31 ديسمبر 2010

2010 / 2011



في نهاية عام 2009، 31 ديسمبر، كتبت موضوع سـنـة جـديـدة، و ما أريد قوله هذه المرة لا يختلف كثيراً عما قلتُ من قبل. ربما سأزيد تلخيصاً لعامي 2010 و 2011.

لستُ أقيـّم الأعوام، و لا أصنفها حسب الحُسْن و السوء. لا يوجد عندي ما يُسمَّى بعام جيد أو عام سئ، فأنا أقيـّم المواقف و الأحداث، و ربما الأيام، لكن تقييم عام كامل، عام شخصي، لهوَ مهمة صعبة، ربما لأنه لا توجد عندي أحداث عظيمة تـُفضِّل الأعوام بعضها على بعض، أو لأنني لا أنفعل كثيراً مع الأشياء، فلا أعتبرها سيئة جداً و لا جيدة جداً، ففي النهاية يكون أي عام هو خليط من الحَسَن و السيئ.



2010:

- مما يميز 2010 أنه العام الأخير في الكلية (البكالوريوس)، و مع بداية العام الجديد سأبدأ إن شاء الله مرحلة مختلفة تماماً، سأبدأ (الامتياز)، و سأصبح طبيباً يكتشف العلل و يعالج الأدواء.
السنة السادسة هي الأكبر و الأطول و الأصعب، هي الفيصل بين حياة عادية فيها الطالب طالب علم لا مسئولية عليه، و بين طبيب مسئول عن حيوات و أرواح.
ست سنوات طويلة في دراسة الطب انتهت و كأنها البارحة، تجعل نظرة أي شخص للحياة بأسرها مختلفة، فالعلم يفتح آفاقـاً جديدة، و العلم الطبي خاصة يرفع المراتب و يعلي الدرجات، و بزيادة الشرف و الكرامة تزداد المسئولية.

حياة الطبيب مختلفة عن حياة أي شخص، و طبيعة عمله مختلفة عن أي عمل، و لا أقول ذلك بسبب كوني طبيباً، و لكن الحق يقال، فالأمر ليس سهلاً، لم يكن و لن يكون، و لذلك على كل من يرغب الالتحاق بركب الأطباء، و من يريد لولده أن يصبح (دكتور)، عليه أن يفكر جيداً، ثم يفكر مرة أخرى، فالطب ليس مهنة مريحة، فهو يبدأ بدراسة لا تنتهي حتى تفارق الأرواح الأبدان.


- أنهيتُ قائمة قراءات 2010، و أعتقد أنها قائمة قصيرة، و السبب أن عام البكالوريوس لا يسمح بقراءة، و لا بأيِّ شئ سوى الدراسة. استفدتُ من قراءة هذه الكتب، و تعرفتُ على أشياء جديدة، و تعلمتُ أشياءً.


- أهداف 2010 لم أحققها جميعاً بالتأكيد، بعضها لن أعرف أنه تحقق إلا بعد حين، و البعض أسقطتهُ من الحسابات.


- في 2010 تعرفتُ على مدونين رائعين، تابعتُ كتاباتهم و تابعوا ما أكتب، و تعرفتُ أكثر عليهم كأشخاص بالإضافة إلى مدونين. سأذكر منهم تسنيم، رضوى، لبنى، و منى. أشكرهنّ جميعاً، و أشكر كل من أضاف شيئاً جيداً إلى حياتي، و أشكر الزوار الكرام، و أرجو أن أكتب ما ينفع.



2011:

كالعادة هناك قائمة بأهداف 2011، كما أن هناك قائمة قراءات 2011.

الأمال عريضة، و العام الجديد سيكشف الكثير، و هو بداية مرحلة جديدة في الحياة، مرحلة مختلفة تماماً، حيث أنضم إلى جموع القوى العاملة، أول عمل أعمله و أتكسّب منه، سأكون طبيباً، و أسأل الله التوفيق.

أسأل الله خير هذا العام و خير ما فيه، و أعوذ به من شره و من شر ما فيه.



[ملحوظة: أنا لا أحتفل برأس السنة (الكريسماس). ليس حدثـاً مميزاً بالنسبة لي]



28 ديسمبر 2010

عن الحزن والمحزونين

(Sadness by: Carolee Sherwood)



أنا أكرهُ الحزنَ..

ومَن منـّا يحبُّ الحزنَ!
ننتقلُ من يومٍ إلى يومٍ نطلبُ السرورَ في كلِّ شئٍ، نبحثُ عن السعادةِ في مالٍ وفيرٍ، في فراشٍ وثيرٍ، في طعامٍ شهيٍّ, في صُحبةٍ لطيفةٍ، في وهمٍ كبيرٍ. الكلُّ يبحثُ عن سعادتِهِ، ويكرهُ أن يُحرمَ منها، وأن تنقطعَ عنه أو ينقطعَ عنها.


البعضُ ينتشي بالحزنِ كمَن ينتشي بالمخدِّرِ، كشعورِ القِربةِ حين يُخضُّ فيها الماءُ، يضطربُ كلُّ شئٍ في الداخلِ، مع دغدغةِ الحزنِ للروحِ، وما فائدةُ خضِّ الماءِ!
الدخولُ في حالةِ الحزنِ، تذكـّرُ كلَّ ما ضاعَ، وما سيضيعُ، ما لا نملكهُ، وما لن نستطيعَ أن نملكهُ ذات يومٍ، اجتلابُ الدمع من مخازنِ الدموعِ، من بئرِ النفسِ، طأطأةُ الرأسِ والاستسلامُ للسيافِ يقطعُ تعلقنا بالدنيا وما فيها، وبعد الجرعةِ نقومُ نمشي كالمذبوحِ.
البعضُ ينتشي بالحزنِ كمَن ينتشي بالمخدِّرِ.


وهل من مهربٍ من الحزنِ!
شرّقْ أو غرّبْ فستلاقي الحزنَ في أيِّ طريقٍ تسلكُ. لابد من ليلٍ، ولا مفرَّ من فقدِ أشياءٍ تعزُّ علينا، ووجعُ الروحِ أو البَدنِ من حينٍ إلى حينٍ. الحزنُ كالموتِ، زائرٌ لابد من زيارتهِ، الفرقُ بينهما أنّ الموتَ يأتي مرةً واحدةً، بينما الحزنُ تتكررُ زيارتهُ.

بالانشغالِ عن الحزنِ نقطعُ الأيامَ، نتلهّى بأشياءٍ حتى لا نذكرُ الأحزانَ. وكم من مرةٍ ضحكنا مرغمينَ لأنه لا بديلَ عن الضحكِ سوى الاستسلامِ لدمعٍ مسدودِ المجرى، لا يخرجُ، يضغطُ على الروحِ حتى تكاد أرواحنا أن تختنقَ.


بالتأكيدِ حزينٌ، ألا ترى ما أنا فيه!
فقرُ حالٍ، واشتدادُ نوازلٍ، وحرمانٌ من الحُبِّ. أدواءٌ، وافتقادُ أحبةٍ، وخوفٌ من الغدِ. وحدةٌ، وغربةٌ، واضطرابُ نفسٍ مشبوهةِ الماضي، معقدةِ الحاضرِ، وطامعةٍ في مستقبلٍ لم يأتِ.


الحزنُ داءٌ قاتلٌ، ودواءُهُ... لا أدري!
لو كنتُ أدري -ألا تظنُّ- لكنتُ أولَ مَن مِن أعراضِهِ يبرأُ!



24 ديسمبر 2010

حوار نفسي

(Psychological, By: Yuri Bonder)




"أين أنا الآن! إنني موجود في بيتي. أجل، أنا في حجرتي الآن".

"ولكن، ماذا لو لم تكن في بيتكَ؟! ماذا لو كنتَ لستَ أنتَ الموجود في البيت؟!".

"ماذا تقصد؟! أتعتقد أنني لستُ أنا؟! أتحاول أن تشكك في ذاتي؟!".

"لا، لستُ أشكك في ذاتكَ. بل إنني أحاول أن أثبت وجود ذاتكَ".

"ماذا تعني بهذه الكلمات؟ أتعتقد أن ذاتي غير موجودة؟! إذاً، كيف أنا، ولماذا؟!".

"لا تسأل السؤال بهذا الشكل".

"وكيف إذن تريدني أن أسأله؟".

"فلتتساءل من يمكن أن يكون أنتَ في حالة غياب ذاتكَ؟! ومن يمكن أن تكون أنتَ في حالة إثبات وجود ذاتكَ؟!".

"مهلاً مهلاً، أنا لستُ أفهمكَ. ماذا تقصد بهذه الكلمات المبهمة الغريبة؟".

"أترى! هذا هو المغزى. أنتَ أصلاً لا تعرف ماذا أعني بكلماتي تلك، فكيف يمكنكَ أن تجيب عن أسئلة ذاتكَ التي لا يوجد لها إجابات!".

"أتعتقد أنني مفرغ الكيان، أجوف الذات؟!".

"يمكن أن تكون، ويمكن ألا تكون".

"لا أريد إجابات مبهمة، فلتعطني إجابات يمكنني فهمها، حتى أستطيع أن أجيبكَ. إنكَ تنعتني بمغيَّب الذات، فأنّى لكَ بمعرفة كنه ذاتي لتحكم عليها أنها مغيَّبة؟! أم أنكَ تحاول فقط أن تتلاعب بعقلي الذي أصابه الوهن من طول التفكير؟!".

"أنا فقط أحاول أن أبيّن لكَ ما توارى عن عقلكَ الذي غفلتَ عن وجوده، وأحاول أن أوضّح لكَ حقيقة وجود ذاتكَ مع عدم فقهكَ لإحداثيات تواجدها".

"إنكَ تعاود استخدام كلماتكَ الغريبة من جديد، وأنا لا أكاد أفهمكَ، فلتفصح عما تريد أو لتتركني وحدي مع عقلي الواهن".

"أوَتذكر يوم أمس، حين كنتَ تشتري طعام الغذاء! كنتَ تقف وسط جمع غفير من الناس، لكنكَ كنتَ تفكر في شئ آخر غير الطعام، أجل، كنتَ تفكر وتسأل نفسكَ ماذا تفعل أساساً في هذا المكان. أوََترى، أنتَ مشتت الفكر وغير كامل الإدراك، تحاول أن تساير الناس فيما يفعلون مع أنكَ تملك تفكيراً يخالف تفكيرهم، وكأنكَ تهرب من تفكير بتبنّي تفكير آخر".

"لماذا تخبرني أنا بهذه الأشياء؟! أَوَليس هناك أحد غيري لكي تخبره بهذه الترهات!".

"لا، لا يوجد غيركَ أمامي، أنا لا يعنيني سواكَ، فأنا...".

"ماذا؟! ماذا كنتَ ستقول؟!".

"لا شئ".

"لماذا أحجمتَ عن الكلام! لقد قلتَ من الحماقات الكثير، ولن يكون هناك كلام أثقل مما قلتَ".

"إنني فقط تذكرتُ شيئاً لم أكن أذكره في بداية حديثي معكَ".

"وما هو هذا الشئ؟!".

"هو... هو... لم أعد أذكر. وأنتَ لن تعرف. لن تعرف أبداً ".

!

 
أحمد فايز

20 ديسمبر 2010

بلارينا




كان شغفه بالباليه مقتصراً على رؤيتها تتحرك بخفة فوق الأرض، تتمايل، تصنع دوائر، ترسم أشياءً في الهواء، وتدور بانسجام مع الموسيقى. كان يستطيع أن يغلق عينيه ويتخيل الأغصان الخضراء الغضة تتحرك مع الهواء في انسجام مثلها. يفتح عينيه ليجدها لاتزال تعبث بقلبه كلما حركتْ ذراعاً أو قفزتْ قفزة رشيقة.


لم يكن يهتم بأي شئ في البالية على الإطلاق سوى بها. ولذلك، لم تكن تعنى كلمة بلارينا بالنسبة له سوى تلك الفتاة بالتحديد، التي تتحرك بخفة فوق الأرض، وتعبث بقلبه مع كل حركة من حركاتها.




15 ديسمبر 2010

خلّيها على الله




إنّ أكثرَ الذي يشقينا ...
                                 أمرُهُ ما بأيدينا!



(يشقينا الرزقُ والموت، الأمسُ والغد، الداءُ والديْنُ، العجزُ والشيْب، والأقدارُ في الغيب)


14 ديسمبر 2010

مستنقعُ الصمتْ




مستنقعُ الصمتِ

أُلقي حَجَراً في المستنقعْ
يدوي مدفعْ
يضطربُ الماءُ و يتموّجُ
و طبولُ تُقرَعْ
و الكلبُ الحارسُ لا يأبهُ
لا يجزعْ
و جموعُ الناسِ الساكنةُ
ساكتةٌ
لا تسمعْ
طابورُ العسكرِ يتقدّمُ
و الحارسُ يرقدُ في المهجعْ
و الطفلُ يحدّقُ بعيونٍ
لا تدمعْ
يلتقطُ الحَجَرَ و لا يركعْ
و يُلَقِّمُ كفّاً توّاقاً
لا يَشبَعْ
يُرسلُ طلقاتٍ
صلواتٍ
صفعاتٍ تُوجِعْ
و سماءُ البلدةِ تُمطِرُ خوفاً
و ضِباعُ الليلِ تجولُ و ترتَعْ
مُصفّحةً
مُدرّعةً
مُسلّحةً
تقتلُ
تهدِمُ
تقمعْ
..
أُلقي حَجَراً في المستنقعْ
تنتقلُ الموجةُ
تتوزّعْ
يتحرّكُ فرداً
فردينِ
تنتشرُ الحركةُ
تتفرّعْ
يستيقظُ شخصاً
شخصينِ
نتجمّعْ
و حينَ يسيرُ الجَمْعُ
سيُلحَظْ
و حينَ يقولُ
سيُسمَعْ
و حينَ يضربُ ضربةَ رَجُلٍ
تلك الضربةُ حتماً تُوجِعْ
فالفردُ الواحدُ في ضعفٍ
لا ينفعْ
و الكلُّ بتجميعِ قواهِ
تغييرُ الدنيا قد يَتبعْ
..

أحمد فايز

13 ديسمبر 2010

تعرفني؟



تعرفني!

هي تعرف أنّي أحب القهوة، فتحضرها لي كل صباح قبل بدأ العمل، وتعرف أنّي أحبها حلوة، فتزيد السكر فيها. لكنها لا تعرف لمَ أحب القهوة، ولمَ أحبها حلوة.
القهوة إرث أيام صعبة لم أستطع التخلص منه، تبقيني مستيقظاً ليلاً لتزداد قسوة الوحدة، ويتعاظم الإرهاق. أحبها حلوة بسبب المرارة التي بداخلي.

ربما تعتقد أنها تعرفني، أنها توصّلتْ إلى الشفرة الخاصة بي، وأنها تغلغلتْ في أعماقي، واكتشفتْ جميع أنحائي.

ربما تعتقد أن بيينا صلة ما، رابط ما. تعتقد أنه طالما قلتُ لها صباح الخير مع ابتسامة فذلك يعني أنني أعشقها، وإذا ما قبلتُ القهوة منها بامتنان فهذا معناه أنني قد وقعتُ في حبها.

بعض الأفعال والأقوال تعني فقط ما تعنيه، ولا تمتد إلى معانٍ أخرى. وبعض الأحيان تختلط علينا المعاني والمقاصد، ونذهب إلى تفاسير أبعد ما تكون عن الحقيقة.


يمكنني ملاحظة الشغف في عينيها. يمكن لأي أحد ملاحظة ذلك.
ربما أمارس القسوة وأخبرها أن تكفَّ، أو أمارس اللامبالاة وأتركها تستمر. كِلا الحلّين صعب. المؤكد أنني لن أبادلها شعوراً ليس عندي من باب المجاملة أو حرصاً على مشاعرها. 


ربما تراني كل يوم، تعرف عدد ملاعق السكر في قهوتي، وتحفظ اسمي ثلاثياً. لكن، تعرفني! لا أعتقد.



10 ديسمبر 2010

عن العلم وأهله





في بداية الحديث أود أن نصل لاتفاق على مبادئ معينة نستطيع أن نبني عليها ما بعد ذلك. الموضوع شائك، لكنه من الممكن أن يصبح بسيطاً، الأمر يحتاج إلى التفكير الموضوعي والفكر المتفتح ومحاولة اتّباع طريقة منهجية.

سؤال: اختر من الآتي: عندما يمرض شخص ويريد العلاج فلمن يذهب؟
  1. الطبيب.
  2. السبّاك.
  3. النقّاش.
  4. الكهربائي.

الإجابة الصحيحة هي (الطبيب).


وبالمثل، عندما يتسرب الماء من (مواسير الحمّام) نحضر (السبّاك) ليقوم بإصلاحها. وعندما نريد أن نغيّر دهانات البيت نحضر (النقّاش). وعندما نريد عمل توصيلات كهربائية للمنزل نحضر (الكهربائي). هذا ما يُسمَّى (التخصص).

الطبيب درس الأمراض والعلاجات وبالتالي هو أقدر شخص على تشخيص المرض وعلاجه. والسبّاك عنده خبرة في عمله ويستطيع أن يتعامل مع مشاكل السباكة بمهارة وبالتالي هو أنسب شخص للتعامل مع مشاكل السباكة. وكذلك النقّاش والكهربائي كل واحد منهما خبير في مجال عمله. الغلطة الكبيرة هي عندما نحضر (الكهربائي) ليصلح (الماسورة) التي تسرّب المياه، أو عندما نحضر (السباك) ليقوم بتغيير دهانات المنزل! 

عند عامة الناس درجة بسيطة من العلم بكل شئ. فجدتي لديها قدر من المعلومات الطبية، فهي تعرف أن (الكمّادات) تفيد عند ارتفاع درجة حرارة الجسم. لكن معلوماتها الطبية لا تسمح لها بإجراء عملية جراحية أو كتابة وصفة طبية! ويستطيع معظم الأشخاص أن يقوموا بتبديل مصباح كهربائي تالف أو استبدال صنبور مياه معيب، وقد يستطيع البعض إحضار البويات ومحاولة طلاء حائط. هذه معلومات وخبرات بسيطة لدى أغلب الناس، وإنما القواعد الصحيحة والاحترافية في الأداء تكون موجودة عند أهل العلم والتخصص، هؤلاء الذين لا تستقيم الحياة إلا بدورهم، كلٌ في مجاله. وهناك مثل شائع وأعتقد في صحته يقول (إدّي العيش لخبّازه).

 عندما يصف طبيب دواءً لمريض فيُبدي المريض وجهة نظره في استراتيجية العلاج، ويقترح أدوية أخرى أفضل، ويقول بأن جار له أو صديق قد جرّب دواءً مختلفاً وأثبت فاعليته، أو أنه لا يحتاج لإجراء عملية جراحية معينة بطريقة ما ويفضل أن تُجرى بطريقة أخرى، مع العلم أن هذا المريض لا يفقه شيئاً في العلم الطبي لا من قريب ولا من بعيد. بالتأكيد لا يمكن قبول هذا النوع من إبداء الرأي بغير علم، لأن المريض في هذه الحالة لا يعرف شيئاً عن الأمور التي يناقشها.
نفس الفكرة عندما يحاول (النقّاش) أن يخلط البويات لطلاء الجدران فيأتي صاحب المنزل لمناقشة أفضل أساليب خلط الألوان وإضافة المقادير المختلفة، مع العلم أن صاحب المنزل لا يعرف أبسط قواعد الطلاء. وهنا يكون هذا الرأي عديم القيمة لأن صاحبه لا يعرف شيئاً في الأمر محل النِقاش.

الفكرة الكبيرة هنا هي: لإبداء رأي لابد أن يكون لديك العلم الكافي الذي يدعم حديثك ويجعلك أهلاً لأبداء الرأي، فلا يصح إبداء رأي من دون علم.

 
عندما يتفق أهل العلم الديني على أن هذا الشئ حرام، فهم أعلم، لأنهم درسوا وبحثوا، ولأن الحلال والحرام من أمور الدين، فلا يجوز لشخص لا يعلم أن يبدي رأيه بعدهم، وكيف يبدي رأياً من دون علم!
فعندما يتفق العلماء على أن شيئاً ما حرام قد نجد من يحاول جاهداً أن يحله، ويتكلم كثيراً دون أن يملك أدنى قدر من العلم الديني الكافي لإبداء رأي فقهي. هو يبحث عن رأي يؤيده ويتفق مع هواه.
أغلبنا يعلم أموراً في الدين، لكن علم معظمنا لا يرقى لنقاش عالِم والتجادل معه حول مشروعية أمر ولا لإبداء رأي أو فتوى ينادي باتباعها لأنها توافق مراده، تماماً كما لا يصح لشخص عادي أن يقوم بإجراء عملية جراحية. فكما أن الطبيب متخصص في عمله ورأيه أصح من رأيك غير المتخصص، فـرجل الدين متخصص في العلم الديني ورأيه أصح من رأيك فيما يتعلق بأمور الدين.

فعندما يتفق علماء الدين على أن الحجاب فرض أو أن الأغاني حرام أو أن فوائد البنوك ربوية، لا يصح أن يبدي عامة الناس رأيهم في أصل العلم الديني، لأنهم لا يملكون العلم الكافي، كما لا يصح لمريض توجيه الطبيب في خطوات عملية جراحية، أو أن يبدي شخص رأيه في تخطيط هندسي لمنشأة ما وهو غير متخصص.


من يريد مخالفة الرأي الصحيح فلهُ ذلك وليتحمل تبعات قراره، ولكن لا يصح منه أن يلوي عنق الحقيقة لمطاوعة مراده. هناك أشخاص يريدون ارتكاب الأخطاء بموافقة الدين لإرضاء الوازع الديني داخلهم، يريدون من يخبرهم أن الرشوة حلال لكي يرتشوا وهم مرتاحي الضمير! ولذلك، فالشخص الذي يفعل الحرام ويعترف به ويرجو المغفرة أفضل من الذي لا يعترف بخطئه ويصر على أن ما يفعله صحيح، بل وسيُدخله الجنة!
قد تجد امرأة غير محجبة تجادل في مشروعية الحجاب وتفترض أنه أمر غير أساسي في الدين وأن الدين ليس مجرد حجاب وتدافع عن أسلوب حياتها وطريقتها في الحياة، مع العلم أن ما تعرفه عن الدين قليل جداً ولا يكفي لكي تناقش مشروعية الأشياء. تريد إثبات أن ما تفعله صحيح وجائز، تهتم بأن تكون متوافقة مع الشرع على الرغم من أنها تخالفه، تريد أن تفعل شيئاً خاطئاً شرعاً وفي نفس الوقت لا يُشار إليها على أنها مخطئة. ولماذا تهتم!

يقولون أن الدين للجميع وأنهم ليسوا جهلة، لكن العاقل يعرف أنه لا يوجد من يعرف كل شئ وبالتالي نعتمد على غيرنا في الأشياء التي لا نعرفها أو نتقنها. وهذا ما يجعل الناس يذهبون إلى الطبيب عندما يمرضوا، ولا يذهبون إلى السبّاك.

عندما تريد معلومة دينية خذها من أهل العلم الديني. وعندما يخبر أهل العلم الديني معلومة فإبداء رأي غير متخصص بعدهم أمر خاطئ.

ومع أن الأمر بسيط ومنطقي فلا يزال هناك أشخاص يناقشون فرضية الحجاب وجواز الرشوة والربا ويذهبون إلى السبّاك ليصف لهم دواءً مناسباً للضغط!





د. أحمد فايز



06 ديسمبر 2010

عمر مفقود

(Stranger in despair, Melanie Gwendahlin Keyes)


يمكنكِ الآن أن تُخرجي من حقيبةِ اليدِ أعواماً سلّمتكِ إيّاهـا، لوّنتها بالوردِ والندى المعطَّرِ.

أخرجي عاميْن من عمري، فيهما بددتُ أحلامي بالرحيلِ بحثاً عن الرزقِ، وتحاسبينني الآن على ضيقِ رزقٍ مقدّرٍ، وبطلبٍ منكِ آثرتُ المُكثَ في محيطِكِ، ضمن حدودِكِ.

أخرجي عاماً فقدتُ فيه البسمة، ودندنة الصباحِ، والنومَ مرتاحاً، بعد أنْ قررتِ أنّ الصمتَ خيرُ طريقةٍ للمعاقبةِ.

أخرجي يوماً حزيناً، حين قلتِ أنني واهٍ، ضيقُ الأفقِ، عاجزٌ عن الأحلامِ والعملِ، مخيّبٌ للآمالِ، ومَدعاة ٌ للكآبةِ.

أخرجي لحظةً، فيها شعرتُ بأنني وجدتُ ما كنتُ أبحثُ عنه دهراً، ووجدته في جعبتي. واكتشفتُ أنّ الكنزَ خاوٍ، ترهاتٌ، صدى عمرٍ ممزقٍ، غربةٌ، وسوءُ اختيارٍ.

أخرجي عمري أيتها اللعينة من تلك الحقيبةِ، وارحلي، لا تظهري يوماً في طريقٍ لي، ولو حتى مصادفة. لا تنطقي كلامكِ المسمومَ، الجارحَ، المخلوطَ بالشوكِ.

. . . . .

لا أدري أيّ الاختياراتِ أفضل؛ رحيل وسعي خلف الأحلام، أم مكث يقتضي مبادلة الحلم بثقة مزعومة!



03 ديسمبر 2010

حقائب



إنها الحقائب يا عزيزتي.

أعلم أنه لا يجب عليّ أن أغادر، ولكن الحقائب أصبحت ثقيلة جداً ولم أعد قادراً على حملها بعد الآن.

يمكنني تخمين رد فعلكِ، وما يدور بعقلكِ في هذه اللحظة، من هذه النظرة على وجهكِ. أعرف هذه النظرة جيداً. أنتِ في مرحلة استيعاب لما أقوله، وستبدأين في الصراخ والجدل بعد قليل. لكن، امهليني قليلاً لأخبركِ لمَ أصبحَتْ هذه الحقائب ثقيلة جداً للدرجة التي تجعلني أعجز عن حملها والسير بها خطوة واحدة إضافية. هذا لأن الحقائب قد امتلأتْ أكثر مما ينبغي. وزنها الآن يفوق قدراتي بكثير.


إذا فتحتي هذه الحقيبة، ستجدين فيها البيت، الأثاث، اللوحات والصور على الحائط، زجاج النوافذ، الأكواب على مكتبي، الملابس المتسخة في سلة الغسيل، والأخرى النظيفة في خزانة الملابس، الثلاجة الجديدة، الغرفة التي سنعيد طلاء جدرانها، الملابس الشتوية، الأحذية، التلفاز الضخم، الهاتف، الشاطئ الذي يجب أن نزوره هذا الصيف، الضيوف الذين سنستقبلهم، الطعام على الطاولة، اللبن والبيض اللذان أنسى إحضارهما دائماً، الأولاد الذي تعلّموا منّي السئ فيّ، ولم يتعلموا أيّ شئ جيد على الإطلاق سوى القدرة على الصمت والإيماء بأنّ كل شئ على ما يرام.


هذه الحقيبة فيها العمل، المكتب الذي انتقلتُ به خلال هذه السنوات، الأوراق الكثيرة، الساعات الطويلة، الإجهاد المزمن، الصعوبات المتكررة، زملاء العمل غير الودودين، الأشغال الشاقة التي لا تنتهي، المصعد المعطل، ازدحام السير كل صباح، المخالفات غير المبررة التي أحصل عليها، الصياح المزعج في كل مكان، اللصوص السمجون الذين يتصنّعون اللطف، يسرقون ثقتنا بالعالم والأشخاص، هذا بالإضافة إلى ما أحمله معي من البيت وأذهب به إلى العمل كل يوم.


هذه الحقيبة فيها العائلة؛ أخي الذي ينهمك في عمله ولا أراه إلا في المناسبات، أخواتي اللاتي لم يعدنَ يحتضنني كما كنّ يفعلنَ قديماً، يعتقدنَ أنني أصبحتُ الآن كبيراً بشكلٍ كافٍ ولم أعد أحتاج لهذا، الأولاد الذين لم أعد ألقاهم إلا عند الطعام، إن كانوا موجودين، وإن كنتُ أنا الآخر موجوداً! وأنتِ، أجل أنتِ، لا أذكر آخر مرة تمكنّا فيها من الجلوس وحدنا، والنظر إلى أنفسنا، والاستمتاع بالجلسة، أو الابتسامة الساحرة التي كانت ترتسم على وجهكِ، العطر الجميل، الملابس التي تبدو أجمل حين ترتدينها، الكلام العذب الرقيق، تدليك الكتفين حين أعود من العمل متعباً، حماسكِ عند الاستماع لمغامراتي اليومية، والطعام الذي كنتِ تتفننين في إعداده، لم يعد الآن كما كان سابقاً، أصبح بارداً، مجرد طعام، يشبه في طعمه أكل المطاعم، منزوع الروح والعاطفة، طعام ميت.


هذه الحقيبة فيها تاريخ طويل من الدراسة، تاريخ أطول من العمل، تاريخ آخر من الحماقات والغلطات، المحاولات والإخفاقات، الخطط والتوقعات، والمستقبل الذي يزداد حمله يوماً بعد يوم، الأحلام الكثيرة التي تحقق منها القليل، والملل الذي أتنفسه مع الهواء، الرتابة في كل شئ أقوم به حتى وإن كان شيئاً جديداً، والحماس والشغف اللذان لم يعد لهما وجود في عالمي.


هذا أنا في هذه الحقيبة، يزداد وزني يوماً بعد الآخر، ويضعف جسدي في المقابل، تزداد ذكرياتي بمرور الأيام، وتضعف ذاكرتي وحواسي، الألم الذي ينتشر ببطء في جسمي، الإرهاق الدائم، التخشّب الذي امتد إلى أنسجتي فلم تعد تستطيع الحركة بمرونة كما كانت من قبل، لم يعد استقبالي للعالم كسابق عهده، الألوان تختفي شيئاً فشيئاً، ليست بنفس الجودة والقوة الآن، إنه كمشاهدة فيلم قديم يحكي قصة كئيبة.


لم أعد يا عزيزتي أقوى على حمل هذه الحقائب أكثر من ذلك. لا أستطيع المواصلة. الآن أخبركِ أن كل شئ ليس على ما يرام. لم يكن أبداً على ما يرام. كنتُ أقاتل كل يوم لكي لا أسقط فيسقط كل شئ. كنتُ أحاول أن ألعب دور البطل الخارق الذي لا يُقهر. كنتُ أحاول استعادة السيطرة على كل شئ، وإعادة تشكيل الحياة كما أحب أن تكون. لم أنجح للأسف. سأتوقف الآن عن النضال والكفاح والمثابرة. سأتوقف عن الكلام والثرثرة. لن أتحرك أكثر من ذلك. لن أركض في الدنيا بعد اليوم. آسف، سأموت الآن!




01 ديسمبر 2010

ما خلف الأسوار



كان يعيش في جنة. كانت لديه شجرة كبيرة تنبت كل أنواع الفاكهة، وسحابة لطيفة تقيه الشمس إن شاء، وترويه إن عطش. البحر الواسع يمدّه بما شاء من طعام البحر. ويستجمّ عند الشاطئ وقتما شاء. كان يعيش في جنة.

ذات يوم، رست سفينة عملاقة عند جزيرته الصغيرة. وقضى البحارة ليلتهم في ضيافته. حكوا له عن الأشجار العديدة، والسحب الكثيرة، والأنهار، والبحار، والناس، والدواب. حكوا له عن أشياء لم يسمع بها من قبل، وعن عالم يفوق حجمه حجم عالمه بمراحل. اكتشف أن جنته ليست سوى شجرة وسحابة وبحر!


(دوماً هناك عالم أكبر مما تعتقد، أوسع من مخيلتك، أبعد عن محيطك. ربما يلزمكَ أن تشبَّ قليلاً لتنظر خلف أسوار عقلك محدود المساحة، ودنياك الضيقة، وفكرك القاصر، وتبصر عالماً بلا حدود. وإذا لم تستطع أن تشبَّ، فاقنَع بما لديكَ، فشعوركَ بالنقص والحرمان لن يفيد. ارتقِ واستكشِف عالماً أوسع، أو استقر مكانكَ وارضَ بما لديك. فالأمر في النهاية منك وإليك).




سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك