28 أكتوبر 2010

عن الحياة - 2





دعاء الكروان...
غالباً عند الفجر، أسمع هذا الصوت يصدح في سماء الوجود.
نداء من نوع خاص.

هناك أشياء/ حالات/ تكوينات خاصة أستمتع بها في يومي، نستمتع بها في أيامنا.
صوت الكروان عند الفجر.
زقزقة العصافير في الصباح.
السحاب الأحمر الذي يسبق موكب الشمس.
البدر في ليالي الشتاء.
الجوارب الصوفية الناعمة.
رائحة القهوة المحوّجة.
إذاعة القرآن الكريم في جوف الليل.
صوت آذان الفجر.
الجلوس بعد صلاة الفجر والذِكر.
المشي من المسجد إلى البيت بعد صلاة العشاء.
إعداد الإفطار قبل شروق الشمس.

هناك أشياء/ حالات/ تكوينات خاصة تصنع من حياتنا معنىً ملوَّن. من دون هذه الأشياء نشعر بالجفاف، نفقد القدرة على المواصلة، نتهم أنفسنا/ الآخرين/ الحياة بالظلم والتقصير. جميعنا يمتلك أشياءً كهذه.

من حكمة الله في خلقه أنه لم يكتب الشقاء الدائم ولا النعيم الدائم على مخلوق. سواءً كنتَ مؤمناً أو كافراً، فهناك متّسع من الرحمة/ الفرحة، وهناك جانب الضيق. فالله يرزق الجميع، والرزق ليس مالاً فقط وإنما الرزق هو كل ما يُساق إليك في هذه الدنيا. ولذلك، في حالات الضيق والشقاء، هناك دوماً انتقال إلى السعة والرخاء، والعكس صحيح. نحن ننسى دائماً هذه الفكرة؛ أن الدنيا دوّارة، لا تبقى على حال، لا يدوم لها حزن ولا فرح. عندما نفرح نتمادى، وننسى أن الحزن لايزال يرقد في مخبأه ينتظر القدوم، فلا داعي للمبالغة في الفرح. وعند الحزن ننسى أن الفرح لايزال يرقد في مخبأه ينتظر البزوغ، فلا داعي للمبالغة في الحزن. الاعتدال في كل شئ جميل.

ربما لم أمكث في هذه الدنيا سوى ربع قرن، قضيت معظمه غير مدركٍ للأمور، ولكن تعلمت حتى يومي هذا ما أخبرني به الله، فقد قال الله سبحانه وتعالى:

(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)
الشرح  ﴿٦﴾


27 أكتوبر 2010

عن الحياة - 1





نحن لا نعمل بالطاقة، نحن لا نعمل بالعضلات، نحن لا نعمل بالعقل فقط، نحن نعمل بالأمل، بالحُلم، وبالطموح أيضاً. والدليل: اعطِ شخصاً طاقة وعضلات وعقلاً واسلبه الأمل والحلم والطموح وستجده بطاقته وعضلاته وعقله متكوّماً في مكان لا يقوى على الحراك ولا يرغب في فعل شئ، واعطِ شخصاً أملاً وحُلماً وطموحاً وستتفجّر فيه طاقة مجهولة المصدر وتنمو عضلات الرغبة فيه ويتنشّط لديه عقلاً لا يملك منه إلا القليل.

لا يهدمني المرض، يهدمني اليأس. لا يُقعدني نقص العقل، يقعدني نقص الرغبة. لا يمنعني انعدام القوة، يمنعني فقر الأحلام والطموح.

في جدار بالٍ متهدّم هناك دوماً شق صغير، نقطة نور، (سرسوب) هواء منعش. ولكل بيت محترق، قديم، متهالك، هناك نافذة، إطلالة على حديقة خضراء واسعة. جرّب! ابحث عن النافذة، عن نقطة النور، عن الطريق التائه في الخريطة، عن حبة الرمل الملوَّنة. من دون هذه الأشياء لا يوجد شئ يستدعي وجودنا، وها هنا الهلاك المحقق.

كل شخص سيواجه موقفاً، حادثاً، معضلة، مشكلة تهدم فيه ما لديه، في هذه اللحظة يظهر الشخص الحقيقي فينا، من يرقد كسيحاً، ومن يعرف الحقيقة؛ أن الحياة ليست دائماً هذه النزهة اللطيفة. كلنا شهد الأيام عليلة الهواء والأيام العاصفة، الصحة والمرض، السعادة والحزن. لذلك وجب علينا أن نستعد لمعترك الحياة، مع كل سقطة تزداد جلودنا خشونة، ومع كل صدمة تقوى عظامنا، هكذا نتعلم ونتطور ونتمكن من المضي قدماً في الحياة.


دوماً هناك أمل، ما دامت الحياة.


" While there's life, there's hope "
Marcus Tullius Cicero



26 أكتوبر 2010

الضفادع لا تأكل الشوكولاتة






أكره جداً أن تتحول الصباحات الجميلة إلى مساءات سيئة.
وأكره أكثر الصباحات التي تبدأ سيئة.

 
أحب جاتوه الشوكولاتة، تورتة الشوكولاتة، آيس كريم الشوكولاتة.
عصير الفراولة، الموز، التمر الهندي.
الجبنة الرومي، الزيتون الأخضر، الفول بالفلفل الحار، ساندوتشات البرجر بالكاتشب.
المكرونة الاسباجتي، المكرونة بالبشاميل، البيتزا بالسجق، محشي ورق العنب.
المهلبية، البليلة، الكنافة، البسيمة.
اليانسون، القهوة المضبوطة.
فوّار الفواكة.
اللون الأزرق الأزوري.
الياسمين، شجر التوت.
السحاب الأبيض، الشمس وقت الشروق والغروب، القمر البدر، المطر، البحر.
الهدوء.
الفيشار، الحمّص.
البطاريق، الدلافين.


لا أحب الباذنجان، الكوسة، الجبنة البيضاء.
اللون الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأسود، البنفسجي، كألوان للملابس.
الشاي بدون نعناع، القرفة، اللبن البودرة.
الصيف، الزحام، الضوضاء، الأماكن الضيقة، الأماكن المرتفعة، الظلام.
الجوافة.
السجائر.
القطط، الكلاب، سمك الزينة، عصافير الأقفاص.
عصير القصب، العرقسوس، السوبيا.
ساعة اليد، سلسلة المفاتيح.
المراهقين، الأغبياء، السَمِجين.
الأحذية الشاموا.
السيرك، حرب النجوم.


أذكر عندما كنتُ ضفدعاً صغيراً، كنتُ أتنقل من مجرى مائي إلى آخر، والأطفال يركضون خلفي، يمسكونني، أتفلـّتُ منهم، أسقط، وأواصل الركض.

ماذا تأكل الضفادع؟
الضفادع تُعتبر من آكلات اللحوم!
الضفادع تأكل الحشرات غالباً.

لم أكن أحب الخبز (المفتوت) في الماء، الخضروات، الشوكولاتة، السكر، ولا الصلصة الحارة.

في الطوْر البشري تغيّرَتْ لديّ الكثير من الأشياء. اختلفتُ كثيراً عن ذي قبل. لم أعد بالبساطة التي كنتُ عليها.
 
أنا ضفدع عادي. والضفادع لا تأكل الشوكولاتة.



24 أكتوبر 2010

فقاعة





فقاعة.
لأنها شفافة، ترى خلالها الواقع.
ولأنها مستديرة، تعكس الواقع مُصغـَّراً، مُدوَّراً، ودوّاراً.
ولأنها شفافة ومدوَّرة، ترى فيها الأشياء ملوَّنة.
ولأنها خفيفة، تحمل كل ما فيها وتطفو.
ولأنها ضعيفة، بأقل اختلاف تنفجر!

أنتِ في الأحلام فقاعة.
شفافة، أرى خلالكِ واقعي، مُجمَّعاً، مُركَّزاً، ملوَّناً.
خفيفة، تسبحين في فضاء رحب من الأحلام الخفيفة، مُحلِّقـة، دوَّارة.
ضعيفة، تخشين على نفسكِ الكسر، وأخشى عليكِ رضّة يسببها هواء آثِم!


أتعمّد النوم، أو حتى مجرد الاستلقاء، واستجداء الحُلم.
لقاؤنا عادي. في سماء فضفاضة، طائران.
في وشاح النور تستلقين فوق سحابة.
اجمع فتات السحاب وأصنع لكِ وسادة.
نتسامر، وأعلم أنكِ تخجلين إذا ما قبّلتكِ قبل افتتاح لقائنا بحديث لطيف.
يستمر اللقاء خمسة أو ستة أعوام، بالتوقيت البشري.
في عالمنا هم خمس أو ست دقائق.
إنه اختلاف التوقيت عن عالم أنتِ فيه، وعالم يخلو منكِ!


النوم القصير يخلِّف عندي حموضة، صداع، إرهاق، ومزاج عَكِر.
أغسل النوم الباهت عن وجهي المُتعَب.
أصنع كوب قهوة (محوّجة)، وأُحضِر زجاجة مياة باردة.
أفرد غطاءً على الأرض وأمارس طقوساً غريبة لأقنع عقلي أنني استيقظت.
أذكر كم كنتِ جميلة في الحلم، فأقصد السرير مجدداً، أضع الوسادة فوق رأسي، وأحاول النوم!

فقاعة.
في أحلامي أنتِ فقاعة.
جميلة، مُبهِجة، وصبيانية.
وعندما أستيقظ تتناثرين فوق رأسي رذاذاً.
كل حُلم أنتِ فيه يكون سعيداً، والاستيقاظ بعده مُريح.
في الحقيقة، أنتِ أهم سبب لنومي، ولولاكِ لما اهتممتُ بالنوم.
ولأجلكِ أنا طفل يهوى الفقاعات!



23 أكتوبر 2010

المعذبون في العشق



المعذبون في العشق



عدوّي لمّا رأي حالي

دعا لي

بطول ِ العمرِ

والصبرِ

وقالَ مالي أعذبُ

من كانَ العشقُ علـّتـَهُ

كفاهُ معذِّباً يسري

بمجرى الدمِّ مُتعالي

يسببُ حُرقة ً في القلبِ

وأرقاً دامَ لليالي

معذِّباً باردَ الأعصابِ

لا يهتمُّ فيبالي

يُتعبُ شاعراً لبـِقاً

يشرّدُ ماهراً حذِقاً

يضيّعُ عمرَهُ الغالي

ويضعفـُهُ على مَهَـل ٍ

ويصنعُ منهُ أمثالي

وما أنْ يقتلَ واحداً

يسألُ من هو التالي

..

أحمد فايز



21 أكتوبر 2010

بونبونات ملونة




انقضّتْ على علبة البونبون تجمع من كل لون واحدة.

ثم استبعدَتْ ذات اللون الأبيض، لأنها بطعم النعناع، والنعناع يجعل فمها بارداً حين تستنشق الهواء.

جمعَتْ بونبوناتها، وركضَتْ إلى الغرفة، غالباً لتخبّئ البونبون -كعادتها- أسفل الوسادة.

ثم خرجَتْ لتأخذ العلبة بما تبقّى فيها، وضعتها في غرفتها، غالباً أسفل سريرها الصغير.

ثم خرجَتْ مجدداً، قبّلتني قبلة صغيرة، شكرتني، وعادت تطير إلى غرفتها، لتقضي ليلة المرح مع بونبوناتها الملونة.



(حكاية صغيرة من عالمها الصغير)



19 أكتوبر 2010

اليوم أحرقتُ ورقة




اليوم أحرقت ورقة.
رائحة الدخان تملأ الغرفة.

اليوم، أو بمعنى أصح، أمس كان يوماً غير عادي.
لا أدري لماذا، أو ربما أدري ولكن لا أريد الخوض في التفاصيل.
كان يوماً سيئاً، يوماً غريباً، يوماً محزناً بشكل غير اعتيادي.
الاعتيادي عندي هو أنني أعرف كيف أتعامل مع مشاكلي الخاصة، أعرف كيف أتخلص من الضيق والهم.
اليوم لم أتمكن من تطبيق طرقي الخاصة لطرد هذا الشعور السئ.

يبدأ اليوم بثقة مقلقة، في صباح جميل، ضيق بسبب أشياء معينة، ارتياح بسبب أشياء أخرى، ورغبة في الضحك.
مفاجأة أو صدمة أو غير المتوقع عندما يطرق رأسك بحديدة.
حيرة، بعض التوتر، عدم ثقة، عدم اكتراث.
إرهاق وتعب ورغبة في النوم.
نوم طويل.
أخبار جديدة، معها حيرة جديدة، أفكار متضاربة، وقرارات صعبة.
لا زالت حالة الضيق تسيطر على كل شئ.

قرأت قبل فترة طويلة عن فكرة كتابة كل ما يحزنك أو يضايقك على ورقة. سرد كل الأشياء التي نخشاها ولا نستطيع إخبار الآخرين بها. قررت تجربة هذه الفكرة.

من قبل كنت أتعامل عادة مع الضيق بالانهماك في اللعب، الطعام، أو الخلود إلى نوم أشبه بالموت. أنسى مشاكلي أثناء اللعب والأكل، وأنفصل عن الواقع الضيق إلى عالم رحب من الأحلام وعدم الإدراك أثناء النوم.

اليوم لم تفلح هذه الأشياء كثيراً. فبعد النوم الطويل المريح نسبياً، وبعد طعام شهي ممتع، ولهو محبب، لا يزال الصدر ضيقاً، والهموم تتراكم بمرور الدقائق، ويسيطر عليّ حزن لا أدري مصدره بالضبط.

بدأتُ الكتابة، كتبت كل ما يضايقني ويحزنني ويتعبني، انتهت ورقة، والثانية، وشعرتُ ببعض الارتياح. بعد الكتابة أشعلت النار في الورق، ألقيته في السلة، والتي اشتعلت بدورها بسبب الورق الموجود فيها! أطفأت الحريق الصغير في الغرفة، وحاولت جاهداً التخلص من الدخان المتصاعد.
عرفت أن الارتياح الحقيقي يكون في الكتابة، في الإفصاح عن كل ما لا يمكنك قوله أمام شخص، حتى أن بعض الأشياء لا نحب أن نرددها أمام أنفسنا، وأشياء نحاول أن ننكرها ونواريها عميقاً في أنفسنا.


إن كنتَ ستجرّب هذه الفكرة، أنصحك بعدم إلقاء الورق المشتعل في سلة مليئة بالورق!


17 أكتوبر 2010

تواريخ وأرقام




من حق كل شخص الحصول على فنجان قهوة واحد على الأقل يومياً.

حقاً لستُ جيداً في حفظ التواريخ، أفضل في تذكُّر المواقف.
الرابع عشر من شهر فبراير لعام 2008.
يوم من تلك الأيام التي تمثّل نقاط بارزة في التاريخ الشخصي.
هناك تواريخ تفصل بين ما قبلها وما بعدها.
هناك تواريخ يتصادف أن تذكّرك بأشياء مختلفة؛ بسعادة، بحزن، بحب، بغضب.
هناك تواريخ نتذكّرها، وأخرى نحاول ألا نتذكّرها.

ولدتُ في يوم فردي، في شهر فردي، في عام فردي.
لا أدري إلى أي شئ تشير الدلائل، أإلى حقيقة أنني سأبقى فرداً!
أنا أحب الأرقام الزوجية والأرقام المكوَّنة من أزواج وأحب الرقم 7.
أحب الأشياء الفريدة المتفرّدة بوحدتها.
لا أحب الأشياء الناقصة، فردية العدد، كالمثلث، والدراجة الثلاثية، وشخص يسير أو يجلس وحده.
أحب الحصول على ثلاث قطع سكر في فنجان الشاي، أو ثلاث ملاعق.
أحب تقسيم رغيف الخبز إلى أرباع، ولا أستطيع ترك ربع منفرد.
أحب الزهور في أعداد فردية، زهرة واحدة، ثلاث زهرات، خمس.

كل التواريخ المهمة في حياتي والأرقام لا أحفظها.
لا أحفظ التواريخ، أرقام الهاتف، أرقام المنازل.
أتذكّر الأشخاص، المواقف، الأحداث، الأماكن، الانطباعات، والشعور.
أحياناً لا أذكر الأسماء، لكن أتذكّر الوجوه.

في الرابع عشر من شهر فبراير عام 2008 قررتُ البدأ، قررتُ الاستمرار، وقررتُ التوقُّف.
قرارات منفصلة، متضاربة، وقد تكون مؤلمة، وقد تكون صحيحة، وقد تكون مؤقتة.

الآن، أحاول الحصول على كوب قهوة مضبوطة واحد على الأقل يومياً، لأحافظ على مستوى الكافيين في جسمي، تحاشياً لآثار الانسحاب المزعجة.


14 أكتوبر 2010

أوقات صعبة




هناك أوقات تحب فيها تمزيق أوراق ما، كسر شئ ما.
بعد أن تُفرغ غضبك في الأشياء قد تبحث عن الورق الممزق لتجمعه، وعن الشئ المكسور لتصلحه.
أفضل طريقة للتخلص من الورق هي الحرق.

من الصعب أحياناً تقبُّل بعض الحقائق، الاعتراف بواقع، الإذعان لأمر.
بعض الأمور لن يصلحها التمرّد، لن يمنعها الغضب، لن يرجعها الحزن.
هناك أشياء لابد وأن تدعها تذهب، تسمح لها بالمرور، تتقبّل فقدانها.

لنسيان الأشياء قد يلجأ البعض إلى الضحك، البحث عن تشتيت الذهن في فيلم كوميدي، في جلسة مرحة.
والبعض ينهمك في عمل شاق، يشغل العقل بأشياء أخرى، يرهق الجسد ويتعبه.
البعض يبحث في هموم الناس، يحل قضايا الغير لينسى قضاياه.
البعض يتناول مُسكِراً أو مخدِّراً.
البعض يتخلص من كل الذاكرة، من الحياة.

هناك أوقات في حياة كل شخص، حيث تصبح الأمور صعبة، لا تطاق.
أوقات الفقد، الفشل، الضعف، الحزن.
نحن بشر، نحزن ونفرح، نرتاح ونتعب، نقوى ونضعف.
نحن مليئون بالتناقضات، وتناقضاتنا ليس بعيب.
نحن لا نستقر على حال.


في هذه الأوقات الصعبة السيئة، لابد من وجود احتياطي من الأمل والصبر.
في أوقات الرخاء والفرح احتفظ بالقليل في كل مرة لوقت الشدة والحزن.
نتعلم كيف نتأقلم مع الطريق حين السعة والضيق.
بهدوء نتعامل مع كل شئ.
لا بأس من الحزن، لا بأس من الخوف، لا بأس من الضعف.
لكن، يجب أن تعرف كيف تتعامل مع حزنك، مع خوفك، ومع ضعفك.



11 أكتوبر 2010

ضحكت عليك



هناك..
انظر..
ضحكت عليك!

في صباح مشمس.
ليس حارّاً، وإنما تتوالى النسمات الخفيفة عبر الشرفة الواسعة.
أريكة عريضة تقابل الشمس كل صباح.
طاولة صغيرة عليها (جبنة فيتا)، مربى تين، بيض (أومليت)، خبز، وشاي بلبن.

كالعادة، أطالع البريد الإلكتروني، أتصفح المواقع المفضلة، وأعرف أخبار العالم.
وكالعادة، تجمع الملابس المتسخة من أجل الغسيل، تنظف الغبار باستخدام المكنسة الصغيرة، تفتح الشبابيك، تعد الإفطار، وتفكر ماذا ستصنع للغذاء.
وكالعادة، بـ(بيجامتها البمبي) الصغيرة، و(فيونكاتها) الزرقاء، تركض في كل مكان، تمسك (خوخة) -عروستها- من يد واحدة، وتأرجحها كنوع من تمارين الصباح.

تقف جواري، وأنا جالس أمام الكمبيوتر، وبوقوفها يكون مرفقها مستنداً على فخذي، لا تزال قصيرة.
تنظر إلى الشاشة في بلاهة ظريفة، تحرك جسدها من اليمين إلى اليسار، تتخبط فيّ.
تمد يدها خلسة لتدوس على أحد أزرار لوحة المفاتيح، أنظر إليها، تسحب يدها ببطء، تبتسم، تركض في مرح.

نصف ساعة أمام الكبيوتر.
نصف ساعة لجمع الملابس، تنظيف الغبار، وإعداد الإفطار.
نصف ساعة من الركض واللعب.
نتجمّع على الإفطار. أتناول لقمة، وأطعمها لقمة. تتناول لقمة، وتطعمها لقمة. ولا ندري أي اللقيمات ذهبت إلى فم أينا.

عمل.
عمل.
حضانة.

تعلمَتْ المقالب من خالتها.
تقف وتمد يديها، بكفين منغلقين، وتقول أي الكفين به الورقة.
كفاها فارغان!

تقول العنكبوت في غرفتها.
هناك..
انظر..
ضحكت عليك!


09 أكتوبر 2010

أوراق العمر




هناك نوعان مختلفان من التقويم (النتيجة) على مكتبي؛ واحدة مكوَّنة من أوراق يتم التخلص منها يومياً، وأخرى عبارة عن جداول شهرية يتم وضع علامة على كل يوم انقضى فيها.
يبدو التخلص من ورقة (النتيجة) سهل، شطب اليوم المنقضي بسيط.
وبعد التخلص من 365 ورقة، وشطب 365 يوم مختلف، تنتهي النتيجة، ينتهي العام، تنتهي الحياة، تتغير الأشياء، يتبدّل الأشخاص، تختلف الأماكن.
ليس الأمر بنفس سهولة تمزيق ورقة نتيجة!

قبل بلوغ العام العشرين، كانت هناك رغبة ملحّة في التقدم في السن، لأن أُصبح أكبر.
بعد بلوغ العام الثالث والعشرين، كانت هناك دهشة التقدم في السن، أحساس بأني كبرت.
قبيل العام الخامس والعشرين، رهبة التقدم في السن، البحث في الدفاتر القديمة، الحرص عند لمس النتيجة للتخلص من ورقة أو لشطب يوم!

الأشياء القديمة تؤرّخ الماضي.
صور قديمة، أوراق قديمة، أشخاص وأماكن من زمن مضى، ندبة تحتفظ بتاريخ حدث.
المرآة لا تعرف الماضي ولا المستقبل، تنظر فيها فترى نفسك في اللحظة، جلد اليوم، عيني اليوم، شعر اليوم.
العقل لن يحتفظ بكل شئ، وما يحفظه من أشياء لا يحفظه بنفس درجة نقاوة الصورة.

أشياء كثيرة يجب أن تحدث لم تحدث بعد.
الوقت يمر بسرعة، يدهشني مرور الوقت.
هناك أشياء لابد أن تتم في وقت ما، إذا مر الوقت المناسب لها لا تحدث، وإن حدثت تفقد المعنى.
هناك وقت مثالي للأرجحة، ووقت مثالي لاستكشاف العالم، ووقت مثالي لاستكشاف النفس!

الساعة تتحداني.
أغمض عينيّ فأجد العقارب قد هربت، ابتعدت مسيرة سبع ساعات.
ألتفت لأشرب فأجدها تعد عليّ وقت الشرب.
تتحرك بلا تعب.
تعد أربعاً وعشرين ساعة فينتهي اليوم. أتخلص من ورقة، أشطب يوم.
سبع أوراق، ثلاثون ورقة .. يتسرب من بين أصابعي عام.
عامان، ثلاثة، عشرة .. تتسرب حياة.

أحب أن أخدع نفسي، أخبرها أنه لايزال هناك الكثير من الأوراق في نتيجة العمر!



08 أكتوبر 2010

سمعنا وأطعنا




(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)

الأحزاب ﴿٣٦﴾



06 أكتوبر 2010

عالم خيالي




تريد أن تعيش قصة رومانسية.
ألتقيها مصادفة أمام محل الورود، أصطدم بها، تسقط باقة الورد من يدها، أساعدها في جمع الورود المبعثرة.
أدعوها لتناول شراب بارد.
ألتقيها مجدداً، مرة، واثنتين، وثلاث.
نحب المشي سوياً في طريق طويل، تصطدم يدي بيدها (مصادفة)، أمسك يدها، فتتركها لألمس جلدها الناعم، أحس ارتعاد الأصابع.
نحب التواجد معاً، نضحك كثيراً، نستمتع بوقتنا.
أخبرها أنني أحبها.
قبلتنا الأولى لها مذاق خاص.

تريد أن ينشب بيننا شجار.
نتخاصم.
أحاول أن أصالحها.
أتسلق الشجرة الموجودة أسفل بيتها، أمسك وردة حمراء بأسناني، أغني لها أغنية رائعة.
تفتح النافذة وتخبرني أنها لاتزال تحبني.

تريد عائقاً.
شيئاً ما يجعلنا نفترق.
ينافسني هذا الرجل الغريب، والذي يتصادف أنه أغنى منّي، أوسم منّي، ويحتل منصباً مرموقاً.
يجب أن أحارب الدنيا لأحصل عليها.
أقفز الحواجز، أتخطى الصعاب.
تريدني أن أقاتل من أجلها.


وفي الصندوق الصغير لازالت العرائس تتحرك بنشاط، تقودها أصابع محكومة بنَص،
تحكي حكاية، خيالية من البداية إلى النهاية.
وبعد انتهاء العرض، يرحل كل واحد منّا إلى الدنيا الحقيقية.
فلماذا يا عزيزتي لازلتِ تعيشين في عالم خيالي!
تعتقدين أن ما تشاهدينه واقع.
تنتظرين منّي مشهداً رومانسياً وآخر درامياً وثالث مليئ بالحركة.
عليكِ أن تدركي أن ما تشاهدينه في الخيال ليس بالضرورة قابلاً للتطبيق على أرض الواقع.

(إهداء إلى فتاة تعيش في عالم خيالي)


03 أكتوبر 2010

في الداخل





في الداخل يوجد شجرة.
يوجد قِدْر كبير.
وسلحفاة صغيرة تسير بسرعتها البطيئة.

يوجد نهر يتحرك من الغرب إلى الشرق، وآخر يتحرك من الجنوب إلى الشمال.
يوجد بركة ماءٍ آسن، وبئر قديم.
إضاءة خافتة.
(مغناطيسات) صغيرة تمسك أوراق الملاحظات على الحائط المعدني.
(مج) فارغ معظم الوقت.
ساعة لا يتم ارتدائها إلا كل حين.
ورود ذابلة لازالت تحتفظ بلونها (الفوشيا).
علبة ثقاب.
أقلام ألوان خشبية.
سيارات لعبة صغيرة.
ورق كثير.

يوجد طفل تساقط شعر رأسه.
زجاجة ماء بارد.
سلة مهملات مكدسة بالأوراق، بالدقائق، بالأشخاص، بالأحلام.
صندوق أحذية قديمة. الأحذية القديمة تحفظ الطرقات. تحتفظ بذكرى قديمة.
مال مستلقٍ لا يعرف له وظيفة.
أقلام؛ أزرق، أسود، أحمر، أخضر، وليموني فسفوري.
إبرة وخيط لحياكة عام جديد، لإصلاح نفس مثقوبة، لمعالجة حياة ممزقة.

يوجد بلدة من الأقزام.
طابور نمل.
طائر رخ عملاق يرقد فوق بيضة دجاجة.
فتاة رائعة تستلقي على السرير، تكشف نصفها العلوي، تحتضن وسادة بيضاء، الشمس تعكس نورها على بشرتها وعلى الفراش الأبيض، تتخلل الشعر المبعثر. ترتفع حرارة الغرفة حد الغليان، تنفجر.
بيت صغير فوق شجرة صغيرة في حديقة صغيرة.
حصان له ذيل أرنب وأذنا فيل وقرون ماعز جبلي.
سلة فاكهة، والفاكهة ليست بلاستيكية.
زهرة ياسمين مجففة.
باب لا يُغلَق أبداً.
أحلام معلّـقة بجوار المصباح، تحرّكها (مروحة السقف).
صور قديمة مضحكة.
أماكن مختلفة محجوزة داخل لوحات.
اعتقادات.

يوجد في الداخل أشياء، أشخاص، بلدان، أصوات، أفكار، أحلام، تناقضات، أشباح، مخاوف، برودة.
يوجد سر. السر دوماً يدق على أبواب النفس من الداخل.
يوجد اهتمام وعدم اهتمام.
يوجد آلاف الأسباب لفعل شئ، وآلاف المبررات لعدم فعله.
يوجد ورقة، مكتوب فيها (نعم/لا).
خفاش الليل يتناول الخبز المنقوع في الظلمة، يدخن السجائر بشراهة، يشرب الماء من الزجاجة دون أن يلمس الزجاجة.
قرد صغير يحب القفز واللعب.
فتاة تحب الدوران بثوبها الواسع، تصنع دوائرَ، توزع فرحة من طرف الثوب، تبعثر عطراً، ترسم بألوان مفرحة أشكالاً مبهجة.

في الداخل لا يوجد شئ!



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك