03 ديسمبر 2010

حقائب



إنها الحقائب يا عزيزتي.

أعلم أنه لا يجب عليّ أن أغادر، ولكن الحقائب أصبحت ثقيلة جداً ولم أعد قادراً على حملها بعد الآن.

يمكنني تخمين رد فعلكِ، وما يدور بعقلكِ في هذه اللحظة، من هذه النظرة على وجهكِ. أعرف هذه النظرة جيداً. أنتِ في مرحلة استيعاب لما أقوله، وستبدأين في الصراخ والجدل بعد قليل. لكن، امهليني قليلاً لأخبركِ لمَ أصبحَتْ هذه الحقائب ثقيلة جداً للدرجة التي تجعلني أعجز عن حملها والسير بها خطوة واحدة إضافية. هذا لأن الحقائب قد امتلأتْ أكثر مما ينبغي. وزنها الآن يفوق قدراتي بكثير.


إذا فتحتي هذه الحقيبة، ستجدين فيها البيت، الأثاث، اللوحات والصور على الحائط، زجاج النوافذ، الأكواب على مكتبي، الملابس المتسخة في سلة الغسيل، والأخرى النظيفة في خزانة الملابس، الثلاجة الجديدة، الغرفة التي سنعيد طلاء جدرانها، الملابس الشتوية، الأحذية، التلفاز الضخم، الهاتف، الشاطئ الذي يجب أن نزوره هذا الصيف، الضيوف الذين سنستقبلهم، الطعام على الطاولة، اللبن والبيض اللذان أنسى إحضارهما دائماً، الأولاد الذي تعلّموا منّي السئ فيّ، ولم يتعلموا أيّ شئ جيد على الإطلاق سوى القدرة على الصمت والإيماء بأنّ كل شئ على ما يرام.


هذه الحقيبة فيها العمل، المكتب الذي انتقلتُ به خلال هذه السنوات، الأوراق الكثيرة، الساعات الطويلة، الإجهاد المزمن، الصعوبات المتكررة، زملاء العمل غير الودودين، الأشغال الشاقة التي لا تنتهي، المصعد المعطل، ازدحام السير كل صباح، المخالفات غير المبررة التي أحصل عليها، الصياح المزعج في كل مكان، اللصوص السمجون الذين يتصنّعون اللطف، يسرقون ثقتنا بالعالم والأشخاص، هذا بالإضافة إلى ما أحمله معي من البيت وأذهب به إلى العمل كل يوم.


هذه الحقيبة فيها العائلة؛ أخي الذي ينهمك في عمله ولا أراه إلا في المناسبات، أخواتي اللاتي لم يعدنَ يحتضنني كما كنّ يفعلنَ قديماً، يعتقدنَ أنني أصبحتُ الآن كبيراً بشكلٍ كافٍ ولم أعد أحتاج لهذا، الأولاد الذين لم أعد ألقاهم إلا عند الطعام، إن كانوا موجودين، وإن كنتُ أنا الآخر موجوداً! وأنتِ، أجل أنتِ، لا أذكر آخر مرة تمكنّا فيها من الجلوس وحدنا، والنظر إلى أنفسنا، والاستمتاع بالجلسة، أو الابتسامة الساحرة التي كانت ترتسم على وجهكِ، العطر الجميل، الملابس التي تبدو أجمل حين ترتدينها، الكلام العذب الرقيق، تدليك الكتفين حين أعود من العمل متعباً، حماسكِ عند الاستماع لمغامراتي اليومية، والطعام الذي كنتِ تتفننين في إعداده، لم يعد الآن كما كان سابقاً، أصبح بارداً، مجرد طعام، يشبه في طعمه أكل المطاعم، منزوع الروح والعاطفة، طعام ميت.


هذه الحقيبة فيها تاريخ طويل من الدراسة، تاريخ أطول من العمل، تاريخ آخر من الحماقات والغلطات، المحاولات والإخفاقات، الخطط والتوقعات، والمستقبل الذي يزداد حمله يوماً بعد يوم، الأحلام الكثيرة التي تحقق منها القليل، والملل الذي أتنفسه مع الهواء، الرتابة في كل شئ أقوم به حتى وإن كان شيئاً جديداً، والحماس والشغف اللذان لم يعد لهما وجود في عالمي.


هذا أنا في هذه الحقيبة، يزداد وزني يوماً بعد الآخر، ويضعف جسدي في المقابل، تزداد ذكرياتي بمرور الأيام، وتضعف ذاكرتي وحواسي، الألم الذي ينتشر ببطء في جسمي، الإرهاق الدائم، التخشّب الذي امتد إلى أنسجتي فلم تعد تستطيع الحركة بمرونة كما كانت من قبل، لم يعد استقبالي للعالم كسابق عهده، الألوان تختفي شيئاً فشيئاً، ليست بنفس الجودة والقوة الآن، إنه كمشاهدة فيلم قديم يحكي قصة كئيبة.


لم أعد يا عزيزتي أقوى على حمل هذه الحقائب أكثر من ذلك. لا أستطيع المواصلة. الآن أخبركِ أن كل شئ ليس على ما يرام. لم يكن أبداً على ما يرام. كنتُ أقاتل كل يوم لكي لا أسقط فيسقط كل شئ. كنتُ أحاول أن ألعب دور البطل الخارق الذي لا يُقهر. كنتُ أحاول استعادة السيطرة على كل شئ، وإعادة تشكيل الحياة كما أحب أن تكون. لم أنجح للأسف. سأتوقف الآن عن النضال والكفاح والمثابرة. سأتوقف عن الكلام والثرثرة. لن أتحرك أكثر من ذلك. لن أركض في الدنيا بعد اليوم. آسف، سأموت الآن!




هناك تعليقان (2):

سوسن امين يقول...

في بعض الأحيان أفكر في حياتي بهذه الطريقة وبعد سنين طويلة من اتخاذ قرارات غلط في حياتي أو بالأصح باعتبرها دلوقت غلط بعد مرور السنين أشعر بالحزن والرغبة في البدء من جديد, لكن بعدها أطرد الأفكار والمشاعر الحزينة من تفكيري وأحاول تطبيق الصح والخير في حياتي. وشكرا.

WINNER يقول...



سوسن أمين:
أهلاً و سهلاً.
لا مانع من أن نتوقف أحياناً لدراسة ما مر من العمر، و النظر في ما مضى.
المهم، أن نواصل الحياة بعد ذلك برؤية أوضح.

شرّفتي يافندم.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك