28 نوفمبر 2010

مسلم - مسيحي



فكرتُ من قبل في كتابة موضوع عن (الفتنة الطائفية/ الصراع المسلم-المسيحي/ اضطهاد الأقباط في مصر)، وكل هذه مسميات ضخمة لا أحب استخدامها، استخدام عناوين كهذه من شأنه إشعال صراع وفتنة من لا شئ.


هل قرأتَ تاريخ مصر؟

إذا كنتَ قرأته فلا داعي لأن أستعرض في هذا الموضوع تاريخ المسيحية في مصر، وتاريخ الإسلام، والعلاقة بين الديانتين على مر العصور. وإذا لم تكن قد قرأتَ تاريخ مصر فيجب عليك أولاً قراءته، ثم بعد ذلك يمكنكَ التحدث عن الفتن والصراعات وما إلى ذلك من المسميات.


هل المصريون بشر؟!

إذا كانت إجابتكَ (نعم)، فيجب أن تعرف أن البشر دوماً في صراع؛ صراع سياسي، صراع اقتصادي، صراع فكري، صراع ديني، وصراعات أخرى شخصية، فحيث يوجد الاختلاف يوجد الصراع. من الطبيعي أن تكون هناك مشاحنات بين الحين والآخر بين أصحاب الديانات المختلفة، وذلك راجع إلى طبيعة البشر التي تتنافر عند وجود الاختلاف. نحن بشر، نحن مختلفون.


ما سبب وجود الصراع؟

كون المصريون بشراً هو مصدر الصراع - كما ذكرنا سابقاً - والسبب في ذلك أن معتنقي الديانات ليسوا على نفس الدرجة من فهم الدين والالتزام به. من المعروف أن كلاً من الإسلام والمسيحية يدعو إلى السلام وحُسن معاملة الآخر. في كل ديانة هناك المتعصب والمتسيب، وهؤلاء الأشخاص المتعصبون والمتسيبون لا يفهمون دينهم فهماً صحيحاً، وبالتالي - وعن طريق الخطأ والجهل - يرتكبون أفعالاً باسم الدين، وما هي من الدين، ويتشدقون باسم الدين وهم ليسوا أهلاً ليكونوا لسان دينهم. العقلاء في كل مكان يرفضون الفتن والصراعات والمواجهات العنيفة، فبالمنطق والفهم السليم يمكن الوصول إلى حلول.

لن أتحدث هنا عن تعاليم الإسلام فيما يتعلق بمعاملة غير المسلمين - وبخاصة النصارى - ولن أتحدث عن تعاليم المسيحية المتعلقة بمعاملة الآخر، فلستُ خبيراً في أيّ من الديانتين، لكني أعرف جيداً أنه لا توجد ديانة تدعو إلى رفض الآخر أو التخلص من الآخر. يمكن لمن يريد التعرف أكثر على هذه النقطة البحث عن تعاليم الإسلام وتعاليم المسيحية، وليتعلم كيف يتعامل مع الآخرين.


فتنة طائفية!

ما هي الفتنة الطائفية ؟ هي سوء تفاهم أو تشاحُن بين طائفتين أو جماعتين أو فريقين. هذه الفتنة يمكن أن تتراوح بين تبادل الاتهامات والتصريحات بين الفريقين، وقد تصل إلى مواجهات عنيفة ودموية. وأعود مجدداً إلى التاريخ، تاريخ الفتن الطائفية والحروب الأهلية وغير الأهلية في العالم، والعاقل المتدبر سيدرك أن وجود مثل هذه الفتن هو شئ ضار جداً بأي مجتمع، شئ مدمِّر، شئ لا يدعو إليه إلا أصحاب النفوس المريضة والمصالح الفاسدة. لا يوجد في مصر من يريد أن يقتل المسلمون والمسيحيون بعضهم بعضاً، فالطرفان سيخسران الكثير.


هل هناك فتنة طائفية في مصر بين المسلمين والمسيحيين؟

بالتأكيد هناك سوء تفاهم، وكما ذكرنا سابقاً فسوء التفاهم هذا ناتج عن الفهم الخاطئ للدين من الجانبين، فالديانات السماوية في انسجام، ولا توجد ديانة تدعو لاضطهاد الديانة التي تسبقها أو التي تليها، العيب عيب الأفراد وليس عيب الديانات.
كل فترة يظهر خبر وعنوان ضخم يصف حادثة وتتسارع بعض الأفواه إلى نسب الأمور إلى الصراع الطائفي. لابد من وجود مشاحنات بين البشر بعضهم وبعض، وبين أصحاب المعتقدات المختلفة، لكن هناك صورة مناسبة للاختلاف، وطريقة لائقة لإبداء الاستياء. ليس الأمر أن مسلماً ضرب مسيحياً، أو أن مسيحياً ضرب مسلماً، الأمر أن شخصين تعاركا، كل منهما يحمل ديانة مختلفة، اختلافاتهما الشخصية لابد أن نضعها في الاعتبار، والصراع من أجل الدين إن كان موجوداً فيجب أن نفهم أن أحدهما أو كليهما قد أخطأ في فهم دينه.

هناك احتقان واضح بين الطرفين، أمر شهدته بنفسي، فهناك برود في تعامل بعض المسلمين مع بعض المسيحيين، والعكس صحيح. وهناك من يتكلم من المسلمين عن المسيحيين بالسوء، والعكس صحيح. وهناك من يضمر مشاعر سيئة من المسلمين تجاه المسيحيين، والعكس صحيح.

العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، الصداقات، الجيرة، العمل سوياً، هذه الأشياء قديمة قِدم تاريخ الديانتين، والجديد هو وجود هذا القدر من الاحتقان والمشاعر المكبوتة. هناك مسيحيون أنا أحترمهم جداً، وآخرون أشعر بعدم الارتياح معهم، هذا أمر طبيعي، فنحن بشر، لكن هذا لا يعني أنني أحمل مشاعر سيئة تجاه الديانة المسيحية، أو تجاه المسيحيين بشكل عام، أنا أحب الأشخاص الجيدين، ولا أحب الأشخاص السيئين، أيّا كانت دياناتهم.

مصر الآن دولة إسلامية، كما كانت ذات يوم دولة فرعونية، ودولة مسيحية، فالأديان تتغير، ولكن مصر كانت وستكون دوماً بلداً للمصريين على اختلاف دياناتهم. والمسيحيون ليسوا أقلية في المكانة، وإنما قلة في العدد، وفي كل العالم هناك أقليات. ومسيحيو مصر من أكثر أقليات العالم حصولاً على حقوقهم، فليس هناك في مصر نظام مختلف لمعاملة المسيحين، هناك اختلافات بسيطة بسبب اختلاف الدين. والجميع يعرف - بما فيهم المسيحيون - أن الإسلام يتعهد بحماية أصحاب الديانات الأخرى ويحرص على حرية أداء الشعائر، ووصايا النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) وأصحابه من بعده خير دليل على ذلك.


أصابع خارجية!

فكرة وجود قوى خارجية تسعى لزعزعة استقرار مصر هي فكرة واردة. مصر بعد حرب أكتوبر أصبحت دولة ليس من السهل التعامل معها عن طريق المواجهات المسلحة، وبالتالي يجب أن تنتقل العداوات إلى مستوى آخر من المواجهة، وتخريب وحدة وانسجام المجتمع من الطرق الناجحة لتقويض وحدة أي دولة، وبالتالي إضعافها.
التدخل الخارجي قد يكون لأسباب عسكرية، سياسية، أو اقتصادية. بالتأكيد هناك من لا يريد أن تتمتع مصر بقوة أكبر، فمصر قوة لا يُستهان بها، وفكرة أن مصر قادرة على الارتقاء أكثر وأن تصبح قوة عالمية لهو أمر مزعج لبعض الأطراف الخارجية.


تلخيصاً لكل ما سبق، لا يجب أن يكون هناك صراع بين المسلم والمسيحي، بل يجب إسكات كل من ينادي بوجود صراع، ويجب إسكات كل من يدعو إلى الفتنة. وجود مثل هذه الفتن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفيد المصريين، بل هو دمار سيسعد به أصحاب القلوب المريضة والأعداء المتربصون. يجب أن يكون التعامل بين المسلم والمسيحي مبنياً على احترام الآخر وتقبل الاختلاف، لا على التشاحن والتباغض. يجب البحث عن نقاط الاتفاق، وتعزيز التواصل والاندماج. يجب نبذ الفكر الخبيث الذي يدعو إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وتحاشي الدخول في صراعات لا يعلم عاقبتها إلا الله.



هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

يجب التعامل مع الآخر كإنسان وليس باعتباره مسلم أو مسيحي,الدين الاسلامي العظيم لا يفرق في التعامل بالأخلاق الحسنة بين مسلم ومسيحي, وفعلا بين البشر اختلافات كثيرة لابد أن نحترم بعض ونتعايش مع هذه الاختلافات وبلاش تضييع جهد ووقت في الصراعات والمشاحنات. وشكرا.

WINNER يقول...



الإنسانية في التعامل هي فطرة البشر. و الأديان تهذّب البشرية. المعاملة الطيبة لا تعني موالاة من ليسوا على ملتنا. لكن، الحكمة و الموعظة الحسنة هي شريعتنا.

شكراً للمتابعة و التعليق.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك