04 يوليو 2010

قصة رومانسية


قصّة رومانسيّة




برغم أنّ هناك دوماً رغبة جامحة للكتابة/ للتدوين/ للتلوين، وبرغم نشأتي الأدبية على الشعر، وليس أي شعر، وإنما التتلمذ على يـد من (اخترعوا) الشعر العربي الفصيح، العظماء من العصر الجاهلي وحتى المعاصرين، وبرغم كتابتي في معظم الموضوعات الشعرية والنثرية، يبقى موضوع واحد يحتفظ بمركزه الخاص، بخصوصيته المتفرّدة، إنه الموضوع الذي يشغـل معظم الإنتاج الشعري، ويأثر القرّاء محبّي القصص والروايات، إنه العشق/ الهوى/ الحب/ الغزل/ العاطفة/ الرومانسية، أو أيّاً كان ما تدعونه.


"دوماً هناك علاقة خاصة، خاصة جداً، بين هذه العين العادية، وتلك العين الساحرة الجميلة. دوماً هناك لقاء لا يتضمن التلامس الفعلي، ولكن ذوبان الأرواح يخلق شعوراً أقوى من التلامس، إنه كالحلم الذي يبدو كالحقيقة".


في بعض الفترات كنتُ ككثيرين غيري من محبّي موضوعات الغزل في الشعر ومن محبّي الرومانسية في الكتابات النثرية، ليس فقط حب القراءة وإنما الكتابة أيضاً، فقراءة قصة حب تشبه مشاهدة فيلم رومانسي، وإنما أن تكتب قصة حب أشبه بممارسة الحب، من دون تلامس فعلي.


"ذات ليلة، حلمتُ بها. إنه نوع الأحلام الذي تحب أن تراه. أنا لستُ من الذين يتذكرون أحلامهم بعد الاستيقاظ من النوم، ولكن هناك أحلاماً تفرض نفسها على العقل الواعي بعد انسلاخه من اللاوعي. كنا في حديقة خضراء، ذلك اللون الأخضر الذي أحبه، ليس الأخضر القاتم وإنما اللون الأخضر الذي تجده في الأوراق الصغيرة الغضة، الأخضر الفاتح. تصوير الحديقة يشبه تصوير الأفلام الخيالية أو الأحلام؛ الضوء الأبيض الذي يملأ المكان، من دون مصدر محدد، والضباب الخفيف الذي يسمح بالرؤية لعدة أمتار فقط. وكان هناك في الحلم تفاح، والتفاح بالنسبة لي يعني عدة أشياء، فهو رمز الخطيئة التي أخرجَتْ آدم من الجنة، ورمز من رموز الشهوة، كما أنه أقرب الفواكه إلى المرأة، شكلاً وملمساً وطعماً. لم أتذوّق امرأة من قبل، لكن هذا ما أعتقده. وبغض النظر عن وجود اللون الأخضر أو التفاح، فقد كانت هي موجودة، وهذا هو المهم. لا أتذكر كيف كانت تبدو في هذا الحلم، بالتأكيد كانت تبدو جميلة، لكن الصورة تصبح مشوّشة بعد مغادرة الحلم، وبعد مرور أعوام تذكرها أمر غير وارد. لكن الحلم الجميل يخلّف وراءه صباحاً جميلاً".


كتابة قصة عاطفية يكون أحياناً كنوع من أنواع الماسوشية (حب تعذيب النفس)، تخيل أنك تقيّد نفسك في الصحراء أمام كوب ماء بارد! فعندما تخلق فتاة جميلة ساحرة على الورق، بها كل المواصفات التي تتمناها، وتضع نفسكَ معها في نفس الغرفة، وتعلم  يقيناً أنك لن تتمكن من ملامستها، من رؤيتها الفعلية، من سماع صوتها الحقيقي، إنه تعذيب للنفس. أو عندما تؤلف قصة عاطفية مكدسة بالمشاعر، وتنقم على البطل فيها لأنه يحظى بكل هذا الحب والاهتمام، وأنتَ في حياتكَ الحقيقية، خارج الورق، لم تحظَ بحب كهذا. وعلى الرغم من أنكَ أنتَ من ابتدعتَ هذه الشخصية، إلا أن جودة خلقها تجعلها تبدو حقيقية وقابلة للتصديق.
تستمع لكلمات الثناء من الذين يقرأون قصصكَ، وأنتَ تعلم أنكَ تعاني كلما وضعتَ القلم على الورقة وبدأتَ في رسم شخصية جديدة. القصص الرومانسية بالذات لها طعم خاص، وبها معاناة خاصة، أحياناً تشبه الماسوشية.


"عندما تحب، وتضع ثقة كبيرة في أن هذا الحب هو الحب الحقيقي الذي قُدّر لك أن تعيش العمر كله منعّماً فيه، وتبدأ في بناء كل شئ على هذا الأساس، إنها حياة، فالحب حياة مستقلة عن الحياة.
رؤيتها أشبه بهزة أرضية، فالحالة التي أتحوّل إليها عند رؤيتها حالة غير عادية، يمكن قراءة آلاف القصائد والقصص، لكن الشعور الحقيقي بالحب لا يمكن وصفه، فهو ليس شيئاً محسوساً سوف ألتقط له صورة. إنها رائعة، في مجملها، وفي كل تفاصيلها. هناك دوماً هذا الهاجس الذي يشغل العقل، ويشير نحو أي فتاة جميلة ويقول (هذه هي)، والاعتقاد أن أسعد حياة ستكون برفقة فتاة جميلة، لكن عندما أحببتها تغيّرتْ نظرتي للأمور، فلم يعد الأمر يقتصر على الجمال، فعلى الرغم من أنها جميلة جداً، فجمالها ليس هو ما يشغلني عند رؤيتها، إنها تلك الابتسامة الساحرة التي تُسقطكَ في صراع مرير مع الصمت الناسك والشهوة، فالضحكة تثير الشهوة، وتثير الرغبة في الصمت والمشاهدة، وهي لا تدري بكل هذا، هي تضحك ببساطة!".


العجيب أن الكتّاب والشعراء قد نسجوا منذ آلاف السنين قصصاً رومانسية، إلا أنه حتى اليوم لا زال الكتّاب والشعراء ينسجون القصص الرومانسية وكأنها لا تنضب. من المفترض أن تكون قصص الحب قد استُهلكت، فقصة الحب ما هي إلا هذا النوع من العاطفة التي تربط رجل بامرأة، فما الجديد الذي يمكن اختراعه في قصة كهذه! إلا أنه من الواضح أنّ قصة الحب تعيد تجديد نفسها في كل مرة تقرأها (أو تعيشها).

كقارئ يمكنني الانبهار بقصص الحب، بالعاطفة التي تتجول بين السطور، بالشهوة التي تحرق الأوراق، ويمكنني أن أرى مدى الروعة في (روميو وجولييت) وأن أغرم بـ(سندريلا). ككاتب أرى الأمور بطريقة مختلفة، فالأسلوب الذي نُسجت به القصة، ومدى جودة حبكتها، واستخدام الألفاظ والتعبيرات، واللغة المستخدمة، ومصداقية الكاتب في نقل هذه (الكذبة) وتصويرها على أنها حقيقة لا تقبل الشك، كل هذا هو ما يجول بعقلي عند محاولة نقد عمل أدبي.
عند قراءتي لقصة لاستمتاعي الشخصي، أقيّمها كقارئ وككاتب في نفس الوقت، فلا حاجة لفصل نفسي إلى شخصين عند محاولة الاستمتاع بالقراءة. ولكن عندما أحاول تقييم قصة بشكل موضوعي، لابد من الفصل، وأن أدع الناقد يقوم بدوره.


"أحياناً تكون القصص الرومانسية جوفاء بحيث تخبرك أن العين الجميلة تفعل كذا وكذا، وعندما تبحث عن عين جميلة تطابق الوصف تجدها لا تفعل كل ما قد قيل عنها. هناك خدعة، فالسحر ليس في العين الجميلة، وإنما في عينكَ أنتَ التي ترى هذه العين. قد ترى عيون الأشخاص بحيادية عندما لا تربطكَ بهم علاقة ما، ولكن عندما ترى عيني امرأة تحبها ستعرف أنها لا تشبه أي عين، ستصدّق أنه يمكنكَ أن تذوب، وتتوه، وتغرق، ويحدث لكَ كل هذا الأشياء التي يقولون عنها.
الجميل أنها تملك عينين جميلتين (بحيادية)، كما أنها تملك أجمل عينين من وجهة نظري كشخص يحبها. العين فعلاً نافذة للروح، يمكنها أن تخبر الكثير، ولذلك كنتُ كلما وقفتُ أمامها، وحاولتُ تثبيت عينيّ في عينيها (بصعوبة)، أرى بؤسي في عينيها، أرى مدى تدهور حالي، أرى الضعف الذي يقهر شخصي أمام حضورها، وأرى الحياة تبتسم، وعندما تبتسم عيناها يصبح كل شئ جميلاً رائعاً، فهاتان العينان الجميلتان يمكنهما أن تقتحما جسدي، وتعبثا بقلبي وانتظام نبضه، يمكن أن أنعزل عن العالم، يمكن أن أتحوّل صنماً وأقبع في مكاني من دون حراك".


عندي قناعة أن الكتابة يمكن أن تكون جريمة، فالكاتب يمكنه بسهولة أن يرسم سكيناً على الورق، ويجبركَ أن تطعن نفسكَ به. يمكن للكاتب أن يزرع قناعة داخل نفس، أن يبني جسوراً وهمية تبدو حقيقية. وفي قصة حب، يمكن للكاتب أن يصدمكَ، ويطعنكَ من الخلف عندما يخبركَ أن حبيبتكَ -على الورق- لن تكون معكَ، وإنما هي تحب شخصاً آخر. فالكاتب يمكنه أن يكون لئيماً جداً ويتلاعب بالعقول والقلوب، كما يمكنه أن يستسلم لمشيئة الشخصيات الوهمية في قصته، ويتركها تحدد مصائرها كيف شاءت.

حاولتُ الإقلاع/ الإقلال من كتابة هذا النوع من القصص/ الشعر، وتوفير عناء الرحلة على نفسي وعلى القارئ المسكين الذي سيعاني مع كل كلمة، كما عانيتُ أنا عند الكتابة.
دوماً رحلتي في عالم العاطفة ومحاولة الخروج بقصة رحلة شاقة، يلازمني تعب مشقتها حتى بعد الانتهاء منها، إنه تعب نفسي وإرهاق. ومن أعراض الانتهاء من كتابة قصة كهذه فقد الشهية للطعام والحديث، والميل إلى الاستلقاء والشرود، وألم المعدة، وتباطؤ ضربات القلب، وحالة من الخمول العام. والقارئ يستمتع عند قراءة القصة الرومانسية، ولا يدري أنه يستمتع بمعاناتي.


 أحمد فايز 

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

و انا اللي قول شوية اقولك حط حاجة رومانسية !!

انا اسف علي معاناتك

بس انت بذلك تشتعل دون ان تدري

(ادم )

WINNER يقول...



آدم.

نحن لا نختار معاناتنا، و لا نختار التخلص منها. بعض المعاناة أمر لا بد منه.

الكتابة بالنسبة لي و إن كان جزء منها يحمل معاناة فهي معاناة محببة.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك