18 مايو 2010

الاحتراق الداخلي


 

لا أدري السبب الحقيقي وراء الكتابة السريالية في الأوقات العصيبة.
ربما هو الضغط العصبي.
و ربما غرابة الأطوار التي تصبح أكثر وضوحاً في مثل هذه الأوقات.
إنه الاختناق.
اختناق داخلي.
على وزن احتراق داخلي.
ذلك الذي يحدث في محرك السيارة.
و هو نفس الفكرة تقريباً.
من دون نار فعلية يتبدد الوقود، و يتحول من طاقة كيميائية إلى طاقة حركية.
و الاختناق الداخلي من دون نار فعلية تنبّه المقربين أني أحترق، ساعدوني، اطفئوا تلك النار التي تأكلني حياً.
تحوّل هذه النار طاقتي الإنسانية إلى غبار.
ماذا تفعل حين تكتشف حريقـاً !
تسعى لإخماده !
فلماذا لا تسعى لإخمادي !
ربما نسعى لإخماد الحرائق الفعلية لأننا في الأساس نخشى على أنفسنا منها.
مجرد أنانية إنسانية.
أو لأن حواسنا البدائية يمكنها إبصار النار في الهشيم، و لا يمكنها ملاحظة الأرواح المحترقة، المتفحمة، تلك التي تصرخ بصوت لا تسمعه الآذان العادية.


عندما يصرخ فرانكشتين بوجهه القبيح، يزيدونه ضرباً و تنكيلاً.
هو الوحش.
و هم الملائكة المطهّرون.
و يعود كل واحد منهم بعد قتله إلا بيته.
يحضر قنينة الخمر.
و يأوي إلى فراشه مع أي جارية من جواري المنزل الفخم.
و يصف فرانكشتين بالوحش القبيح.
مرايانا لا ترى حقـاً.
و نحن أيضاً لا نرى.
نعلم أن المرآة تظهر الصور معكوسة.
أكررها، المرآة تظهر الصور معكوسة.
فهل فهم أحد هذه الخدعة !


تستيقظ في الصباح من سرير زوجها و تقف أمام المرآة.
هي على موعد مع عشيقها.
ترى نفسها جميلة جداً.
رقيقة جداً.
إنها ملائكية جداً.
إنها المرآة.
نحن في الحقيقة لا نرى أنفسنا.
هل سبق لأحدكم أن رآى وجهه إلا فى مرآة، أو ما يشبه المرآة !
لم يحدث.
و لن يحدث.
إننا مخادعون.
و مخدوعون.


يقف تحت السماء في يوم مطير.
أيتها السماء امطري علينا حجارة.
اقتلي كل من في المدينة، حتى الأطفال.
فنسل المدينة لن يأتي إلا بمزيد من المجرمين.
بمزيد من المتغطرسين.
و مزيد من أكلة لحم الموتى، و الأحياء.
أيتها السماء لا ترحمي أحداً بعد اليوم.
اغرقينا.


و تتحرك السيارة.
و في كل دورة لعجلاتها يحترق الوقود.
تتكسر روابط جزيئاته.
و تنطلق الطاقة الهائلة تدفع السيارة دفعـاً.
و لأنها جامدة.
لا تشعر.
لا تبحث عمن يطفئ تلك النار.
ذلك الاحتراق الداخلي.
بل تتوقف عند أقرب محطة وقود !


يا صديقي لا تعتقد أنني راض ٍ عن نفسي.
لا تعتقد أنني سعيد، حتى و لو لم تفارق البسمة شفتي.
و لو رأيت لمعة السعادة في عيني.
فلعلها من أثر بخار خفيف من مخلفات احتراقي الداخلي.
لو أقسمتُ لكَ أني سعيد فلا تصدق.
افتح غطاء السيارة و ضع يدك على محركها الدائر.
و اسأله، هل أنت سعيد !
ستجيبكَ حرارته.


و يسألني المارة في الطريق.
هل أنت طبيب ؟
أتردد.
هل أخبرهم بالحقيقة !
كيف أكون طبيباً و أعجز عن مداواة نفسي !
يحضرون إلىّ فتاة صغيرة، عمرها لا يتجاوز الخامسة عشر.
يقولون أنها لا تتكلم.
يطلبون منـّي أن أشفيها.
أو لعلي أدعو لها بالشفاء !
أسألها: " ماذا بكِ ؟ ".
لا تجيب.
" هل أنتِ جائعة ؟ ".
لا ترد.
" هل تقبلين الزواج مني ؟ ".
تبتسم !


و المرأة العجوز منتظرة خطيبها الذي لم يأتي.
و لن يأتي.
إنها عجوز الاحتراق الداخلي.
يمكنكم رؤية آثار الاحتراق على يديها الضعيفتين.
تجلس عند عتبة المسجد.
اعطني لكي أحضر طعاماً.
أمد يدي في جيبي.
أبحث عن أي مال.
كل المال احترق.
أخرجه ورقـاً محترقـاً، مهترئـاً، أسود.
أنثره.
لكن حمداً لله، هناك المال المعدني.
لم يحترق.
أعطيها كل ما في جيبي من أموالي المعدنية.
تمد يدها و تأخذ كل المال.
و تمد يدها الأخرى و تفتح صدري.
و تسكب كوب ماء بارد على محركي المحترق.
يفور الماء.
يغلي.
و أبرد قليلاً.
أرحل نحو القطار.
أنتظر ساعة.
اثنتين.
لقد سقط القطار من فوق الجسر في النهر الواسع.
و كل ركابه موتى.
و الشرطة تحقق في الواقعة.
و أعود أنا من جديد إلى بيتي الحار المحترق.
أجلس في غرفتي.
أسأل نفسي سؤالاً أعرف أنني سألته لها مرات عديدة.
" إلى متى ؟! ".


و يظل المحرك الدائر يحترق.
و فرانكشتين مقيد اليدين عند البحر.
و الغوغاء يضربونه بالحجارة و العصي.
و يرحلون عند المساء إلى مضاجعهم النجسة.
يشعرون أنهم أفضل منه.
و لا زال يصرخ في السماء.
اهلكينا.
اغرقينا.
لا تنجب هذه المدينة سوى المجرمين و المحتالين و المجانين.


و أنا.
أنا لا زلتُ منتظراً على قارعة الطريق.
محركي المحترق تعب.
أنتظر مرور أي شخص لأقترض منه كفـاً بارداً.
كوب ماء.
و على الرغم من انتظاري طوال الثلاثمائة عام الماضية، فليس أمامي سوى انتظار هذا الغريب الذي يمكنه أن يخفف من حدة احتراقي الداخلي.


أرجوكَ، إذا رأيتني أحترق، فلا تتهمني بالكسل و الإجرام و الغلظة.
ألا تراني أحترق !
أمهلني حتى أنطفئ.
أو لتكن كريماً و تمد لي كفـاً طيبة.



هناك 8 تعليقات:

غير معرف يقول...

ندى....
جميلة أوي فعلا ...
جميل انك تقدر تعبر عما يجول بداخلك..
لاننا ان لم نتحدث ولو بالقليل سوف نصاب بالجنون ...
فعلا الختناق الداخلي ماهو الا احتراق داخلي ممكن يقضي على الانسان ويدمره ..
لاننا أصبحنا في زمن كل انسان فيه تكفيه مشاكله ويا سلام لو يقدر يسلف الآخرين شوية يبقى خير وبركة...بس للأسف لانسان الآخر مش حيلاقي حد يشيل عنه...جزاك الله خيرا

Big Code يقول...

رائعة جدا
بالفعل هي غاية في الروعة
كما انها حزينة

جميل ان يكتب المرء ما يدور بداخله بهذا الشكل

طالبة مقهورة ..درجة أولى يقول...

توقيت غريب يتزامن مع حالة الكآبة المزمنة اللي جتلي :(

انا بولع زيك بس مش منتظرة حد يطفيني..

انا لازم اكفي نفسي واطفي نفسي بنفسي..

مش هطلب من حد انه يساعدني مهما كنت محتاجة مساعدة

لان فيه حجات لو طلبناها بنحس اننا بنشحتها..كرامتي مش بتسمحلي

وبما ان انت شكلك بتحترق بجد..انا ممكن اطلبلك المطافي

متخفش مش هسيبك

WINNER يقول...



ندى.
شكراً.
فعلاً شئ جيد إن الشخص يقدر يعبر عن اللي جواه.
مش بالضرورة يكون الشخص ده أنا. أنا مجرد كاتب كثيراً ما أختلق الشعور و الكلمة.

نورتي يافندم.


WINNER يقول...



Big Code.
شكراً ليك.
هي بالفعل حزينة.
الصراع الداخلي أشبه بحلم أو كابوس. ممكن كتير ما يكونش واضح، لكنه في النهاية بيدي شعور في مجمله، سعيد أو حزين، و في الحالة دي كان حزين.

WINNER يقول...



رضوى.
لو لقيتي حد يساعدك ما تبخليش على نفسك بالفرصة دي.

و مش مستاهلة مطافي، كفاية كوباية مية :)


alo2ah يقول...

:) المشكلة الوحيدة بهذه التدوينة انني مش بمودها بالتالي صعب أقدر ادخل مزاجها
><
بالتالي شايفة ان مزاجها نكدي جدا .. :$
بس يعني - ولا مش تعليق لزيادة عدد التعليقات تعليق غريب .. !

WINNER يقول...



ألاء.
المشكلة في هذا النوع من الكتابة أنه يحتاج تركيز و فك شفرة. لأن الكلام غير مباشر و غير مفهوم من المنظور البسيط.

في البداية أنا وضحت إنها كتابة سريالية. تقصد شئ لكنها لا تقوله.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك