29 نوفمبر 2010

في عالمه الخاص

(Justine Beckett - Isolation)


يرتدي قميصاً أبيضَ بياقة منتصبة وكمّين مطويين حتى منتصف الساعد. الشعر المبعثر بعضه يغطي أحد الحاجبين والبعض الآخر يواري إحدى أذنيه، ومع كل حركة تظهر له عين تتابع الأفق. يبدو عليه أنه لا يواظب على حلاقة ذقنه ولا يهتم بترتيب شعره. أثر الألوان يبدو واضحاً على صدره، والكمّان نظيفان. في جيبه على الدوام فرشاة ألوان أو قلم ألوان خشبي على سبيل الاحتياط.

. . .

يستيقظ مبكراً جداً قبل الطيور، يستقبل الشمس بحفاوة وترحاب، ويشاطرها كوب شاي بالنعناع. يجلس متكئاً، يلقي إحدى رجليه فوق الأخرى، يستند بمرفقيه على الأرض، يغمض عينيه، ويتنفس، يشرب الهواء باستمتاع. لديه خمس وستون لوحة للشمس رسمها خلال صباحاته المتتالية. بعض اللوحات استغرق دقائق ليكتمل، وبعضها استغرق أياماً، والبعض الآخر لم يكتمل أبداً، ولا يبدو أنه سيكتمل.

يلمس أوراق الشجر في الطريق، ولا يقطعها، يحب أن يتلمّسها، ويتواصل مع هذا المخلوق الأخضر، وربما رسم له لوحة ليضيفها إلى مئات اللوحات الخضراء لديه.

ربما لن تتمكن من معرفة صوته، هل هو عميق! هل هو رفيع! ولن تتمكن من معرفة طبعه، هل هو مرِح! هل هو حكيم! هو لا يتكلم إلا رمزاً، ولا ينطق إلا لضرورة قصوى.

. . .

في الشتاء، يرتدي جوربين صوفيين أبيضين، ويتنفس أسفل الغطاء، ويحتسي النعناع الدافئ واليانسون، ويستحم بالماء البارد! يحب البَرَد المتساقط، يجمعه، يشمه، يتذوقه، ويرسمه. يحب الندى المتجمّع عند الصباح الباكر فوق حبات الرمل. يقترب من الأرض، ويدقق في حبات الرمل المبتلة، ويهمس لها بحديث سرّي. يمكن أن تجده في ليلة باردة يقف على ناصية طريق، يرسم سيارة تمرُّ متأخرة، يقودها سائق يغالبه النعاس، يعمل ليلاً ليعول أسرته. يدعو للسائق أن يصل بيته سالماً.

. . .

كان يرسم نبتة غضّة، فاقتربت منه فتاة أغضّ من النبتة، تراقب لمساته الحانية، وهمسه الدافئ، وبعثرة الألوان في كل مكان. سألته عن اسمه، فالتفتَ إليها، وأزاح الشعر المتساقط على جبهته، ومسح أصابعه الملونة في قميصه، وأشار إليها أن اقتربي، فلمّا اقتربتْ، أشار لها أن اجلسي. جلستْ لساعتين كاملتين حتى انتهى من رسم النبتة. همس للنبتة بوداع حانٍ، جمع فرشاته وألوانه وأوراقه ثم رحل!
في تلك الليلة مزق أكثر من مائة لوحة، لشموس، لأشجار، لسيارات، لمنازل، لأحلام، ولطّخ وجهه بالألوان. سقط مرهقاً، واستيقظ في صباح اليوم التالي، اغتسل، وذهب لزيارة النبتة في نفس المكان، ولا يدري أيّ النبتتين يقصد! انتظر لساعات، رسم شمساً تختنق، تسقط في دوامة الصمت، ولم تكتمل. وبعد ذلك لملم حاجياته ورحل. بعد هذه الليلة، توقف عن الرسم. اختفى، تسامى!

. . .

(ننشغل كثيراً بأشيائنا الخاصة، وربما يمرُّ بنا شئ يهمنا ونريده، ولكن لكثرة انشغالنا لا نرى شيئاً، تتسرب الفرص من بين أصابعنا، يأسرنا انشغالنا، ونختنق ببطء.
لكل المشتغلين بالحياة، المواظبين على رسم تفاصيلها، الملطخين بألوانها، المنكبين على شغلها، ذوي الشعر الذي يغطي العينين والأذنين، والياقات المرتفعة، والأصابع التي لم تألف السلام، والألسن التي لم تألف الكلام، إليكم جميعاً أهدي نصيحة؛ أزيحوا عن أعينكم الأغطية، وامسحوا عن أيديكم الأشغال، وانتبهوا لكل الفرص التي تأتيكم، تستقر أمامكم، وتنتظر منكم أن تمسكوها بيدٍ راغبة).




أحمد فايز



هناك 6 تعليقات:

Unique يقول...

فظيعة!!!!!
يستوقفني كثير مما تكتب لكن هذه فاقت جدا

WINNER يقول...



(:

أشكرك.

يسعدني أنها أعجبتكِ. و أرجو لكِ الإفادة منها.


Shrouk يقول...

طيب انا كنت ماشية معاها عادي... عجباني و حلوة بس مكملة يمكن مش بتركيز قوي بسبب الدوشة اللي جنبي بس قلت هاخلصها علشان اقراها تاني واربط وافهم..
لما وصلت للجزء اللي انت بتكلمنا فيه:
" أزيحوا عن أعينكم الأغطية، و امسحوا عن أيديكم الأشغال، و انتبهوا لكل الفرص التي تأتيكم، تستقر أمامكم، و تنتظر منكم أن تمسكوها بيد راغبة."
حسيت اني بختنق ببطء وعيني اتملت دموع رغم اني مش من الناس اللي مشغولة برسم الحياة بالعكس انا من الناس اللي بتروح مطرح ما الحياة توديها بهدوء ودون مقاومة بس وجعني قوي الجزء ده:
"و انتبهوا لكل الفرص التي تأتيكم، تستقر أمامكم، و تنتظر منكم أن تمسكوها بيد راغبة"
خلاني عايزة افتح واشوف الفرص دي رغم اني متاكدة اني مش هاعرف امسكها بيد راغبة..

WINNER يقول...



شروق:

لو وصلتك الفكرة دي؛ إنك تكوني عاوزة تنتبهي للفرص المتاحة، فده شئ مهم و جيد. بعد كدة هتعرفي ازاي تستغلي الفرص دي و تستفيدي منها.

ربنا يوفقك و تنعمي بحياة سعيدة.


الحسينى يقول...

أعجبتنى جداً وما بين القوسين جعل الفكرة واضحة للغاية
"ذوي الشعر الذي يغطي العينين و الأذنين،
الأصابع التي لم تألف السلام، و الألسن التي لم تألف الكلام"
لخصت الموضوع كله فى صوره أستطيع أن أراها
تقبل تحياتى

WINNER يقول...



الحسيني:
أشكرك. و يسعدني أنها أعجبتك.




سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك