31 يوليو 2010

الكائنات الذكية




ربما كان لاكتشاف النار الأثر الأعظم في حياة البشرية، اكتشاف الحديد، اكتشاف الكهرباء، أو اكتشاف العناصر المشعّة. كل شئ يؤثر، وكل شئ يأخذ مكانه في التاريخ، والحاضر، وفي المستقبل. ما اكتشفه الإنسان من ملايين السنين لايزال يُستخدم حتى اليوم، ولايزال الإنسان يبحث في الأرض ويكتشف أشياءً جديدة.


فك شفرة الحمض النووي كان ثورة حقيقية في علم الأحياء، وحتى اليوم نجني ثمار هذا الاكتشاف. علم الجينات والوراثة قائم على الجينات الموجودة في نواة الخلية. الخلية الحية التي لا تـُرى بالعين المجرّدة، ولا يمكن معرفة تفاصيلها إلا بتكبيرها آلاف المرات، هذه الخلية تحتوي على نواة، والنواة تحتوي على الحمض النووي (DNA)، والحمض النووي يحتوي على الكروموسومات، والكروموسومات تحتوي على الجينات، والجينات عبارة عن تسلسل معين من الجزيئات، والجزيئات تتكون من ذرات عناصر مختلفة. الجينات تحمل كل المعلومات المتعلقة بتكوين الإنسان، ملايين المعلومات، والجينات مرتبة بدقة شديدة بحيث أن أبسط تغيير في هذا الترتيب قد ينتج عنه كارثة. كيف يمكن لخلية تقاس بالميكروميتر أن تحمل هذا الكم الهائل من المعلومات! إنه إتقان بالغ في خلق الإنسان.


الإنسان يكتشف ويخترع، ويصنع أموراً قد تبدو مستحيلة للبعض. هذا العقل البشري البالغ التعقيد تمكّن من أن يجعل كتلة هائلة من الحديد تطير في الهواء (الطائرة). واستطاع أن يجعل هذه الكتلة الضخمة تقاوم الجاذبية الأرضية، وتنطلق بسرعة هائلة، وتخرج عن غلاف الأرض الجوي، وتصل إلى القمر (مركبة الفضاء)، ويخرج إنسان يرتدي ملابسة غريبة ويسير على سطح القمر. إنه خيال من الصعب تصديقه!


كيف تمكّن الإنسان من صنع قنبلة تزن عدة أطنان، وتمتلك قدرة تدميرية هائلة! قنبلة تفوقت قدرتها التدميرية على القوة التدميرية للزلازل والبراكين. قديماً كان المحارب يحمل سيفاً أو قوساً، وبمهارة يستطيع أن يقتل شخصاً آخر. اليوم يمكن أن تُسقـط قنبلة واحدة باستخدام طائرة وتقتل مئات الآلاف في لحظة واحدة. كما يمكن أن تنتج غازاً ساماً، أو فيروساً قاتلاً، وتبيد أي عدد من البشر ترغب في القضاء عليه. للعلم جوانب سيئة.


بدلاً من أن تنطلق بالناقة في مسيرة شهر للوصول إلى مكان ما، يمكن الآن اختصار هذه المدة إلى عدة أيام، أو إلى عدة ساعات، أو إلى عدة دقائق، ومن يدري ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك! كل يوم الوقت يختلف مفهومه بالنسبة لنا.




ليس من الضروري أن تسافر مئات الأميال لتحصل على معلومة، بعدّة ضربات على بعض الأزرار تجد المعلومة أمامكَ على زجاجة سحرية. ليس من الضروري أن تسافر بعيداً لتوصل رسالة أو تزور شخصاً، يمكنكَ أن تجلس في مكانكَ وتكلمه وبينكَ وبينه أراضٍ وبحار. لابد أن هذا نوع من السحر!



لقد تفوّق الإنسان على السحر، وكل يوم يثبت العقل البشري أنه معجزة، وأن ما يحدث كل يوم هو خيال لا يمكن أن تدركه العقول البسيطة. هذه الكتلة اللزجة من الخلايا، على الرغم من وجودها في عدد كبير من الكائنات الحية، إلا أنها في الإنسان تصنع معجزات، ولم يتمكّن أي كائن حي آخر أن يصنع ما صنعه الإنسان.




أحمد فايز



30 يوليو 2010

أنا أحبُّكِ





أنا أحبك

لِمَ تقاتلُ وأنتَ تعلَمُ جيّداً
ألّا سبيلَ إلى الرجوعِ
ولا تفيدُ مقاوَمةْ!
ترفضُ أنْ تستعينَ بشجاعةٍ أهملْتَها
وتنتظرْ
وتقولُ: (لو تأتي!)
و(لو تدري!)
ويزيدُ انتظارُكَ بعدَ عامٍ
ألفَ عامْ
وتتوهُ في دنيا الزحامْ
تنتشي بالخمرِ حِيناً
وتُجرِّبُ الإبحارَ في دنيا الخَدَرْ
تستنشقُ الهَمَّ المُميتَ
وتحقنُ الشكَّ الرهيبَ إلى الوريدِ
وتلتقي في الحُلْمِ بالحُلْمِ العنيدِ
ولا خَبَرْ
..
يتطلّبُ الأمرُ ثانيتيْنْ
وخُطوتيْنْ
وكلمتيْنِ بسيطتيْنْ
(أنا أُحِبُّكِ)
وتنتهي من بؤسِكَ
ويبتدى عمرٌ جديدْ
إمّا تعيشُ منعّماً في الحُبِّ
أو لن تعيشْ
..
لا فائدةْ
من العيشِ في المنطقةِ المُحايدةْ
والحَلِّ الوسيطِ
والانتظارِ المَقيتِ
وقد تموتُ
في الحالتينِ ستستريحُ
من عناءِ الصمتِ
والحُبِّ القعيدْ
..
اسمحْ لنفسِكَ أنْ تطيرَ
واكسرْ حواجزَ العمرِ السجينِ
أيُّها الإنسانُ لِمَ تخشى الرجوعَ!
فكما من الطينِ ابتدأتَ
فحتماً تعودُ لِنَفْسِ الطينِ
شكّلْ قوالبَ عمرِكَ المكسورِ
واصنعْ شموساً
وانعكساتِ الضياءِ على البحرِ الفسيحْ
واسمحْ لنفسِكَ أنْ تصيحْ
قد يستغرقُ مِنْكَ الأمرُ ثانيتيْنْ
وخطوتيْنْ
وكلمتيْنِ بسيطتيْنْ
(أنا أُحِبُّكِ)
وانتظِرْ
ستقولُ أنّ رغمَ تأخّرِ الكلماتِ
تقبَلُها
وتعذرُ الصمتَ الحزينَ
أو قد تسيرْ
توليكَ ظهرَ جمودِها
ولا تستديرْ
وتصفعُ في وجهِ الهوى
بابَ الدخولْ
أو قد تقولْ:
(تبّاً لهذا الانتظارْ)
فكم ضيّعَتْ هفواتُنا عمراً طويلاً
وانتظرنا من الأيامِ أنْ تصفو
وتتخذَ القرارْ
وجلسنا مكتوفي الأيادي
في محطّةِ القطارْ
والناسُ يمرّونَ من حولِنا
والبوقُ يزعقُ
والأجراسُ تنهرُنا
وانتظرنا ساعةً
ثم افترقنا
رغمَ أنّ الأمرَ كانَ ليستغرقَ ثانيتيْنْ
وخطوتيْنْ
وكلمتيْنِ بسيطتيْنْ
(أنا أُحِبُّكِ)
..


أحمد فايز


24 يوليو 2010

إنسان الغاب طويل الناب


إنسان الغاب طويل الناب



وضع الكثيرون قواعد أو خطوات لحل المشاكل. أكثر من طريقة تم العمل بها سواء في المؤسسات أو المنظمات أو حتى كطريقة لحل المشاكل الفردية. قد يختلف البعض في عدد الخطوات التي يتم اتباعها لحل المشكلة. لكن، معظم استراتيجيات حل المشاكل يمكن العمل بها وستعطي نتائج إيجابية. يمكن استخدام خطوات كهذه:
  1. تحديد المشكلة.
  2. تحليل المشكلة.
  3. أيجاد الحلول الممكنة واختيار الحل الأنسب.
  4. وضع خطة عمل لحل المشكلة.
  5. تطبيق خطة العمل.
  6. تقييم النتائج.

يمكن باستخدام هذه خطوات أن تحل أي مشكلة تواجهها؛ مشكلة مادية، شخصية، مشكلة في العمل، في البيت، مشكلة اجتماعية، سياسية. ميزة هذه الأساليب الفعالة لحل المشاكل هي النظام وعدم إغفال نقاط مهمة أثناء تناول المشكلة.

ما لاحظته في مجتمعاتنا العربية بشكل عام أننا لا نستخدم الأساليب الحديثة للإدارة والتنظيم وحل المشاكل وإدارة الأزمات واتخاذ القرار، سواء على المستوى المؤسسي أو المستوى الفردي!
ربما يعتقد البعض أن استخدام هذه الاستراتيجيات هو من باب التعقيد، أو تقليد دول العالم الأول، لكن هذه الأساليب أثبتت كفاءة وفاعلية، ومَن يعتقد أن الدول المتقدمة وصلتْ إلى ما هي فيه بسبب الموارد الهائلة أو العبقريات الفذة لأفرادها فهو مخطئ، فهذه الدول طوّرتْ أنظمة حديثة لإدارة كل شئ، والعمل بمبادئ التطوير المستمر. دولة مثل اليابان لا تملك أي موارد تذكر لم تتقدم إلا باستخدام أساليب كهذه لاستغلال أقل الموارد والاستفادة من كل عقل لإنتاج أكبر قدر ممكن من الفائدة.

في مجتمعاتنا يمكنكَ أن تسمع عبارة مثل (عارف إيه المشكلة؟) ويتوقف الحديث عند هذا الحد، عند تحديد المشكلة -إذا تم تحديدها بشكل صحيح- ولا نتقدم إلى ما بعد ذلك من إيجاد الحلول وتطبيقها ومتابعة النتائج وإصلاح الأخطاء. نحن متوقفون عند البحث عن المشكلات، ويمكن أن نبحث فيها، لكن عشرات الخطوات بعد ذلك لا يتم الالتفات إليها.
أجد الفرحة على وجوه السادة الحضور في برنامج تليفزيوني أو مؤتمر، يبحثون عن حلول للمشاكل، ولا يفعلون شيئاً سوى البحث عن المشكلة، وإذا فتح الله عليهم وتوصلوا لحلول، فنادراً ما يتم تطبيقها، وإذا حدث الاستثناء وطُبقت الحلول، فغالباً لا ننظر للأمر مرة أخرى حتى وإن لم تفلح الحلول الأولية أو عادت المشكلة للظهور مرة أخرى.

بالتأكيد لدينا مشكلة كبيرة مع وضع الاستراتيجيات وتطبيقها، مع أنها نظام حياة بسيط جداً، ليس بالضرورة وضع دراسة جدوى لكل خطوة من حياتنا اليومية، لكن عندما أجد شخصاً يضع قائمة بالأشياء التي سيشتريها من المتجر، أجد عقلية تفكر بشكل سليم، فأمر بسيط مثل هذا أثبت أنه يوفر في الوقت والجهد والمال. وضع جدول للدراسة أيضاً يوفر في الوقت والجهد ويساعد بشكل كبير في العملية الدراسية.


نحن نفتقر إلى أساسيات التفكير السليم، وذلك لأننا لم ننشّأ على ذلك، لا في البيت، ولا في المدرسة، ولا في الجامعة، ولا في المجتمع. وجيل بعد جيل، نتوارث الجهل والفقر والتأخر، نبدو للعالم كبشر من الدرجة الثالثة فيطلقون علينا (العالم الثالث)، وكما ورثنا جهلنا بالتطور والتقدم عن آبائنا، فنحن نورثه لأبنائنا، وتستمر الدائرة في الدوران بدون توقف. هذا المجتمع الذي يتكون من أفراد -نحن- لا يمكن أن يتقدم أو يتطور إلا بتطوّر أفراده -نحن- وهذا لن يحدث ونحن لا زلنا نعيش (بالبركة)، ونتعامل مع الحياة بشكل عشوائي، ونفكر بعقلية إنسان الغاب طويل الناب.


 أحمد فايز 

23 يوليو 2010

احفظ الله يحفظك






عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: كنت خلف النبي (صلى الله عليه وسلم) يوماً فقال:
 
(يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح



21 يوليو 2010

اختيارات حذرة



 اختيارات حذِرة 




ربما قد يبدو غريباً في بعض الأحيان أن نتمنى أمنيات غريبة، أو أن نحلم بأحلام غير ممكنة. لكن، في أحيان أخرى، قد تبدو الأمنيات الغريبة والأحلام غير الممكنة أقرب ما يكون إلى المحتمل.


يمكن لشخص مستلقٍ تحت القمر أن يحلم برفقة طيبة، أو بسفينة فضاء، أيهما أقرب إلى واقعه. يمكن لنفس الشخص، في نفس الموقع، أن يحلم بحلمين مختلفين تماماً، بناءً على حالته المزاجية. يمكن للحالة المزاجية أن تغيّر نظرتنا للحياة بشكل كامل، وأن تحدد ردود أفعالنا، وأحياناً مستقبلنا.

تخيل في واحد من تلك الأيام السيئة التي قد يمر بها أي شخص، تخيل أن تأتيكَ الفرصة للتجوّل على سطح القمر، بينما أنتَ في أمسِّ الحاجة لرفيق يستمع إليكَ بقلبه، فبمَ يفيدكَ القمر! ربما تضيّع رفقة طيبة من أجل هوس مبالغ فيه بزيارة قصيرة للقمر، والتي ربما لن يكون لها أي أثر في حياتك المستقبلية. هذا الشخص، في هذا المكان، في هذا الزمان يملك اختيارين، واختياره سيحدد مسار حياته بعد ذلك، اختياره سيرافقه لبقية عمره.


غالباً ما نقع في ورطة الاختيار، ربما بشكل يومي؛ شاي أم قهوة، مكرونة أم أرز. لكن، معظم الاختيارات تكون بالبساطة التي لن يضر إن اخترنا الجانب الخطأ. لكن، دوماً هناك تلك الاختيارات التي ستخلـّف وراءها تأثيراً يستحق أن نتوقف لحظة، نحدد مواقعنا، أفكارنا، نوازعنا، أمزجتنا، أحلامنا، هواجسنا، توقعاتنا، ونكون حذرين جداً عند الاختيار.




أحمد فايز



18 يوليو 2010

مطلوب عدد واحد أنثى

مطلوب عدد واحد أنثى



"مطلوب عدد واحد أنثى، أبيض يميل إلى الحمرة، ذات هيئة مبهجة، مظهر لائق، ساقان طويلتان، وقوام ممشوق، وذلك لشغل منصب سكرتيرة بإحدى شركات القطاع الخاص"!


هذه النوعية من الإعلانات التي تطلب (إناث) لشغل وظائف، والتي تشترط أشياءً معينة، وأيضاً الدعاية التي تستخدم الـ(Models) للترويج لسلعها، كل هذا استخفاف واضح وصريح بشخص المرأة، ويحزنني جداً أن توجد امرأة تتقدم لشغل وظيفة تتطلب مقومات جسمانية معينة، أو امرأة تروّج لسلعة باستخدام نفسها، هؤلاء هنّ من يسِئنَ للمرأة ويضيّعنَ حقوقها.


قلّما تجد إعلاناً تجارياً لا يستخدم امرأة ليجذب انتباه المشاهد، وأيّا كان نوع السلعة التي يُعلَن عنها، فصورة المرأة الجميلة جزء أساسي من هذه الدعاية. إعلانات سيراميك، تليفزيونات، سيارات، تقريباً أي شئ. هذه الدعاية تعتمد على صورة هذه المرأة لجذب انتباه المشاهد للمتابعة أولاً، ثم جذبه كعميل بعد ذلك. والأسئلة التي تطرح نفسها؛ إعلان عن تليفزيون، ما قيمة وجود امرأة جميلة تتحرك برقة ودلال حول الجهاز! وكيف يمكن جذب شخص لشراء تليفزيون لمجرد أن امرأة في الدعاية كانت تتحرك حوله! هل تُرفَق هذه المرأة مع الجهاز! وما الذي تعرضه المرأة في هذه الإعلانات سوى جمالها/ جسدها!


الأفلام السينمائية التي تعرض مشاهد لامرأة غير محتشمة أو التي تصوّر موقفاً خاصاً، والتي تُبرَّر أحياناً بأهميتها في النص لعرض قصة أو إيصال رسالة، وكأنكَ ترسل رسالة لشخص مدخن عن طريق أن تعرض له مدخنين، أو أن تمنع الشباب من تعاطي المخدرات بأن تعرض لهم طرق تعاطي المخدرات في فيلم. نشر هذه المشاهد الفاضحة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون عملاً إصلاحياً، هو مجرد عمل يجذب مشاهد ليدفع نقود، فكر تجاري بحت. شخصية الفتاة اللعوب التي تظهر غير محتشمة في الفيلم ليست من أجل إصلاح المجتمع وتحذيره من أمثالها. وهنا أيضاً يستخدم أهل صناعة السينما المرأة بأسوأ صورة بأن يحوّلوها إلى أداة ترضي ذوق نوعية معينة من المشاهدين.


إذا كانت المرأة تريد أن تأخذ حقها من أحد، فعليها أن تبدأ أولاً بأخذ حقها من كل امرأة تسئ إلى شخص المرأة عن طريق عرض نفسها بشكل رخيص في دعاية أو إعلام. يجب أن تؤخذ المرأة بجدية، وهذه الجدية لن تتوافر في المعاملة إلا عندما تبدأ المرأة في التصرف بجدية، وتستخدم أدواتها العديدة التي تمتلكها غير مجرد الجسد. ويجب أن تمنع المرأة هذه المحاولات التي تضعها في تصنيف مجحف، عن طريق عرضها كأداة متعة في الأسواق، وتمنع كل امرأة تضر بقضية المرأة، تمنع كل امرأة تسمح ببيع نفسها لإمتاع المشاهدين، تمنع كل امرأة تقضي على فرص المرأة في أن تؤخذ بجدية وتخاطَب كشخص له عقل وروح.



 أحمد فايز 



17 يوليو 2010

عالم غريبة


عالم غريبة




هناك دوماً اختلافات في الأذواق والاهتمامات بين الأشخاص، هذا وارد بين البشر الطبيعيين. غير الطبيعي أن ترفض الاختلاف جملة وتفصيلاً، أو أن تعتبر أن اختلافكَ طبيعي بينما اختلاف غيركَ غريب.


أنا لا أتابع آخر الألبومات الغنائية، ولا أخبار المطربين والمطربات، ولا أهتم بالمطربين الذين يتكاثرون يومياً -ربما بالتبرعم- ليخرج إلينا عدد هائل منهم.

عصر الأغنية الحديثة نشأ في ثلاث دقائق، وهي مدة الأغنية، مع موسيقى سريعة، وكلمات قد لا تتمكن من متابعة معظمها، أو أنها نفس الكلمات التي تُغنّى لكن بترتيب مختلف.

العصر القديم للأغنية نشأ في وقت أطول، ربما أفضل من العصر الحالي، لكنّي لستُ من عشاق أم كلثوم ولا نجاة أو فيروز، ولا أهتم بما يقوله عبد الحليم أو عبد الوهاب. أتعجّب من تعجب الآخرين من الذين لا يحبون هؤلاء المطربين، وكأن حب أم كلثوم أمر واجب، أو أن أغنيات عبد الحليم من أساسيات الحياة. كل شخص من حقه أن يضع أولوياته، وأن يحدد ما يهمه وما لا يهمه، وهذا شأن كل شخص وحده دون مراقبة أذواق الآخرين.

لست من معسكر (تمّورة) ولا (عمّورة). الانضمام إلى معسكر يشجع مطرب، أو الركض والصراخ خلفه هو تصرف غير منطقي وغير عقلاني.

لن أتجادل مع شخص يعتقد أن هناك مطرباً أو أغنية غيرت مجرى التاريخ، ولا مع شخص يتأثر مستوى وعيه بأغنية. لا أجبر شخصاً على التخلي عن مطربه المفضل، لكن أتعجب عندما يستغرب شخص أنني لستُ معجباً بالمطرب الفلاني أو أن الأغنية الفلانية لم تؤثر فيّ. إذا كان من حقكَ أن تحب أو تهتم، فمن حقي ألا أحب وألا أهتم.


لا أتابع المسلسلات، لن أستطيع مشاهدة قصة تُحكى في ثلاثين حلقة، ليس عندي الوقت والجهد والصبر لذلك، ولا فائدة من مشاهدة حلقة واحدة منها. (ربما بعض المسلسلات غير المترابطة الحلقات). لا أكترث لأحدث الأفلام التي في دور العرض، ولا التي تُعرض على شاشات التليفزيون، ليس هناك ما يدعو للمشاهدة. واقع لا أحتاج لمن يخبرني عنه، كوميديا مملة، صاخبة، رديئة. رومانسية مكررة، ساذجة أو سيئة. والأكشن ضعيف جداً. لا أنكر وجود بعض الأعمال الجيدة، لكن الكثرة السيئة تغلب.


لا أكترث لعدد الأصدقاء في قائمة (الفيس بوك)، يهمني من يكونون لا مجرد عددهم، ولذلك لا أهتم بإضافة أشخاص لا أعرفهم، وأتعجب جداً عندما أجد أن شخصاً يملك آلاف الأصدقاء. يجب أن يربطني بالشخص الذي سأسمح له بمتابعة أخباري، ومشاهدة صوري، ومعرفة أصدقائي، يجب أن يربطني به شئ أكثر من أن كلينا يملك حاسوباً واتصالاً بالانترنت.

لا أستخدم برامج (الشات) ولا أقوم بهذه المحادثات على النت. الدردشة يمكن أن تتم على الهاتف من دون كل هذه الكتابة، والشخص الذي لا يمكنني مكالمته تليفونياً ليس من المهم إجراء محادثة معه على برنامج محادثة. يمكنني استقبال الرسائل الإلكترونية إذا كانت تحتوي موضوعاً معيناً ومحدداً، الرسائل الإلكترونية وسيلة جيدة للتواصل الذي لا يتطلب محادثات كثيرة.


لا أحب الحفلات وخصوصاً (الأفراح)، لا أحب الصخب و(الدوشة). لا أحب التجمعات الكبيرة، والتواجد مع أشخاص لا أعرفهم. هناك سن لبناء الصداقات، بعد هذا السن يصبح بناء الصداقات صعباً، يمكن فقط التعرف على الأشخاص، وأنا قد تخطيتُ هذا السن، أو ربما أنا لديّ مشكلة في تكوين الصداقات أو التعرّف على الأشخاص!


قد يعتبرنا بعض الأشخاص غريبين، لكن إذا نظرتَ إلى أي شخص قد تجده غريباً، وهذا لأن الأشخاص ليسوا متشابهين. الأشخاص عادةً يندمجون ويتآلفون مع الأشخاص الذين يشاركونهم الاهتمامات أو الصفات، ولذلك تجد محبي المطرب الفلاني متقاربين، ومحبي الفريق الفلاني متقاربين، ومحبي نمط المعيشة الفلاني متقاربين، وعند الاختلاف يكون التنافر والتباعد. يمكننا أن نتعامل مع اختلافاتنا بشكل أكثر تحضّراً. يمكننا البحث بشكل منطقي ومحاولة الوصول لنقطة اتفاق. يمكننا أن نتقبّل اختلافاتنا، تلك التي لن نستطيع تغييرها. عند الاختلاف حول أمر ما يمكن أن يطرح كل طرف وجهة نظره، وجهة النظر المؤيدة، ووجهة النظر المعارضة، يمكن أن يقتنع أحد الطرفين، أو أن يبقى الوضع كما هو عليه.



 أحمد فايز 


15 يوليو 2010

الرسالة الأخيرة


الرسالة الأخيرة




ربما، ربما في عالم آخر كنا لنصبح حبيبين، ربما زوجين، وربما صديقين. اليوم، وبعد مرور عام ونصف، اليوم أطلق سراحكِ. اليوم أفتح الصندوق، وأسمح للفراشات الوردية والزرقاء بأن تطير. اليوم يمكنني الابتسام لتلك الفراشات وأنا أراها تحلّق بعيداً عنّي نحو النور، بعد أن كنتُ أُطعِمها صباحاً من أصابعي ومساءً من قلبي. اليوم أتركها تحدد مصيرها في هذا العالم بإرادتها الحرة دون قيود.


لقد استغرقني الأمر وقتاً طويلاً لأتأقالم، لأغضب، لأهدأ. استغرقني الأمر وقتاً طويلاً لأعشق كل النساء، ثم لأكره كل النساء. هل أخبرتكِ أنّي بعدكِ صرتُ أحمل بُغضاً لكل النساء! هُنّ لم يجرمنَ ولم يذنبنَ سوى أنهنّ من نفس جنسكِ. أعرف أنهنّ بريئات من الذنب والخطيئة، ولذلك اليوم أبتسم وأنا أكتب إليكِ خطاباً أخيراً، وكالعادة لن أرسله. اليوم نتحرر سوياً.


كل الإشارات والعلامات توجّهني نحو الألم، وأنا بطبعي مقاوم للألم. ربما تعوّدتُ على الألم في سنوات سابقة، أو في حيوات سابقة. أستلقي على فراش الألم، أسير بطُرُقات الألم، وأشعر بألم شديد عندما أُبصر امرأة في طريق وأكتشف أنني لن أعود إلى بيتي لأجدكِ فيه. ألم مبرح.


اعتقدتُ دوماً أنني لن أبلغ عامي الثلاثين، ربما هو السرطان، يبدو كمرض منتشر سهل الحصول عليه، وربما مرض في الشرايين، أمراض الشرايين أيضاً منتشرة، أو قد ينتهي الأمر في طريق أمام سيارة مسرعة. قررتُ أن أستمتع قدر استطاعتي قبل الموت، قررتُ أن أتخذ القرارات الهامة والقيام بالأمور الكبيرة، وقررتُ الاستسلام. عندما أفكر في الموت لا أهتم، لا يُحزنني الأمر ولا يفزعني، ربما أفزعني الموت في حياتي كلها مرة واحدة. لم أفكر في الموت بعد أن التقيتكِ، رسمتُ خططاً يستغرق تنفيذها مئات الأعوام، ربما هي السعادة الغامرة، أو الحماقة الشديدة، وأنا لا أمانع مطلقـاً أن أكون أحمقاً سعيداً.


أردتُ اليوم أن ألقي عليكِ التحية وأخبركِ أنه يمكنكِ المُضي بحياتكِ. ربما لن أتمكن من المضي بحياتي بشكلٍ كافٍ حيث أنني مقتنع تماماً أنني لن أكمل عامي الثلاثين وأنا اقتربتُ كثيراً من الثلاثين، لكنني الآن أكثر راحة سواء ككائن حي أو كجسد ميت. أعتقد أنني أشعر براحة كبيرة الآن.


حسناً، إلى اللقاء في حياة أخرى.



أحمد فايز


13 يوليو 2010

في كتاب



في كتاب




تمضي بكفين خاويتين، ترفعهما في اتجاه الشمس، وتبصر الضوء المار عبر الأصابع. تهوي بكفيها نحو الأرض، ترسم أشكالاً بالضوء الغائب فوق الرمل، تصنع دوائر وعصافير وحيوانات. يتحول إصبعها إلى قلم يرسم فوق الرمل المبلل أقواساً، أمواجاً، أزهاراً، وحروفاً. يتطاير خلفها وشاح من الحرير النيلي اللون، ويمتد طرف الثوب ورائها يجرّ الأصداف عند الشط، تسير غير مبالية بالموج الذي يحاول أن يلمس الأقدام، يقبّلها ويرحل.


تحمل كتاباً، رواية رومانسية، والكاتبة امرأة. هي من نوع النساء اللواتي يعشقن قراءة الكتب الرومانسية للكاتبات الحالمات. تجلس فوق الكرسي الممدود، تسترخي، وترفع الكتاب أمام وجهها ليحجب عن عينيها أشعة الشمس، وتستغرق في القراءة. عند الفواصل تستريح، تريح الكتاب فوق صدرها، تغلق العينين، ترسم صوراً في مخيلتها، ثم تعاود القراءة في هدوء. يقترب منها شاب يحاول أن يبدأ معها حديث، يغازلها برقة مصطنعة. تغلق الكتاب، وبكلمات بسيطة تبعده عنها، وتواصل قراءة كتابها المسحور. وبعد ساعتين، ينتهي الكتاب، وتجلس في هدوء، تغلق العينين، وتطلق الخيال.


في هدوءها تقتل كل أمل في ابتداء حديث، وتعيق كل المحاولات المستميتة للاقتراب. أكتفي بالنظر من على بُعد مقعدين، وأطفئ حيرتي في شراب بارد. تقوم من جلستها، وتمر من أمامي، وتلقي إليّ بالكتاب. وفي حيرتي تلقي إليّ أيضاً بكلمة واحدة: "انتظر". انتظرتُ حتى اقترب موعد المغيب، أراها من بعيد بوشاحها النيلي، تسير في هدوء، وكل خطوة من خطواتها تخطو على القلوب. تجلس على الكرسي المجاور لي، تسترخي، تغلق العينين، وتقول في هدوءها المعتاد: "لا تنظر إليّ". أنظر نحو الشمس الراحلة، وأنظر إليها مجدداً فتختفي، وينفتح الكتاب، وعند الفاصل العاشر أجد صورة لها، امرأة بوشاحها النيلي تسير في هدوء عند شاطئ البحر.


في غفوة تجسدتْ تلك الخيالات، وتحوّلت إلى واقع يكاد يكون ملموساً، حتى أننا يمكن أن نلمس الخيال، نشمّه، نسمع الأصوات، نبصر الوجوه والتفاصيل، ونضيع في كتاب.



(من عالم العشق الخيالي)






أحمد فايز



11 يوليو 2010

الرجل الجالس في انتظار الحافلة

الرجل الجالس في انتظار الحافلة



هذا الرجلُ الجالسُ في انتظارِ الحافلةِ هو أنـا.


عندما استلمتُ الرسالة بدأتُ في جمعِ أشيائي في حقيبة. ليس عندي أشياءٌ كثيرة. أسكنُ بغرفةٍ محدودةِ المساحة. جميعُ أشيائي يمكنُ جمعها في حقيبةٍ صغيرة. الأثاثُ القديمُ لا يستحقُّ العناء، والرسومُ التي رسمتها على الجدرانِ لا يمكنُ أخذها معي. لذا احتوتْ الحقيبة على ثوبٍ وحيد وكتابٍ كنتُ قد وجدته عند حاويةِ القمامةِ في الشارعِ المجاور وقلمِ ألوانٍ يرسمُ الأزرقَ الباهت. أغلقتُ بابَ الغرفةِ خلفي وأنا أعلمُ يقيناً أنني لن أعودَ إليها مجدداً.


كنتُ في ذلك اليومِ أشعرُ بسعادةٍ غريبة، لم أتعوّدْ على هذه السعادة، لم أصادفها كثيراً. بخطواتٍ شبه مُسرِعة اتجهتُ مباشرةً نحوَ مكانِ انتظارِ الحافلات والذي يبعدُ أكثرَ من كيلو متر عن مسكني. كنتُ قد اعتدتُ المشي ليلاً ونهاراً فلم يكن يتعبني المشي أبداً وتعلمتُ كيف أقضي وقتي في المشي دون مللٍ أو إرهاق.


عند وصولي لمكانِ انتظارِ الحافلات لم يكن هناك أحد، أعتقدُ أنّ الوقتَ كان مبكراً، ربما الساعة لم تتجاوزْ السادسة صباحاً. جلستُ، وضعتُ حقيبتي إلى جواري، وانتظرتُ. انتظرتُ أكثرَ من ساعةٍ حتى وصولَ أول الحافلات، ولم أستقلها. أخرجتُ الرسالة من جيبي لأقرأها مجدداً وكان مكتوبٌ فيها كلمة واحدة فقط (ارحل) وهذا ما أفعلهُ الآن.


عند وصولِ الحافلة الثانية كنتُ مستعداً لها. في الحقيقة لم أكن أنوي استخدامَ الحافلة للانتقالِ بالشكلِ التقليدي! سأرحلُ بأسلوبٍ مختلف. يقولون أنّ الرسالة التي كانت بحوزتي مكتوبة بخطِّ يدي!


هذا الرجلُ الجالسُ في انتظارِ الحافلةِ لم يَعُدْ أنا بعد الآن!




أحمد فايز


08 يوليو 2010

ASA



ASA
(Arab Space Agency)




عندما اكتشفتُ أن دول العالم الغنية القوية صاحبة الهيمنة والكلمة العليا، عندما عرفتُ أنهم اقتسموا القارة القطبية الجنوبية (انتاركتيكا) ووزعوها بينهم، شعرتُ عندها بالغيظ والغضب، لماذا يأخذ هؤلاء هذه القارة لهم! واقتنعتُ بعد ذلك أنهم هم من وصلوا إليها أولاً، هم من يمتلكون العلم والقوة، وهم أحق الناس بامتلاكها والاستفادة منها.

القارة القطبية الجنوبية ليست مِلكاً لأحد، ولا يحق لأحد استخدامها استخداماً عسكرياً أو تعدينياً. لكن، بعض الدول تعتبر أنها صاحبة ملكيات في القارة المتجمدة، ودول أخرى تمتلك مراكز أبحاث، ومن هذه الدول على سبيل المثال لا الحصر (الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، أستراليا، نيوزيلاندا، الأرجنتين، شيلي، الصين، اليابان، الهند، جنوب أفريقيا، النرويج).

أتساءل، لماذا لا يوجد لمصر مركز أبحاث، أو منطقة تابعة للحكومة المصرية على الأراضي القطبية الجنوبية! لماذا لا يوجد لأي دولة عربية أي تواجد هناك! وأعتقد أن الإجابة بسيطة، وهي لأننا لا نملك من العلم والقوة ما يكفي لنثبت وجودنا. برغم ما نملكه من بترول وثروات طبيعية وأراضٍ زراعية جيدة ومصادر مياه عذبة ومالحة  وطاقات بشرية هائلة وتاريخ طويل عريق، إلا أننا لا نستطيع أن نجمع هذه الأشياء بنظام يسمح بالاستفادة منها.



المريخ الآن -ومنذ وقت طويل- يخضع للبحث المكثف من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية (NASA)، وروسيا، والاتحاد الأوروبي (ESA)، ومؤخراً الصين. هذه الدول ووكالات الفضاء تقوم بأبحاث عديدة لدراسة كوكب المريخ ومستقبل الحياة عليه إن أمكن. هذه الدول ستكون لها الأحقية في امتلاك الكوكب إن أصبحتْ الحياة ممكنة عليه ذات يوم.


علاقة العالم العربي بالفضاء تنحصر في إطلاق الأقمار الصناعية -والتي بالطبع لا نقوم بتصنيعها أو إطلاقها، نحن فقط ندفع ثمنها- وهذه الأقمار الصناعية تقوم بدورها الفعال في نشر القنوات الفضائية العربية المليئة بالهراء، وتساعد في البث المباشر لمباريات كرة القدم! وأتساءل، أين مكاني على كوكب المريخ!




(ملحوظة: لا يوجد في الحقيقة ما يُدعى (ASA) الوكالة العربية للفضاء).




 أحمد فايز 



04 يوليو 2010

قصة رومانسية


قصّة رومانسيّة




برغم أنّ هناك دوماً رغبة جامحة للكتابة/ للتدوين/ للتلوين، وبرغم نشأتي الأدبية على الشعر، وليس أي شعر، وإنما التتلمذ على يـد من (اخترعوا) الشعر العربي الفصيح، العظماء من العصر الجاهلي وحتى المعاصرين، وبرغم كتابتي في معظم الموضوعات الشعرية والنثرية، يبقى موضوع واحد يحتفظ بمركزه الخاص، بخصوصيته المتفرّدة، إنه الموضوع الذي يشغـل معظم الإنتاج الشعري، ويأثر القرّاء محبّي القصص والروايات، إنه العشق/ الهوى/ الحب/ الغزل/ العاطفة/ الرومانسية، أو أيّاً كان ما تدعونه.


"دوماً هناك علاقة خاصة، خاصة جداً، بين هذه العين العادية، وتلك العين الساحرة الجميلة. دوماً هناك لقاء لا يتضمن التلامس الفعلي، ولكن ذوبان الأرواح يخلق شعوراً أقوى من التلامس، إنه كالحلم الذي يبدو كالحقيقة".


في بعض الفترات كنتُ ككثيرين غيري من محبّي موضوعات الغزل في الشعر ومن محبّي الرومانسية في الكتابات النثرية، ليس فقط حب القراءة وإنما الكتابة أيضاً، فقراءة قصة حب تشبه مشاهدة فيلم رومانسي، وإنما أن تكتب قصة حب أشبه بممارسة الحب، من دون تلامس فعلي.


"ذات ليلة، حلمتُ بها. إنه نوع الأحلام الذي تحب أن تراه. أنا لستُ من الذين يتذكرون أحلامهم بعد الاستيقاظ من النوم، ولكن هناك أحلاماً تفرض نفسها على العقل الواعي بعد انسلاخه من اللاوعي. كنا في حديقة خضراء، ذلك اللون الأخضر الذي أحبه، ليس الأخضر القاتم وإنما اللون الأخضر الذي تجده في الأوراق الصغيرة الغضة، الأخضر الفاتح. تصوير الحديقة يشبه تصوير الأفلام الخيالية أو الأحلام؛ الضوء الأبيض الذي يملأ المكان، من دون مصدر محدد، والضباب الخفيف الذي يسمح بالرؤية لعدة أمتار فقط. وكان هناك في الحلم تفاح، والتفاح بالنسبة لي يعني عدة أشياء، فهو رمز الخطيئة التي أخرجَتْ آدم من الجنة، ورمز من رموز الشهوة، كما أنه أقرب الفواكه إلى المرأة، شكلاً وملمساً وطعماً. لم أتذوّق امرأة من قبل، لكن هذا ما أعتقده. وبغض النظر عن وجود اللون الأخضر أو التفاح، فقد كانت هي موجودة، وهذا هو المهم. لا أتذكر كيف كانت تبدو في هذا الحلم، بالتأكيد كانت تبدو جميلة، لكن الصورة تصبح مشوّشة بعد مغادرة الحلم، وبعد مرور أعوام تذكرها أمر غير وارد. لكن الحلم الجميل يخلّف وراءه صباحاً جميلاً".


كتابة قصة عاطفية يكون أحياناً كنوع من أنواع الماسوشية (حب تعذيب النفس)، تخيل أنك تقيّد نفسك في الصحراء أمام كوب ماء بارد! فعندما تخلق فتاة جميلة ساحرة على الورق، بها كل المواصفات التي تتمناها، وتضع نفسكَ معها في نفس الغرفة، وتعلم  يقيناً أنك لن تتمكن من ملامستها، من رؤيتها الفعلية، من سماع صوتها الحقيقي، إنه تعذيب للنفس. أو عندما تؤلف قصة عاطفية مكدسة بالمشاعر، وتنقم على البطل فيها لأنه يحظى بكل هذا الحب والاهتمام، وأنتَ في حياتكَ الحقيقية، خارج الورق، لم تحظَ بحب كهذا. وعلى الرغم من أنكَ أنتَ من ابتدعتَ هذه الشخصية، إلا أن جودة خلقها تجعلها تبدو حقيقية وقابلة للتصديق.
تستمع لكلمات الثناء من الذين يقرأون قصصكَ، وأنتَ تعلم أنكَ تعاني كلما وضعتَ القلم على الورقة وبدأتَ في رسم شخصية جديدة. القصص الرومانسية بالذات لها طعم خاص، وبها معاناة خاصة، أحياناً تشبه الماسوشية.


"عندما تحب، وتضع ثقة كبيرة في أن هذا الحب هو الحب الحقيقي الذي قُدّر لك أن تعيش العمر كله منعّماً فيه، وتبدأ في بناء كل شئ على هذا الأساس، إنها حياة، فالحب حياة مستقلة عن الحياة.
رؤيتها أشبه بهزة أرضية، فالحالة التي أتحوّل إليها عند رؤيتها حالة غير عادية، يمكن قراءة آلاف القصائد والقصص، لكن الشعور الحقيقي بالحب لا يمكن وصفه، فهو ليس شيئاً محسوساً سوف ألتقط له صورة. إنها رائعة، في مجملها، وفي كل تفاصيلها. هناك دوماً هذا الهاجس الذي يشغل العقل، ويشير نحو أي فتاة جميلة ويقول (هذه هي)، والاعتقاد أن أسعد حياة ستكون برفقة فتاة جميلة، لكن عندما أحببتها تغيّرتْ نظرتي للأمور، فلم يعد الأمر يقتصر على الجمال، فعلى الرغم من أنها جميلة جداً، فجمالها ليس هو ما يشغلني عند رؤيتها، إنها تلك الابتسامة الساحرة التي تُسقطكَ في صراع مرير مع الصمت الناسك والشهوة، فالضحكة تثير الشهوة، وتثير الرغبة في الصمت والمشاهدة، وهي لا تدري بكل هذا، هي تضحك ببساطة!".


العجيب أن الكتّاب والشعراء قد نسجوا منذ آلاف السنين قصصاً رومانسية، إلا أنه حتى اليوم لا زال الكتّاب والشعراء ينسجون القصص الرومانسية وكأنها لا تنضب. من المفترض أن تكون قصص الحب قد استُهلكت، فقصة الحب ما هي إلا هذا النوع من العاطفة التي تربط رجل بامرأة، فما الجديد الذي يمكن اختراعه في قصة كهذه! إلا أنه من الواضح أنّ قصة الحب تعيد تجديد نفسها في كل مرة تقرأها (أو تعيشها).

كقارئ يمكنني الانبهار بقصص الحب، بالعاطفة التي تتجول بين السطور، بالشهوة التي تحرق الأوراق، ويمكنني أن أرى مدى الروعة في (روميو وجولييت) وأن أغرم بـ(سندريلا). ككاتب أرى الأمور بطريقة مختلفة، فالأسلوب الذي نُسجت به القصة، ومدى جودة حبكتها، واستخدام الألفاظ والتعبيرات، واللغة المستخدمة، ومصداقية الكاتب في نقل هذه (الكذبة) وتصويرها على أنها حقيقة لا تقبل الشك، كل هذا هو ما يجول بعقلي عند محاولة نقد عمل أدبي.
عند قراءتي لقصة لاستمتاعي الشخصي، أقيّمها كقارئ وككاتب في نفس الوقت، فلا حاجة لفصل نفسي إلى شخصين عند محاولة الاستمتاع بالقراءة. ولكن عندما أحاول تقييم قصة بشكل موضوعي، لابد من الفصل، وأن أدع الناقد يقوم بدوره.


"أحياناً تكون القصص الرومانسية جوفاء بحيث تخبرك أن العين الجميلة تفعل كذا وكذا، وعندما تبحث عن عين جميلة تطابق الوصف تجدها لا تفعل كل ما قد قيل عنها. هناك خدعة، فالسحر ليس في العين الجميلة، وإنما في عينكَ أنتَ التي ترى هذه العين. قد ترى عيون الأشخاص بحيادية عندما لا تربطكَ بهم علاقة ما، ولكن عندما ترى عيني امرأة تحبها ستعرف أنها لا تشبه أي عين، ستصدّق أنه يمكنكَ أن تذوب، وتتوه، وتغرق، ويحدث لكَ كل هذا الأشياء التي يقولون عنها.
الجميل أنها تملك عينين جميلتين (بحيادية)، كما أنها تملك أجمل عينين من وجهة نظري كشخص يحبها. العين فعلاً نافذة للروح، يمكنها أن تخبر الكثير، ولذلك كنتُ كلما وقفتُ أمامها، وحاولتُ تثبيت عينيّ في عينيها (بصعوبة)، أرى بؤسي في عينيها، أرى مدى تدهور حالي، أرى الضعف الذي يقهر شخصي أمام حضورها، وأرى الحياة تبتسم، وعندما تبتسم عيناها يصبح كل شئ جميلاً رائعاً، فهاتان العينان الجميلتان يمكنهما أن تقتحما جسدي، وتعبثا بقلبي وانتظام نبضه، يمكن أن أنعزل عن العالم، يمكن أن أتحوّل صنماً وأقبع في مكاني من دون حراك".


عندي قناعة أن الكتابة يمكن أن تكون جريمة، فالكاتب يمكنه بسهولة أن يرسم سكيناً على الورق، ويجبركَ أن تطعن نفسكَ به. يمكن للكاتب أن يزرع قناعة داخل نفس، أن يبني جسوراً وهمية تبدو حقيقية. وفي قصة حب، يمكن للكاتب أن يصدمكَ، ويطعنكَ من الخلف عندما يخبركَ أن حبيبتكَ -على الورق- لن تكون معكَ، وإنما هي تحب شخصاً آخر. فالكاتب يمكنه أن يكون لئيماً جداً ويتلاعب بالعقول والقلوب، كما يمكنه أن يستسلم لمشيئة الشخصيات الوهمية في قصته، ويتركها تحدد مصائرها كيف شاءت.

حاولتُ الإقلاع/ الإقلال من كتابة هذا النوع من القصص/ الشعر، وتوفير عناء الرحلة على نفسي وعلى القارئ المسكين الذي سيعاني مع كل كلمة، كما عانيتُ أنا عند الكتابة.
دوماً رحلتي في عالم العاطفة ومحاولة الخروج بقصة رحلة شاقة، يلازمني تعب مشقتها حتى بعد الانتهاء منها، إنه تعب نفسي وإرهاق. ومن أعراض الانتهاء من كتابة قصة كهذه فقد الشهية للطعام والحديث، والميل إلى الاستلقاء والشرود، وألم المعدة، وتباطؤ ضربات القلب، وحالة من الخمول العام. والقارئ يستمتع عند قراءة القصة الرومانسية، ولا يدري أنه يستمتع بمعاناتي.


 أحمد فايز 

02 يوليو 2010

الأوغاد

الأوغاد


لماذا نطالب بتخفيف الحصار!

لماذا لا نطالب بفك الحصار، وذهاب المحتل إلى الجحيم!

لماذا نطالب بحقنا الشرعي، ونرضى بقرار الجاني!


لا شك أن الأرض تصبح جحيماً عندما يحكمها الأوغاد.

لابد أن هناك وغداً مسئولاً عن كل ما يحدث.

تباً لكل الأوغاد.

فليذهب كل الأوغاد إلى الجحيم.



أحمد فايز



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك