمد يدها و تأخذ كل المال.
و تمد يدها الأخرى و تفتح صدري.
و تسكب كوب ماء بارد على محركي المحترق.
يفور الماء.
يغلي.
و أبرد قليلاً.
أرحل نحو القطار.
أنتظر ساعة.
اثنتين.
لقد سقط القطار من فوق الجسر في النهر الواسع.
و كل ركابه موتى.
و الشرطة تحقق في الواقعة.
و أعود أنا من جديد إلى بيتي الحار المحترق.
أجلس في غرفتي.
أسأل نفسي سؤالاً أعرف أنني سألته لها مرات عديدة.
" إلى متى ؟! ".


و يظل المحرك الدائر يحترق.
و فرانكشتين مقيد اليدين عند البحر.
و الغوغاء يضربونه بالحجارة و العصي.
و يرحلون عند المساء إلى مضاجعهم النجسة.
يشعرون أنهم أفضل منه.
و لا زال يصرخ في السماء.
اهلكينا.
اغرقينا.
لا تنجب هذه المدينة سوى المجرمين و المحتالين و المجانين.


و أنا.
أنا لا زلتُ منتظراً على قارعة الطريق.
محركي المحترق تعب.
أنتظر مرور أي شخص لأقترض منه كفـاً بارداً.
كوب ماء.
و على الرغم من انتظاري طوال الثلاثمائة عام الماضية، فليس أمامي سوى انتظار هذا الغريب الذي يمكنه أن يخفف من حدة احتراقي الداخلي.


أرجوكَ، إذا رأيتني أحترق، فلا تتهمني بالكسل و الإجرام و الغلظة.
ألا تراني أحترق !
أمهلني حتى أنطفئ.
أو لتكن كريماً و تمد لي كفـاً طيبة.




سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك