26 سبتمبر 2010

ذاكرة افتراضية


يقوم المصوّر بتعديل وضعية رأسي حتى تظهر بشكل أفضل في الصورة.
يحرّكها يميناً ويساراً، لأعلى ولأسفل.
للحظة شعرتُ أنني دمية يعبث بها شخص ما.
للحظة شعرتُ بالخدر.
فقدتُ الوعي.

..

لم يكن الأمر سهلاً.
هل تعتقد أنني أصبحتُ هكذا فجأة!


 
هل تعرف ماذا أفعل عندما يتوقف موقد الغاز عن العمل؟
أُحضر أي إناء معدني وأشعل فيه الورق حتى أصنع كوباً من القهوة المُرّة.
 
كنتُ دوماً أستغرب كيف يمكن للقهوة أن تمنع الشخص من النوم.
لعلني كنت أنتظرها أن ترشّ وجهي بالماء كلما غلبني النعاس أو أن تهزّني إذا ما أغلقتُ عينيّ!
إنها ببساطة تساعد على استمرار حالة اليقظة.
 
أستطيع أن أخبركَ بشعور شخص استيقظ لثلاثة أيام متواصلة، معظم ما يتناوله هو القهوة.
هذا الشخص لا يملك وعيه كاملاً.
قد يبدو لك مستيقظاً لكنه في الحقيقة في حالة وسط بين النوم والاستيقاظ.
إنه مثل حاسوب تركته لفترة فقام بفصل شاشته، هو يعمل لكن ليس تماماً.
 
قرأتُ أن الجنود الألمان كان يتم تدريبهم على النوم لمدة خمس دقائق في ميدان القتال أثناء الحرب العالمية الثانية.
خمس دقائق من النوم المركّز الذي تصل فيه إلى أعمق الأعماق.
لقد تعلمتُ هذه الحيلة.
إنها مثل السُكْر الذي يُفقِد الوعي. الصداع بعده سيئ جداً.

..

كانت تقول: "أنا (آنا)، من (لاتفيا)".
وقضيتُ الأسبوع مستغرباً لماذا تخبرني بذلك.
لماذا أنا؟ ولماذا الآن بالتحديد؟ وأين لاتفيا هذه؟!
 
تعوّدتُ على الجيران العاديين الذين تراهم كل يوم وقليلاً ما يُلقي عليكَ أحدهم تحية الصباح.
هي كانت تتصرف وكأننا جيران منذ زمن بعيد، وهذا كان يقلقني ويربكني.
يزعجني جداً عندما يتعامل معي شخص وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، يتصرف معي وكأنه يعرفني فعلاً.
 
كانت تطلب الكثير من الأشياء.
ربما كانت تعتقد أن وظيفة الجيران هي أن يلبّوا طلبات جيرانهم!
أو ربما كنتُ أعتقد أنا غير ذلك.
 
الأسوأ عدما تُقحم أنفها في أموري الشخصية أو تدفع بنفسها إلى داخل شقتي لتجلس وتستمتع بـ(مج النسكافية) الذي تحبه في الصباح وتقريباً تحبه طوال اليوم!
تجلس أمام التلفاز وتمسك (الريموت) وتغيّر قناة الرياضة.
تبحث في قنوات عروض الأزياء أو الأغاني.
أتردد قليلاً، وبعدها أعيد قناة الرياضة لمتابعة المباراة، فتقوم لتتجول في البيت.
من أسوأ الأشياء بالنسبة لي هي عندما يتعامل معي شخص بحميمية يفترض أنها موجودة بيننا، وأنا أعرف نفسي، فأنا لا أقترب من أي شخص بدرجة كبيرة تسمح بوجود مثل هذه الحميمية.
 
عند أول مرة أخبرتني فيها أن اسمها (آنا) وأنها من (لاتفيا) لم أكن أعرف أنها ستموت، ولا زلت لا أعرف كيف حدث الأمر. لكنني أشعر أنني استعدتُ حياتي القديمة بهدوءها المعتاد، ربما ببعض الخواء!
 
..
 
يقولون أن الرجل ضغط على أعصاب موجودة في الرقبة حول الشريان السباتي.
 
استيقظتُ في غرفة غريبة مليئة بالأجهزة الكهربائية؛ غرفة مستشفى.
وأنا سابع شئ في قائمة الأشياء التي أكرهها هو المستشفيات، بعد الكلاب وأفلام الثمانينيات!
قمتُ محاولاً الخروج من هذا المكان المزعج.
أتت الممرضة تحاول أن تبقيني، فأنا هنا تحت الملاحظة، أو العلاج، لا أذكر.
بعد خمس دقائق أتى طبيب، بدأ  يشرح لي ما حدث، وأنا لم أفهم منه شيئاً.
خرجتُ من المستشفى في نفس اليوم.
 
في طريق عودتي إلى البيت مررت بـ(استوديو تصوير)، ولا أدري لماذا تذكّرتُ عندها القهوة التي كنتُ أشربها بشراهة، والصداع الذي يصيبني بعد الاستيقاظ من نوم طويل، وفتاة كنتُ أعرفها منذ ثمانية أعوام كانت تُدعى (آنا).



أحمد فايز



هناك 4 تعليقات:

Unique يقول...

فيها زخم ما.. يروقني :)

WINNER يقول...



إنها من النوعية السريالية.

:)


أشكرك.
شرفتينا.

طالبة مقهورة ..درجة أولى يقول...

:)

من أسوأ الأشياء بالنسبة لي هي عندما يتعامل معي شخص بحميمية يفترض أنها موجودة بيننا، و أنا أعرف نفسي، فأنا لا أقترب من أي شخص بدرجة كبيرة تسمح بوجود مثل هذه الحميمية.

.........
رائعة بغموضها

WINNER يقول...



أشكرك يا رضوى.

منورانا :)


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك