10 ديسمبر 2010

عن العلم وأهله





في بداية الحديث أود أن نصل لاتفاق على مبادئ معينة نستطيع أن نبني عليها ما بعد ذلك. الموضوع شائك، لكنه من الممكن أن يصبح بسيطاً، الأمر يحتاج إلى التفكير الموضوعي والفكر المتفتح ومحاولة اتّباع طريقة منهجية.

سؤال: اختر من الآتي: عندما يمرض شخص ويريد العلاج فلمن يذهب؟
  1. الطبيب.
  2. السبّاك.
  3. النقّاش.
  4. الكهربائي.

الإجابة الصحيحة هي (الطبيب).


وبالمثل، عندما يتسرب الماء من (مواسير الحمّام) نحضر (السبّاك) ليقوم بإصلاحها. وعندما نريد أن نغيّر دهانات البيت نحضر (النقّاش). وعندما نريد عمل توصيلات كهربائية للمنزل نحضر (الكهربائي). هذا ما يُسمَّى (التخصص).

الطبيب درس الأمراض والعلاجات وبالتالي هو أقدر شخص على تشخيص المرض وعلاجه. والسبّاك عنده خبرة في عمله ويستطيع أن يتعامل مع مشاكل السباكة بمهارة وبالتالي هو أنسب شخص للتعامل مع مشاكل السباكة. وكذلك النقّاش والكهربائي كل واحد منهما خبير في مجال عمله. الغلطة الكبيرة هي عندما نحضر (الكهربائي) ليصلح (الماسورة) التي تسرّب المياه، أو عندما نحضر (السباك) ليقوم بتغيير دهانات المنزل! 

عند عامة الناس درجة بسيطة من العلم بكل شئ. فجدتي لديها قدر من المعلومات الطبية، فهي تعرف أن (الكمّادات) تفيد عند ارتفاع درجة حرارة الجسم. لكن معلوماتها الطبية لا تسمح لها بإجراء عملية جراحية أو كتابة وصفة طبية! ويستطيع معظم الأشخاص أن يقوموا بتبديل مصباح كهربائي تالف أو استبدال صنبور مياه معيب، وقد يستطيع البعض إحضار البويات ومحاولة طلاء حائط. هذه معلومات وخبرات بسيطة لدى أغلب الناس، وإنما القواعد الصحيحة والاحترافية في الأداء تكون موجودة عند أهل العلم والتخصص، هؤلاء الذين لا تستقيم الحياة إلا بدورهم، كلٌ في مجاله. وهناك مثل شائع وأعتقد في صحته يقول (إدّي العيش لخبّازه).

 عندما يصف طبيب دواءً لمريض فيُبدي المريض وجهة نظره في استراتيجية العلاج، ويقترح أدوية أخرى أفضل، ويقول بأن جار له أو صديق قد جرّب دواءً مختلفاً وأثبت فاعليته، أو أنه لا يحتاج لإجراء عملية جراحية معينة بطريقة ما ويفضل أن تُجرى بطريقة أخرى، مع العلم أن هذا المريض لا يفقه شيئاً في العلم الطبي لا من قريب ولا من بعيد. بالتأكيد لا يمكن قبول هذا النوع من إبداء الرأي بغير علم، لأن المريض في هذه الحالة لا يعرف شيئاً عن الأمور التي يناقشها.
نفس الفكرة عندما يحاول (النقّاش) أن يخلط البويات لطلاء الجدران فيأتي صاحب المنزل لمناقشة أفضل أساليب خلط الألوان وإضافة المقادير المختلفة، مع العلم أن صاحب المنزل لا يعرف أبسط قواعد الطلاء. وهنا يكون هذا الرأي عديم القيمة لأن صاحبه لا يعرف شيئاً في الأمر محل النِقاش.

الفكرة الكبيرة هنا هي: لإبداء رأي لابد أن يكون لديك العلم الكافي الذي يدعم حديثك ويجعلك أهلاً لأبداء الرأي، فلا يصح إبداء رأي من دون علم.

 
عندما يتفق أهل العلم الديني على أن هذا الشئ حرام، فهم أعلم، لأنهم درسوا وبحثوا، ولأن الحلال والحرام من أمور الدين، فلا يجوز لشخص لا يعلم أن يبدي رأيه بعدهم، وكيف يبدي رأياً من دون علم!
فعندما يتفق العلماء على أن شيئاً ما حرام قد نجد من يحاول جاهداً أن يحله، ويتكلم كثيراً دون أن يملك أدنى قدر من العلم الديني الكافي لإبداء رأي فقهي. هو يبحث عن رأي يؤيده ويتفق مع هواه.
أغلبنا يعلم أموراً في الدين، لكن علم معظمنا لا يرقى لنقاش عالِم والتجادل معه حول مشروعية أمر ولا لإبداء رأي أو فتوى ينادي باتباعها لأنها توافق مراده، تماماً كما لا يصح لشخص عادي أن يقوم بإجراء عملية جراحية. فكما أن الطبيب متخصص في عمله ورأيه أصح من رأيك غير المتخصص، فـرجل الدين متخصص في العلم الديني ورأيه أصح من رأيك فيما يتعلق بأمور الدين.

فعندما يتفق علماء الدين على أن الحجاب فرض أو أن الأغاني حرام أو أن فوائد البنوك ربوية، لا يصح أن يبدي عامة الناس رأيهم في أصل العلم الديني، لأنهم لا يملكون العلم الكافي، كما لا يصح لمريض توجيه الطبيب في خطوات عملية جراحية، أو أن يبدي شخص رأيه في تخطيط هندسي لمنشأة ما وهو غير متخصص.


من يريد مخالفة الرأي الصحيح فلهُ ذلك وليتحمل تبعات قراره، ولكن لا يصح منه أن يلوي عنق الحقيقة لمطاوعة مراده. هناك أشخاص يريدون ارتكاب الأخطاء بموافقة الدين لإرضاء الوازع الديني داخلهم، يريدون من يخبرهم أن الرشوة حلال لكي يرتشوا وهم مرتاحي الضمير! ولذلك، فالشخص الذي يفعل الحرام ويعترف به ويرجو المغفرة أفضل من الذي لا يعترف بخطئه ويصر على أن ما يفعله صحيح، بل وسيُدخله الجنة!
قد تجد امرأة غير محجبة تجادل في مشروعية الحجاب وتفترض أنه أمر غير أساسي في الدين وأن الدين ليس مجرد حجاب وتدافع عن أسلوب حياتها وطريقتها في الحياة، مع العلم أن ما تعرفه عن الدين قليل جداً ولا يكفي لكي تناقش مشروعية الأشياء. تريد إثبات أن ما تفعله صحيح وجائز، تهتم بأن تكون متوافقة مع الشرع على الرغم من أنها تخالفه، تريد أن تفعل شيئاً خاطئاً شرعاً وفي نفس الوقت لا يُشار إليها على أنها مخطئة. ولماذا تهتم!

يقولون أن الدين للجميع وأنهم ليسوا جهلة، لكن العاقل يعرف أنه لا يوجد من يعرف كل شئ وبالتالي نعتمد على غيرنا في الأشياء التي لا نعرفها أو نتقنها. وهذا ما يجعل الناس يذهبون إلى الطبيب عندما يمرضوا، ولا يذهبون إلى السبّاك.

عندما تريد معلومة دينية خذها من أهل العلم الديني. وعندما يخبر أهل العلم الديني معلومة فإبداء رأي غير متخصص بعدهم أمر خاطئ.

ومع أن الأمر بسيط ومنطقي فلا يزال هناك أشخاص يناقشون فرضية الحجاب وجواز الرشوة والربا ويذهبون إلى السبّاك ليصف لهم دواءً مناسباً للضغط!





د. أحمد فايز



هناك 4 تعليقات:

الحسينى يقول...

سلمت يداك
تقبل تحياتى

WINNER يقول...



الحسيني:
سلّمكَ الله.
أشكرك.

رشا ابو السعود يقول...

موافقاك تماماً فى كل كلمة قلتها وفى منطقك.
مع اضافة :) ،
ان اتباعى لتعاليم دينى وعلاقتى بربنا امر شخصى جداً على عكس تعامل الناس عموماً...بنلاقى الناس بتعلق على فلانة وعلان وبتناقشهم فى مسائلهم الدينية الشخصية وانا شايفة ان محدش اعلم من العلماء بس فى الاختيارات الشخصية محدش لازم حتى يفكر انه يعلق لان محدش يجوز يقيم حد...وفى الاخر كل واحد متحمل مسئولية قراراته...وعشان كده اللى بيقاوح فى فرض لا يختلف عليه العلماء هو مضطر يقاوح من كتر اصابع الاتهام اللى ملحقاه من ناس يجوز بتعمل بلاوى بس مش من النوع الظاهر اللى ينفع يتشاور عليه...للاسف...بيختلط عند ناس كتير فكر الدعوة بتصرفات مش بتأدى الى للتنفير ولزرع الكبر فى قلب اللى فاكر نفسه بينصح...
(بسجل اعجابى الشديد بدقة لغتك :) )

WINNER يقول...



رشا أبو السعود:
أشكر الزيارة و التعليق.

تعليقك اتكلم في نقط مهمة، أشكرك على الإضافة.

كل الناس بترتكب أخطاء، و محدش بيطبق الدين بحذافيره، إلا القليل. لكن، من الخطأ إنكار شئ من الدين لأننا عاوزين نخالفه، زي أهل الكتاب قبلنا، حرّفوا كتبهم لأنها ماكانتش على مزاجهم.

شرفتي يا فندم.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك