29 نوفمبر 2010

في عالمه الخاص

(Justine Beckett - Isolation)


يرتدي قميصاً أبيضَ بياقة منتصبة وكمّين مطويين حتى منتصف الساعد. الشعر المبعثر بعضه يغطي أحد الحاجبين والبعض الآخر يواري إحدى أذنيه، ومع كل حركة تظهر له عين تتابع الأفق. يبدو عليه أنه لا يواظب على حلاقة ذقنه ولا يهتم بترتيب شعره. أثر الألوان يبدو واضحاً على صدره، والكمّان نظيفان. في جيبه على الدوام فرشاة ألوان أو قلم ألوان خشبي على سبيل الاحتياط.

. . .

يستيقظ مبكراً جداً قبل الطيور، يستقبل الشمس بحفاوة وترحاب، ويشاطرها كوب شاي بالنعناع. يجلس متكئاً، يلقي إحدى رجليه فوق الأخرى، يستند بمرفقيه على الأرض، يغمض عينيه، ويتنفس، يشرب الهواء باستمتاع. لديه خمس وستون لوحة للشمس رسمها خلال صباحاته المتتالية. بعض اللوحات استغرق دقائق ليكتمل، وبعضها استغرق أياماً، والبعض الآخر لم يكتمل أبداً، ولا يبدو أنه سيكتمل.

يلمس أوراق الشجر في الطريق، ولا يقطعها، يحب أن يتلمّسها، ويتواصل مع هذا المخلوق الأخضر، وربما رسم له لوحة ليضيفها إلى مئات اللوحات الخضراء لديه.

ربما لن تتمكن من معرفة صوته، هل هو عميق! هل هو رفيع! ولن تتمكن من معرفة طبعه، هل هو مرِح! هل هو حكيم! هو لا يتكلم إلا رمزاً، ولا ينطق إلا لضرورة قصوى.

. . .

في الشتاء، يرتدي جوربين صوفيين أبيضين، ويتنفس أسفل الغطاء، ويحتسي النعناع الدافئ واليانسون، ويستحم بالماء البارد! يحب البَرَد المتساقط، يجمعه، يشمه، يتذوقه، ويرسمه. يحب الندى المتجمّع عند الصباح الباكر فوق حبات الرمل. يقترب من الأرض، ويدقق في حبات الرمل المبتلة، ويهمس لها بحديث سرّي. يمكن أن تجده في ليلة باردة يقف على ناصية طريق، يرسم سيارة تمرُّ متأخرة، يقودها سائق يغالبه النعاس، يعمل ليلاً ليعول أسرته. يدعو للسائق أن يصل بيته سالماً.

. . .

كان يرسم نبتة غضّة، فاقتربت منه فتاة أغضّ من النبتة، تراقب لمساته الحانية، وهمسه الدافئ، وبعثرة الألوان في كل مكان. سألته عن اسمه، فالتفتَ إليها، وأزاح الشعر المتساقط على جبهته، ومسح أصابعه الملونة في قميصه، وأشار إليها أن اقتربي، فلمّا اقتربتْ، أشار لها أن اجلسي. جلستْ لساعتين كاملتين حتى انتهى من رسم النبتة. همس للنبتة بوداع حانٍ، جمع فرشاته وألوانه وأوراقه ثم رحل!
في تلك الليلة مزق أكثر من مائة لوحة، لشموس، لأشجار، لسيارات، لمنازل، لأحلام، ولطّخ وجهه بالألوان. سقط مرهقاً، واستيقظ في صباح اليوم التالي، اغتسل، وذهب لزيارة النبتة في نفس المكان، ولا يدري أيّ النبتتين يقصد! انتظر لساعات، رسم شمساً تختنق، تسقط في دوامة الصمت، ولم تكتمل. وبعد ذلك لملم حاجياته ورحل. بعد هذه الليلة، توقف عن الرسم. اختفى، تسامى!

. . .

(ننشغل كثيراً بأشيائنا الخاصة، وربما يمرُّ بنا شئ يهمنا ونريده، ولكن لكثرة انشغالنا لا نرى شيئاً، تتسرب الفرص من بين أصابعنا، يأسرنا انشغالنا، ونختنق ببطء.
لكل المشتغلين بالحياة، المواظبين على رسم تفاصيلها، الملطخين بألوانها، المنكبين على شغلها، ذوي الشعر الذي يغطي العينين والأذنين، والياقات المرتفعة، والأصابع التي لم تألف السلام، والألسن التي لم تألف الكلام، إليكم جميعاً أهدي نصيحة؛ أزيحوا عن أعينكم الأغطية، وامسحوا عن أيديكم الأشغال، وانتبهوا لكل الفرص التي تأتيكم، تستقر أمامكم، وتنتظر منكم أن تمسكوها بيدٍ راغبة).




أحمد فايز



28 نوفمبر 2010

مسلم - مسيحي



فكرتُ من قبل في كتابة موضوع عن (الفتنة الطائفية/ الصراع المسلم-المسيحي/ اضطهاد الأقباط في مصر)، وكل هذه مسميات ضخمة لا أحب استخدامها، استخدام عناوين كهذه من شأنه إشعال صراع وفتنة من لا شئ.


هل قرأتَ تاريخ مصر؟

إذا كنتَ قرأته فلا داعي لأن أستعرض في هذا الموضوع تاريخ المسيحية في مصر، وتاريخ الإسلام، والعلاقة بين الديانتين على مر العصور. وإذا لم تكن قد قرأتَ تاريخ مصر فيجب عليك أولاً قراءته، ثم بعد ذلك يمكنكَ التحدث عن الفتن والصراعات وما إلى ذلك من المسميات.


هل المصريون بشر؟!

إذا كانت إجابتكَ (نعم)، فيجب أن تعرف أن البشر دوماً في صراع؛ صراع سياسي، صراع اقتصادي، صراع فكري، صراع ديني، وصراعات أخرى شخصية، فحيث يوجد الاختلاف يوجد الصراع. من الطبيعي أن تكون هناك مشاحنات بين الحين والآخر بين أصحاب الديانات المختلفة، وذلك راجع إلى طبيعة البشر التي تتنافر عند وجود الاختلاف. نحن بشر، نحن مختلفون.


ما سبب وجود الصراع؟

كون المصريون بشراً هو مصدر الصراع - كما ذكرنا سابقاً - والسبب في ذلك أن معتنقي الديانات ليسوا على نفس الدرجة من فهم الدين والالتزام به. من المعروف أن كلاً من الإسلام والمسيحية يدعو إلى السلام وحُسن معاملة الآخر. في كل ديانة هناك المتعصب والمتسيب، وهؤلاء الأشخاص المتعصبون والمتسيبون لا يفهمون دينهم فهماً صحيحاً، وبالتالي - وعن طريق الخطأ والجهل - يرتكبون أفعالاً باسم الدين، وما هي من الدين، ويتشدقون باسم الدين وهم ليسوا أهلاً ليكونوا لسان دينهم. العقلاء في كل مكان يرفضون الفتن والصراعات والمواجهات العنيفة، فبالمنطق والفهم السليم يمكن الوصول إلى حلول.

لن أتحدث هنا عن تعاليم الإسلام فيما يتعلق بمعاملة غير المسلمين - وبخاصة النصارى - ولن أتحدث عن تعاليم المسيحية المتعلقة بمعاملة الآخر، فلستُ خبيراً في أيّ من الديانتين، لكني أعرف جيداً أنه لا توجد ديانة تدعو إلى رفض الآخر أو التخلص من الآخر. يمكن لمن يريد التعرف أكثر على هذه النقطة البحث عن تعاليم الإسلام وتعاليم المسيحية، وليتعلم كيف يتعامل مع الآخرين.


فتنة طائفية!

ما هي الفتنة الطائفية ؟ هي سوء تفاهم أو تشاحُن بين طائفتين أو جماعتين أو فريقين. هذه الفتنة يمكن أن تتراوح بين تبادل الاتهامات والتصريحات بين الفريقين، وقد تصل إلى مواجهات عنيفة ودموية. وأعود مجدداً إلى التاريخ، تاريخ الفتن الطائفية والحروب الأهلية وغير الأهلية في العالم، والعاقل المتدبر سيدرك أن وجود مثل هذه الفتن هو شئ ضار جداً بأي مجتمع، شئ مدمِّر، شئ لا يدعو إليه إلا أصحاب النفوس المريضة والمصالح الفاسدة. لا يوجد في مصر من يريد أن يقتل المسلمون والمسيحيون بعضهم بعضاً، فالطرفان سيخسران الكثير.


هل هناك فتنة طائفية في مصر بين المسلمين والمسيحيين؟

بالتأكيد هناك سوء تفاهم، وكما ذكرنا سابقاً فسوء التفاهم هذا ناتج عن الفهم الخاطئ للدين من الجانبين، فالديانات السماوية في انسجام، ولا توجد ديانة تدعو لاضطهاد الديانة التي تسبقها أو التي تليها، العيب عيب الأفراد وليس عيب الديانات.
كل فترة يظهر خبر وعنوان ضخم يصف حادثة وتتسارع بعض الأفواه إلى نسب الأمور إلى الصراع الطائفي. لابد من وجود مشاحنات بين البشر بعضهم وبعض، وبين أصحاب المعتقدات المختلفة، لكن هناك صورة مناسبة للاختلاف، وطريقة لائقة لإبداء الاستياء. ليس الأمر أن مسلماً ضرب مسيحياً، أو أن مسيحياً ضرب مسلماً، الأمر أن شخصين تعاركا، كل منهما يحمل ديانة مختلفة، اختلافاتهما الشخصية لابد أن نضعها في الاعتبار، والصراع من أجل الدين إن كان موجوداً فيجب أن نفهم أن أحدهما أو كليهما قد أخطأ في فهم دينه.

هناك احتقان واضح بين الطرفين، أمر شهدته بنفسي، فهناك برود في تعامل بعض المسلمين مع بعض المسيحيين، والعكس صحيح. وهناك من يتكلم من المسلمين عن المسيحيين بالسوء، والعكس صحيح. وهناك من يضمر مشاعر سيئة من المسلمين تجاه المسيحيين، والعكس صحيح.

العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، الصداقات، الجيرة، العمل سوياً، هذه الأشياء قديمة قِدم تاريخ الديانتين، والجديد هو وجود هذا القدر من الاحتقان والمشاعر المكبوتة. هناك مسيحيون أنا أحترمهم جداً، وآخرون أشعر بعدم الارتياح معهم، هذا أمر طبيعي، فنحن بشر، لكن هذا لا يعني أنني أحمل مشاعر سيئة تجاه الديانة المسيحية، أو تجاه المسيحيين بشكل عام، أنا أحب الأشخاص الجيدين، ولا أحب الأشخاص السيئين، أيّا كانت دياناتهم.

مصر الآن دولة إسلامية، كما كانت ذات يوم دولة فرعونية، ودولة مسيحية، فالأديان تتغير، ولكن مصر كانت وستكون دوماً بلداً للمصريين على اختلاف دياناتهم. والمسيحيون ليسوا أقلية في المكانة، وإنما قلة في العدد، وفي كل العالم هناك أقليات. ومسيحيو مصر من أكثر أقليات العالم حصولاً على حقوقهم، فليس هناك في مصر نظام مختلف لمعاملة المسيحين، هناك اختلافات بسيطة بسبب اختلاف الدين. والجميع يعرف - بما فيهم المسيحيون - أن الإسلام يتعهد بحماية أصحاب الديانات الأخرى ويحرص على حرية أداء الشعائر، ووصايا النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) وأصحابه من بعده خير دليل على ذلك.


أصابع خارجية!

فكرة وجود قوى خارجية تسعى لزعزعة استقرار مصر هي فكرة واردة. مصر بعد حرب أكتوبر أصبحت دولة ليس من السهل التعامل معها عن طريق المواجهات المسلحة، وبالتالي يجب أن تنتقل العداوات إلى مستوى آخر من المواجهة، وتخريب وحدة وانسجام المجتمع من الطرق الناجحة لتقويض وحدة أي دولة، وبالتالي إضعافها.
التدخل الخارجي قد يكون لأسباب عسكرية، سياسية، أو اقتصادية. بالتأكيد هناك من لا يريد أن تتمتع مصر بقوة أكبر، فمصر قوة لا يُستهان بها، وفكرة أن مصر قادرة على الارتقاء أكثر وأن تصبح قوة عالمية لهو أمر مزعج لبعض الأطراف الخارجية.


تلخيصاً لكل ما سبق، لا يجب أن يكون هناك صراع بين المسلم والمسيحي، بل يجب إسكات كل من ينادي بوجود صراع، ويجب إسكات كل من يدعو إلى الفتنة. وجود مثل هذه الفتن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفيد المصريين، بل هو دمار سيسعد به أصحاب القلوب المريضة والأعداء المتربصون. يجب أن يكون التعامل بين المسلم والمسيحي مبنياً على احترام الآخر وتقبل الاختلاف، لا على التشاحن والتباغض. يجب البحث عن نقاط الاتفاق، وتعزيز التواصل والاندماج. يجب نبذ الفكر الخبيث الذي يدعو إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وتحاشي الدخول في صراعات لا يعلم عاقبتها إلا الله.



27 نوفمبر 2010

لُعْبَة




لُعْبَة

سأعُدُّ إلى عشرةْ
اختبئوا
وسأبحثُ عنكم
ومن أمسكُهُ سأقطّعُ منهُ الأوصالْ
وسأُخرِجُ أمعاءَهْ
وسأصنعُ منها بالوناً
وسأُفرغ ُ مُخَّهْ
وسأملأُ تجويفَ الرأس ِترابْ
وسأُطفئُ في فمِهِ أعقابَ سجائرْ
وسألبسُ يدَهُ قفّازاً
وسأصنعُ من جلدِ الظهرِ جواربْ
وقِرابْ
وسأجعلُ من عينيهِ دُمَىً
وأُعِدُّ من الكبدِ عشاءً
والدمُّ شرابْ
..
سأعُدُّ إلى عشرةْ
اختبئوا
وسأُلقي قنبلةً عندَ مخابئِكم
وسأضحكُ حينَ أشاهدُكم
من دونِ حِرَاكْ
وسأقفزُ بين الأجزاءِ المنتشرةِ
وألطّخُ كفّيَّ
وأرسمُ فوقَ الأبوابْ
وسأجمعُ أطرافاً
وأبدلُّها
وسأصنعُ منها مسخاً
وأسامرُهُ
وأضاحكُهُ
وأشاركُهُ كأسَ شرابْ
..
هيّا..
سأعُدُّ إلى عشرةْ
من يلعبْ!
..

أحمد فايز


 

25 نوفمبر 2010

ثلاثة أشياء عن الحياة الواقعية



سأخبركَ ثلاثة أشياء عن الحياة الواقعية. ثلاثة أشياء يجب أن تدركها مبكراً لكي لا تنجرف مع التيار، لكي لا تتوه بين الطرق المتشابكة، لكي لا تسقط في مستنقع الغفلة والندم. ثلاثة أشياء سيقولها لكَ كل من قطع شوطاً كبيراً في هذا المضمار الذي يُدعى حياة، سواءً كان كبيراً هذا الذي يخبركَ أم صغيراً، فليست العبرة بالسن. اقرأ التالي بتمعّن، حتى وإن كنتَ تعرفه، وفكِّر فيه بعقل يرغب الوصول إلى الحقيقة. الحياة ليست ثلاثة أشياء سأخبركَ إياها، ولكنها درس طويل يجب أن تتعلمه، أنا سأخبركَ من الحياة ثلاثة أشياء فقط، وأرجو أن تتعلمها.


1- الحياة لا تتوقف من أجلكَ:

أخبرني، كم مرة توقف العالم لأنكَ حزين، أو لأنكَ مريض، أو لأنكَ فشلتَ؟ وكم مرة أعلن العالم اليوم عيداً لأنكَ سعيد، أو اجتمع العالم احتفالاً بنجاحكَ؟
حياتكَ بكل ما فيها لا تهم سواكَ، أو تهم فئة قليلة ممن حولكَ. ووجودكَ لا يفرق كثيراً إلا معكَ، أو مع فئة قليلة ممن يعتمدون عليكَ ويهتمون بكَ. فإذا تم حذفكَ من قائمة الأحياء، تُرى هل يتوقف العالم عن العمل!
انتظر، أنا لا أخبركَ أنكَ غير مهم، أو أن وجودكَ لا معنى له. أنا أخبركَ أنكَ لستَ مهماً بالدرجة التي تؤثر في العالم ككل، لكنكَ بالتأكيد مهم لنفسكَ ولمن حولكَ، ومدى أهميتكَ يعتمد على (قوة مكانكَ في الحياة)؛ وهي دوركَ الذي تلعبه، وتأثيركَ الذي تُحدِثه، والأثر الذي تتركه. وبقدر قوة مكانكَ تكون أهميتكَ. وهنا أنصحكَ بأن تجتهد لتكون مهماً، لتملك مكاناً قوياً وتأثيراً في كل ما/من حولكَ.
تذكّر، أنتَ مهم، ولكن ليس بالدرجة التي تجعل العالم يتوقف من أجلكَ.


2- أنتَ لستَ مثالياً:

نسبة 100% التي يصل إليها البعض هي مقياس بشري ناقص في الأصل، فوصولكَ إلى هذه الدرجة من المثالية هو وهم. لا يوجد شخص مثالي، لا يوجد شخص يمكنه فعل كل شئ، لا يوجد شخص يعرف كل شئ، لا يوجد شخص يمكنه عمل كل شئ بشكل مثالي كل الوقت، لا يوجد شخص لا يُخطئ، لا يوجد شخص لا يمرض، لا يوجد شخص لم يشعر أبداً بالحزن.
ما الذي تستفيده من معرفتكَ بأنكَ لستَ مثالياً؟
هذا لا يعني التوقف عن المحاولة للوصول إلى المثالية، أو إهمال الإتقان، أو الانسياق خلف الأخطاء. هذا يعني أنكَ تعمل بالجهد المناسب لتصل إلى درجة مناسبة من الإتقان، من دون أن تضغط على نفسكَ كثيراً لتصبح مثالياً، أو تعاتب نفسكَ كثيراً لأنكَ لستَ كذلك. وهذا يعني أيضاً أنكَ لا يجب أن تتوقع المثالية من الآخرين، لا تطالب الآخرين بأن يكونوا خارقين، لا تنتظر منهم الكمال في أفعالهم وأقوالهم وشخصياتهم، لا تفترض أنهم لن يخطئوا.
دائماً ضع لنفسكَ أهدافاً واقعية قابلة للتحقيق، وحدد مقياساً لنجاحكَ، وليكن مقياساً معقولاً، ولا تطالب نفسكَ بالمثالية، لأنك لستَ مثالياً ولن تكون.


3- الحياة لا تسير دوماً وفقاً لمخططكَ:

لا يمكنكَ رسم مخطط لما ستكون عليه حياتكَ. بالتأكيد يمكنكَ، لكن لا تتوقع أن تسير الأمور دوماً وفقـاً لمخططكَ!
لماذا إذاً نخطط للمستقبل؟
التخطيط لا يعني أن يحدث كل شئ وفقاً للمخطط، وإنما التخطيط هو الإطار الذي نرجو أن تسير الأمور وفقاً له.
ضع دوماً خطة بديلة، كما يطلقون عليها (Plan B)، وربما تحتاج لأكثر من خطة بديلة. هناك الحكمة المعروفة التي تقول (لا تضع البيض كله في سلة واحدة)، فلا تضع كل حياتكَ وآمالكَ على خطة واحدة من دون مخرج أو طريق جانبي، من دون حلول للمشكلات المتوقعة أو غير المتوقعة.
كثيراً ما نضع خططاً ونرسم أحلاماً لما نريد أن نكونه، لما نريد أن نفعله، لما نريد أن نحققه، وكثيراً ما تخذلنا الحياة، ويتغير مسارنا بعيداً عما كنا نريد. هنا يجب قبول الأمر بـ(روح رياضية)، لا تجلس كمن سكب اللبن وجلس إلى جواره يبكي عليه، هنا تفيدكَ خططكَ البديلة وروحكَ المرنة.
إن لم يُقدَّر لكَ مجال الدراسة الذي ترغبه، لا بأس، ابحث عن ثاني أنسب شئ لكَ. وإن لم توفق في مجال عمل تريده، لا بأس، ابحث عن شئ آخر تجيده.
خططكَ مهمة وضرورية، لكن ليس بالضرورة أن تتم بالصورة التي تريدها. تقبّل هذه الحقيقة.


هذه الأشياء الثلاثة أعلم أنكَ قرأتَ عنها أو سمعتها من قبل، وأريد أن أعيدها عليكَ لتتذكرها مجدداً وتفكر فيها مرة آخرى.

أنتَ من يرسم حياتكَ - أو معظمها - فلا تدع الظروف تحدد من تكون، ولا ماذا تفعل في هذه الدنيا. لا تدع نفسكَ بلا هدف أو بلا قيمة، فمن أسوأ الأشياء ألا تعرف الغرض من وجودكَ في الحياة والدور الذي تلعبه فيها.

كن مهماً، فعّالاً، ومؤثراً، وأنت تعلم أن الحياة لن تتوقف من أجلكَ، وأنكَ لستَ مثالياً، وأن الحياة لا تسير دوماً وفقاً لمخططكَ.



23 نوفمبر 2010

غرفة انتظار



في غرفة انتظار، المقاعد تبدو مريحة. يتواجد شابان صديقان يتمازحان، طفلة بصحبة امرأة تبدو كوالدتها، رجل بالغ يرتدي كشخص مهم، رجل عجوز يستند إلى عكازه، فتاة مراهقة تعبث بهاتفها النقال، و ... أنـا.

الصديقان.
أحدهما نحيل، يرتدي سواراً قماشيـاً، شعره مبعثر، و دائماً يُحرّك يديه عند الكلام.
الآخر متوسط البـِنية، يرتدي نظارة نظر، يضع يديه في جيوب معطفه، و يعبث في ذقنه باستمرار.

الطفلة و والدتها.
الطفلة تبلغ حوالي عشر سنين، يتجمّع شعرها البنيّ إلى الخلف كذيل حصان، و تلبس أقراطـاً على شكل فراشة.
الأم قد تعدت الثلاثين، تضع حقيبة سوداء قماشية فوق رجليها، و ترتدي حذاءً قصير الكعب.

الرجل المهم يُخرج بين الحين و الحين هاتفه الخلوي للرد على مكالمة واردة أو لإجراء مكالمة قصيرة. بجواره حقيبة سوداء، و يرتدي قميصاً أبيضاً تحت بزّته الرمادية. لا يبتسم على الإطلاق.

الرجل العجوز يملك شعراً أبيضَ خفيفـاً، يستخدم سماعة لضعف السمع، ترتعش يداه الواهنة، و يحتفظ بقلم في جيب قميصه.

الفتاة المراهقة لا تضع الهاتف النقال من يدها، ترتدي حذاءً رياضياً و سترة كـُحلية، لا تنتبه لأي شئ حولها، و تفرك عينيها من طول النظر إلى الهاتف.

أنـا ... لا أدري !

...

في غرفة انتظار، المقاعد تبدو مريحة.
عقارب الساعة المعلـّـقـة على الحائط تشير إلى الحادية عشر إلا عشر دقائق، صباحاً/ مساءً.
التلفاز يعرض الأخبار/ الإعلانات التجارية/ منوّعات.
النوافذ الزجاجية العريضة تسمح بدخول الضوء من الخارج. الستائر على الجانبين.
المقاعد فارغة !

...

استيقظتُ اليوم مبكراً، اغتسلتُ بماء دافئ، ارتديتُ قميصاً أزرقَ تحت سترة سوداء، و خرجتُ و أنا أحمل حقيبة ورقية في يدي.
الساعة على يدي تشير إلى السابعة.
عند دخولي الغرفة لم ينتبه أحد لي.
الساعة على يدي لا تزال تشير إلى السابعة.
ملامحي اليوم لم تظهر في المرآة !

...

المقاعد فارغة. أنـا فارغ. الوقت فارغ.
من المحيّر أن تقرر أيها أصح؛ عدم وجود الآخرين، عدم وجودك، عدم وجود المكان، أم عدم وجود الوقت.
أشعر بصداع في جانب رأسي الأيمن، و بألم في عيني اليمنى، و الرؤيـة تصبح أحيانـاً ضبابية. الإرهاق يستنزفني حتى أنني أشعر بسقوطي في هوّة الاستسلام. النعاس يحكم قبضته على جسدي المنهَك، و أسقط.

...

ربما لو كنتُ أنـا من يمسح البخار عن زجاج المرآة، و يعيد ترتيب أدوات الحلاقة بعد استخدامها، و يُفضّل الجوارب البيضاء في الصباح، ربما أصل في الحادية عشر إلا عشر دقائق إلى غرفة بها شابان صديقان يتمازحان، طفلة بصحبة امرأة تبدو كوالدتها، رجل بالغ يرتدي كشخص مهم، رجل عجوز يستند إلى عكازه، و فتاة مراهقة تعبث بهاتفها النقال.
في الوقت المناسب سأكون موجوداً، سأكون مناسبـاً، عندها سأكون.

...

ملحوظة: الساعة الآن حوالي الثانية بعد منتصف الليل.



22 نوفمبر 2010

القطار




تعاتبني إذا ما كلمتها بالشِعر، تريد كلاماً عادياً، لا تريدني أن أردد لديها نشيداً أو أرسل إليها وروداً. وفي غيابها أتسكّع مع فتيات بلا أب.

..

أعلم أنني أضعتُ فرصتي، ربما فرصتين، ربما أكثر. بعد مُضي أربع سنوات أسأل نفسي "لو..." وهل يفيد السؤال! كانت تحمل طفلة جميلة، خشيتُ كثيراً أن أحن إلى وجودها الطفولي، وأنا بطبعي أحن إلى الأطفال. أسأل عن أحوالها وعن صحة الطفلة وأشعر بألم غريب إذ أن هذه الطفلة ليست لي! ربما هي تشمت بي الآن، هي تملك زوجاً وطفلة رائعة وأنا لا زوجة لي ولا أطفال. هل انتصرَتْ عليّ! لسنا في مسابقة ولا منافسة لنبحث أينا انتصر أو أينا أكمل الطريق أولاً.

..

منذ أربعة أعوام أهملتُ شيئاً ربما كان رائعاً ولم أدرك ذلك وقتها. ربما كان عادياً جداً وأنا أضخـّم الأمور. هل أضعتُ فرصتي! وهل كانت فرصة! ربما رؤية الأشياء لدى الآخرين تدفعنا لتمنّي حصولنا على مثلها مثلهم.

..

القطار يهتز، القطار بطيئ، وأنا أحب القطارات البطيئة، يتوقف في بعض المحطات لثوان معدودات، وفي محطات أخرى يستمر الوقوف لدقائق طويلة. في أيّ القطارات أنا الآن! وأيّ القطارات فوّتها على نفسي! في المحطة قبل الأخيرة -والأخيرة هي موطني- شعرتُ برغبة ملحّة لأن أصِل. الوصول هو مطلب الكثيرين، وأنا كان مطلبي من قبل هو السفر. هل أحن الآن إلى الوصول! أي المحطات مررتُ عليها! وماذا تبقّى بعد!

..

أيتها الفتاة القادمة، ستلقينني في طريق، وسأكون شخصاً عادياً لا يلفت الانتباه، وربما تلمحين فيَّ ثقة مصطنعة، سنجلس في كرسيين متقابلين، وستلاحظين فيَّ غموضاً يثير فيكِ روح المغامرة، سنتحدث، وستُعجَبين بحديثي الرزين المهذب، وبمنطقي المرتب. سنلتقي مجدداً مصادفة، وستسعدين بهذا اللقاء. ستعتقدين خطأً أنكِ تحبين فيَّ شخصاً ما، وأنني من كان يأتيكِ في الأحلام بالزهور البيضاء. سأمارس شعائري في الاقتراب والابتعاد، في الصُلح والمخاصمة، بلا أسباب -من وجهة نظركِ- وجيهة. سترتبكين من أحوالي المتقلبة، ومن غرابتي المتزايدة، وستعتقدين أن في إمكانكِ إصلاحي وترميمي. وذات يوم ستركبين القطار وستجلسين في مكاننا المعتاد ولن تجدي أثراً لي! 



(لكل الفرص الضائعة .. أعتذر إليكنّ جميعاً)




13 نوفمبر 2010

سارة


 


رحيق الورد يا سارة يذكّرني كم كنتِ قريبة.

في بداية شتاءٍ تبادلنا قرنفلة ووردة بلدي.
أذكر كم كنتِ طفلة حين رفضتُ المبادلة.
كدنا نتخاصم على الرغم من أننا لا نعرف بعضنا جيداً.
التهلل على وجهكِ بعد حصولكِ على تلك الوردة يشعرني وكأنني أعرفكِ منذ زمن.
ربما تساءلتُ؛ ترى ماذا سيحدث بعد عشرة أعوام؟!
أين سأكون، وأين ستكونين؟
اعتقدتُ أنني سأكون مثل بحّار، أسافر في البحر عدة سنوات، وأعود إلى بيت صغير عند الشاطئ لأجد عروس البحر تنتظرني فيه.
كنتُ صغيراً جداً وقتها.
الآن أعلم جيداً أين سأكون وأين ستكونين.
سنكون في قارتين مختلفتين، تفصل بيننا الحدود والمُدُن.
سوف أتذكّركِ، أتردد في أن أرغبَ فيكِ، وسأزجُر نفسي إن فكرَتْ في البحث عنكِ.



نحن بعيديْن جداً يا سارة.

هل تذكرين الكلام الذي نقشته لتقرأيه؟!
أعجبكِ، أليس كذلك!
أذكر أنكِ استحسنته، وفي نفس الوقت تعجّبتِ من أنني أعرف كيف أكتب كلاماً منمّقاً. أعرف أنني لا أبدو كشخص رقيق المشاعر حلو الكلام.
هل أدركتِ وقتها أنني كتبته لتقرأيه أنتِ ولا شخص سواكِ!
هل تذكرينه الآن، أو تذكرين حتى أنكِ قرأتِ كلاماً أنا كاتبه!
أم نسيتِ الكلام وصاحبه!
ربما لو لم أبتعد كل هذه المسافة لكنّا قريبين الآن.
لكن مَن أنا لأقرر مقدار القرب بيننا!
لقد كنتُ طفلاً، أذهب حيث يُقال لي، وأبتعد بقدر ما يشاءون.
أنتِ أيضاً ابتعدتِ.
تتبّعتُ أخباركِ لفترة قصيرة، ربما لعامين أو ثلاثة، وبعدها تركتُ الأخبار لتأتيني مصادفة، وأعلم جيداً أنه لا توجد مصادفة تقرّبني إليكِ.



الافتراضات تقتلني يا سارة.

أحياناً أفكر كيف كان سيصبح الأمر لو كنّا سوياً الآن.
أتذكّر تفاصيل حدثت منذ...
لا أذكر منذ كم عام، لا أعرف كم مر من الأعوام منذ آخر مرة راقبتُ فيها تفاصيلكِ.
أنا أبتسم الآن.
أذكر ابتسامتكِ الجميلة، طفولية، بريئة، أسنانكِ الصغيرة المتناسقة، وإشراق العينين مع كل ضحكة.
مجرّد تذكّر ابتسامتكِ يعيد إليّ الحياة.
أذكر كيف كنتِ تلعقين أصابعكِ بعد الطعام، مشهد يثير فيّ الضحك والشوق.
وأذكر أنكِ كنتِ خمرية اللون.
هل لازلتِ خمرية؟!
أعتقد أنني أحب اللون الأبيض لبشرة الفتاة. لكن، أي فتاة تلك التي تضاهي في حسنها من تبدو جميلة حتى وإن لم تكن موجودة!
أنتِ الفتاة الخمرية الوحيدة التي أراها جميلة.
أذكركِ وأنتِ متجهّمة.
لا تبدو عليكِ القسوة مطلقاً. أنتِ لا تصلحين كشخص شرير.
أذكر الآن أنكِ تملكين عينين سوداوين.
لا أنكر ولعي بالعيون الزرقاء. لكن، ما حاجتي إلى عينين زرقاوين إن لم تكونا لكِ!

يكفي هذا.
بدأ الألم يزداد أسفل ضلوع الجانب الأيسر.

اه.
نسيتُ أن أخبركِ يا سارة أنني مِتُّ منذ عامين.
!


10 نوفمبر 2010

الأفاعي التي تطير


الأفلام الوثائقية:

أعتقد أن الأفلام الوثائقية من أفضل و أنجح الوسائل لنقل المعلومة. تستطيع مشاهدة فيلم وثائقي يتكلم عن أي شئ تحب أن تعرف عنه. بجانب المحتوى المعرفي، فهو يقدم لك المعلومة بشكل شيق، حيث تسمع و تشاهد المعلومة بمزيد من الإيضاح و التفسير. 

- - -

الأفاعي تطير !

هناك زواحف عادية تزحف على الأرض، و زواحف أخرى تعيش في الماء، و هناك زواحف تطير !
هناك الطيور التي تحلّق في السماء، و طيور أخرى لا تستطيع الطيران، و طيور تغوص و تعيش في الماء !
هناك ثدييات تسكن الأرض اليابسة، و ثدييات أخرى تعيش في الماء، و هناك ثدييات تطير في الهواء !
هناك أسماك، كما هو معروف، تعيش في الماء، و هناك أسماك تطير ! و أسماك تعيش على اليابسة !
الطبيعة مليئة بالعجائب. افتح عينيك و سترى.


- - -

عندما كنتُ طفلاً:

فكرتُ في الطيران. فكرتُ في صنع جناحين.
و عندما وقفت على الحائط المرتفع، خشيتُ القفز، جَـبُنتُ، و الجُبن ينفع أحيانـاً.


فكرتُ في صنع طائرة ورقية. رأيتها في السماء كثيراً و أعجبتني. بدَتْ صغيرة على هذا الارتفاع.
أحضرتُ العُـدّة، و بدأت في صنع أول طائرة ورقية لي. صنعتها بنفس مقاس الطائرة التي رأيتها تحلّق بعيداً.
عرفت بعد ذلك أنها كانت صغيرة. كنتُ أراها صغيرة فصنعتها صغيرة. و كانت صغيرة لأنها بعيدة.
الأشياء تختلف عندما نراها عن قرب.


صنعتُ صنـّـارة بنفسي. أحضرتُ قصبتها، و خيطها، و سرتُ مسافة كبيرة لأشتري لها خطافـاً.
و لم أذهب بها أبداً للصيد !

- - -

ملخـَّص:
  • الأفلام الوثائقية مفيدة و ممتعة.
  • الأفاعي تطير. الطبيعة عجيبة و مثيرة. يجب أن نفتح أعيننا و نوسّع آفاقنـا. الأمور المستحيلة قليلة.
  • يجب أن نتحلى بالشجاعة. الجُبن ينفع أحيانـاً. القفز من مكان مرتفع ليس بفكرة جيدة.
  • الطائرة الورقية أكبر مما تبدو عليه و هي تحلّق في السماء. الأمور تختلف عندما نراها عن قرب.
  • إذا امتلكتَ صنارة (شئ تحبه)، يجب عليك أن تستخدمها.


08 نوفمبر 2010

الفتى الذي أدمن الأحلام




أحياناً نبدو غريبين. 

ذات صباح جميل كنتُ أجلس بمقعدي في حصة اللغة العربية أتابع من النافذة سحابة بدتْ جميلة ذلك اليوم.
اقترب المدرس منّي وئيداً حذراً، نظر في نفس اتجاه نظري، يبحث عن ذلك الشئ الذي يشغلني.
سألني: "إلى أي شئ تنظر؟!".
أجبته: "إلى تلك السحابة، أليست جميلة!".

...

أحياناً نعتقد أننا على صواب، ونرى كل الأشياء تؤيد اعتقادنا، وفي الحقيقة نحن نرى الأشياء وفق هوانا. 

كنتُ مسافراً ذات يوم، برفقة صديقين، اقنعتهما أنني أعرف الطريق جيداً.
خرجنا في صباح رائع، وبمنتهى السلاسة انتقلنا من مواصلة إلى أخرى.
كل الإشارات في الطريق، المعالم، صور الذاكرة تشير إلى أننا (أنني) على الطريق الصحيح.
انتهى بنا الأمر في بلد مختلف تماماً عن وجهتنا!

...

نحن لا يكتمل نضجنا أبداً. 

ينتظر الجميع السن الذي يكونون فيه على دراية ومعرفة بالأمور، الذي يبلغون فيه درجة من النضج والوعي.
هذا السن لا يأتي أبداً. مهما بلغ بنا العمر نظل نرتكب الأخطاء والحماقات.
ننظر إلى الأمام، إلى الأمام، إلى الأمام حتى لا نجد شيئاً أمامنا، سوى نقطة النهاية.
نحن لا نكتمل أبداً، فقط تتفاوت درجة نضجنا.

...

الأحلام الكبيرة تحتاج إلى جهد كبير كي تتحقق. 

وضعتُ لنفسي هدفاً أن أصبح مليونيراً قبل بلوغي سن الأربعين.
يكفي مليوناً واحداً، فلا أريد المبالغة في الأحلام!



06 نوفمبر 2010

ثانيتان




تبدو الأشياء صغيرة جداً. يبدو الأفق ضيقاً جداً.
عند الحافة تنتهي الشكوك وتظهر حقيقة واحدة.
10 أدوار، كل دور بارتفاع 3 أمتار تقريباً، فالإجمالي ثلاثون متراً.
باعتبار قيمة عجلة الجاذبية الأرضية 10 متر/مربع الثانية، فالوقت المستغرق من أعلى إلى أسفل أقل من ثانيتين! 
..
التقيتُ فتاة تُدعى (تشيلسي) في جامعة (ماساتشوستس) بوسطن، في كلية (العلوم والرياضيات)، كانت تعتقد أن العلم سيخلّص العالم من الفوضى التي تعمّه، كان ذلك في يوليو من عام 2001.
انتقلَتْ في بداية 2002 إلى (ليفربول) مسقط رأسها لاستكمال دراستها في العلوم الرياضية وذلك بعد التوتر الذي شاب الأجواء عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
بعدما أنهت دراستها شعرتْ بأن أيّاً كان ما تفعله فهو بلا قيمة، فماذا ستصنع هي في عالم يعج بالرؤوس النووية وأسلحة الدمار الشامل!
تركتْ دراستها المتقدمة وافتتحَتْ محل صغير لبيع الورود. قررَتْ أن تغير العالم بنشر الزهور الجميلة فيه.
..
كانت لي صديقة تخيّلية أحب التحدث إليها والتواجد معها.
خطرتْ على ذهني فكرة؛ أن أراها فعلاً!
ولكن كيف لي أن أرى شيئاً غير موجود من دون أن أتجاوز الحد الفاصل بين تمام العقل والجنون!
أحياناً كنتُ أعتقد أن المجانين مظلومون، هم فقط يرون العالم بصورة مختلفة، ربما حقيقية!
ربما لو صفيّتُ ذهني وزِدتُ من تركيزي ربما أراها فعلاً كما أرى البشر الحقيقيين.
ميزة الأصدقاء التخيليين أنهم يكونون كما تريد، أفضل ما يكون، من دون شوائب العلاقات الواقعية.
..
في العام 1986، في السادس والعشرين من شهر أبريل، وقعتْ كارثة تشرنوبل.
انفجارات وحرائق وخطر التلوث الإشعاعي يهدد معظم أوروبا.
يقال أن عدد الذين توفوا في هذه الحادثة كان 31 شخصاً، معظمهم توفي نتيجة التسمم الإشعاعي.
حجم الكارثة الحقيقي لم يكن بعدد الوفيات الناتجة عنها -والذي هو عدد قليل نسبياً- وإنما بالتأثير البيئي على كل الكائنات الحية في المنطقة ومن ضمنها الإنسان حتى وقتنا الحالي. هذه الحادثة أثارت انتباه العالم لخطورة التعامل مع الطاقة الذرية.
بعض الأحداث لا تظهر آثارها في التوّ واللحظة، أو لا تبدو ذات أهمية، وإنما تأثيرها المتأخر قد يكون أكثر خطورة وتدميراً.
..
عند الحافة تتوارد على عقلي قوانين الفيزياء، الجاذبية الأرضية، جامعة ماساتشوستس، تشيلسي، أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ليفربول، محل الورود، صديقتي التخيلية، كارثة تشرنوبل.

عند الحافة أتذكّر أشياءً لم أكن أذكرها من قبل وأتعجّب من كوني أعرفها.

صوت الرياح في أذنيّ وصخب الطريق في الأسفل يصلني مشوَّشاً والمدينة كلها تبدو كحفنة رمل في يد صبي، صبي أحمق لا يعرف كيف يُحكم قبضته على الأشياء، يتركها تتسرب من بين أصابعه.

ألم أخبركم عن هذا الصبي!

ربما في المرة القادمة.



03 نوفمبر 2010

كلُّ عام ٍ نلتقي




كلُّ عامٍ نلتقي

في كلِّ عامٍ نلتقي
ساعةً أو ساعتينْ
و نفترقْ
و الشوقُ في همٍّ عظيمٍ يحترقْ
و نختفي
و ندورُ في دنيا الهروبِ
في دوّامةِ الصمتِ
و نشتهي لقاءَنا
و نموتُ كلَّ عامٍ
موتةً أو موتتيْنْ
..
في كلِّ عامٍ
أكتبُ إليكِ رسالةً
و تكتبينَ
و الرسائلُ لا تصِلُ
و تكذبينَ حينَ تدّعينَ
أنّكِ بأحسنِ حالٍ
و أكذبُ حينَ أدّعي
أنّي بخيرٍ
و نسلّمُ مُسرعيْنِ
و ترحلينَ
تُلقينَ نحوي قبلَ التفرُّقِ
نظرةً أو نظرتيْنْ
..
لقد تعبتُ من السفرِ
و تعبتُ من صمتي
و تعبتُ من كلماتِنا الحمقاءِ
و الموتِ
و تعبتُ من غباءِنا
و غربتِنا
و تعبتُ من حبسِ اشتهاءاتِنا
و تعبتُ من كلِّ الكلامِ الكاذبِ
و لم يبقَ في العمرِ الذي أضعناهُ
غيرُ لحظةٍ أو لحظتيْنْ
..

أحمد فايز



01 نوفمبر 2010

عن الحياة - 3





نحن مدينون للآخرين، لأشخاص نعرفهم جيداً، وأشخاص نختلف معهم، وحتى أشخاص لا تربطنا بهم أي علاقة.
نحن مدينون للعديد من الأشخاص الذين قابلناهم في طريق حياتنا.

أحدهم أعطاني كلمة، أحدهم أعطاني فكرة، أحدهم أعطاني طريقة، أحدهم أعطاني اتجاه، أحدهم أعطاني شعور، والكثير الكثير من الأشياء التي نأخذها من الآخرين.

يجب أن ندرك هذه الحقيقة البسيطة عندما نتعامل مع الأشخاص.

الحياة بطبعها اجتماعية، وهناك التفاعل المستمر بين الأشخاص، ولذلك وجب الوصول لصيغة مناسبة لهذا التعامل تحقق الفائدة للجميع.
تبادل الأفكار والشعور والخبرات والمعلومات والاهتمامات جزء لا يتجزأ من هذا التفاعل البشري.

هناك أشخاص أنا غارق في فضلهم كأبي وأمي، كعائلتي، كأساتذة لي، كأصدقاء، وكأشخاص تعلمت منهم دون أن أعرفهم أو يعرفوني.

هناك أشياء صغيرة نتعلمها، (تريكّات) في الحياة، يمكنها أن تصنع فرقاً، سأذكر ثلاثة أشياء مختلفة تعلمتها من ثلاثة أشخاص مختلفين:

1- تعلمت من (تسنيم فهيد) أن أستخدم هذه العلامة ( / ) للفصل بين الكلمات.

2- تعلمت من (سارة سويدان) ألا أرفض طعاماً تقدمه لي أمي أو إحدى أخواتي لأن ذلك قد يزعجها أو يحزنها، وحتى لو كنت شبعان أو لا يعجبني الطعام عليّ أن أتناوله لأن ذلك سيشعرها بالرضا.

3- تعلمت من دكتورة (كلمنتينا) أن أستخدم كلمة (يافندم)، وهي كلمة لائقة تجمع الاحترام والود في نفس الوقت.

هذه أشياء بسيطة تعلمتها - على سبيل المثال - أحدثت فروقاً ولو حتى بسيطة في حياتي. أنا ممتن لهذه الأشياء الصغيرة.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك