13 مايو 2010

المواطن المثالي


 المواطن المثالي 
 

يا سيدي، أنا لم أسب النظام. أنا لم اعترض على القانون، و لم أخرج عليه. أنا لم أقذف أحداً بالباطل، و لم أتهم شخصاً جزافـاً. أنا لستُ يمينياً و لا يسارياً. أنا لستُ اشتراكياً و لا شيوعياً أو ليبرالياً. أنا لم أنضم لأي حزب سياسي، و لا إلى أيّ تنظيم معارض، و لم ألتحق بإحدى الحركات السياسية. أنا لم أسـِـر يوماً في مظاهرة. أنا أتوتر عند رؤية (عسكري) في طريق، و أهاب المرور أمام قسم شرطة.


يا سيدي، أنا لا أشترك في مشاجرة، و لا أبتدى مناقشة أو مجادلة، و أبتعد قدر الإمكان عن الأشخاص المغضوب عليهم، أعضاء الجماعات المحظورة، و الأفكار الممنوعة. أنا أتبع القانون بحذافيره، ما يعجبني فيه و ما لا يعجبني. أنا أدفع الضريبة، و أسدد المخالفة، و أتكلم بأدب و احترام مع ممثلي النظام. أنا لا أتابع البرامج السياسية الجريئة، و لا أشجّع أحداً على إبداء رأيه بحرية. أنا لا أقرأ المقالات السياسية، و لا الشعر السياسي، و لا أقرأ جرائد المعارضة، و لا المواقع المناهضة. أنا لا أتدخل في رأي الدولة و لا في أحكامها. أنا مقتنع أن ما تفعلونه هو الصواب، و فيه الخير الوفير، لا يهم لمن يذهب هذا الخير، فهو حين يذهب إلى جيوبكم، إلى بيوتكم، إلى حسابات بنوككم كأنه تماماً دخل جيوبنا و بيوتنا.


يا سيدي، أنا فرد من أفراد الشعب الساكت. أنا حتى عندما أذكر الله أذكره سراً، أخشى أنا يكون في ذكره علانية شبهة، قد يتم اتهامي بأنني (متدين)، و هي تهمة في بلادي عظيمة. حتى صلاة المسجد تركتها، فهم يعتقلون زوّار المساجد، (يستضيفونهم) في مكان ما، يعلـّـمونهم الدين الصحيح؛ (أطيعوا أولي الأمر منكم).


يا سيدي، بعدما انقضى اليوم الخامس و العشرين على وجودي في ضيافتكم، أيقنتُ أنني مذنب، أخطأتُ في حق نفسي أولاً، و أيضاً أخطأتُ في حق دولتكم. تأكدتُ من أنني مجرم أستحق كل ما حدث لي في الأيام الماضية. لقد تعلـّمتُ الصيام الحق في ضيافتكم، و تعلـّمتُ العزلة و الصمت، دأب المتقين، و تعلـّمتُ الخوف الذي ينجو به الفأر في الجحر، و الدود في الأرض. تعلـّمتُ دينـاً جديداً، أقنعتموني أنه خيرٌ من ديني؛ أنّ ما لقيصر لقيصر، و ما لله فهو أيضاً لقيصر. فهل تريد منـّي أيضاً يا سيدي أن أسبّح الليل و النهار باسم قيصر !


يا سيدي، هل يمكن أن أرجع لأولادي الآن!؟ أقسم أنني لن أتقدم بشكوى بعد اليوم!



( من مذكرات المواطن رقم 54354 )





أحـمـد فـايـز



هناك تعليقان (2):

alo2ah يقول...

لا تعليق بجد ..
لا شيء يقال !

WINNER يقول...



آلاء.
مرحب بيكي.

الوضع مزري. مؤلم بدرجة تدعو للصمت.

شرفتينا يافندم.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك