27 يناير 2011

لفافة التبغ

(Scales of justice - By: Jon Sullivan)



لفافةُ التبغِ

أبحثُ في صناديقَ القمامةِ
عن لفافةِ تبغٍ تائهةٍ
مُحمَّلةٍ بالظلمِ و اليأسِ
راقدةٍ في سُباتٍ
يُشبهُ الميّتينَ
و على عَجَلٍ أُشعِلُها
أستنشقُ كلَّ الهَمِّ الخارجِ مِنْها
تتحوّلُ في ثوانٍ بينَ أصابعي
إلى رمادٍ و غبارٍ
و إلى دخّانْ
..
على المسرحِ الكبيرِ
يطلبونَ مِنّي أن أُمثّلَ مشهداً
أُخرجُ من جيبي لفافةَ تبغٍ قد انتهى نصفُها
أضعُها في فمي من دونِ أن أُشعلَها
و على كُرسيٍّ أجلسُ رافعاً رجلي
و أُسندُها على الأُخرى
و أُخرجُ من جيبيَ الآخَر مِنديلاً أبيضَ
و كأساً
و قلماً أحمرَ
و سِكّيناً
و مرآةً
و من بينِ ملابسي أُخرجُ بندقيةً
و حبلاً قديماً
و رملاً
و عباءةً عتيقةً
و أجلسُ في هدوءٍ
أُفرغُ حِبْرَ القلمِ في الكأسِ
و أنقعُ المنديلَ في الحبرِ
ألبسُ العباءةَ
و أضعُ الرملَ في رأسي
و أصنعُ من الحبلِ مشنقةً
و أغرسُ السكينَ في المنديلِ
و أُلوِّثُ بهِ وجهي
و أُمسكُ البندقيةَ المكسورةَ الطَرَفِ
و أمامَ المرآةِ أزعقُ غاضباً:
" أنا وَطَنٌ بلا عَدْلٍ "
!
..

أحمد فايز

21 يناير 2011

رقصة حب حول فنجاني شاي أخضر

(Java Love - By: Rochelle Carr)


"ما رأيكِ في قصص الحب؟".

"التي في الكتب والأفلام أم الحقيقية؟!".

"أخبريني عن كليهما".

"حسناً. معظم قصص الحب في الأفلام والكتب تنتهي بأن تكون الفتاة الجميلة من نصيب الشاب الوسيم، وكنوع من التغيير تنتهي بعض القصص بفراق يكسر قلب أحدهما أو كليهما، وهناك تنويعات أخرى لدفع الملل ولكسر عادة النهايات السعيدة. في الحقيقة لا توجد حكايات مثل حكايات الأفلام - إلا فيما ندر - وأغلب القصص تكون عشوائية بحيث لا تستطيع أن تحدد لها أسلوباً. الفتيات الجميلات الرائعات المثاليات اللاتي يَكنّ بطلات الحكايات الغرامية لا تجدهنّ في الواقع، إلا نادراً، والشبان الوسيمون الأقوياء الشجعان الفرسان لا تجدهم إلا صوراً في كتاب. الناس - والعاشقون خاصة - يكونون في فوضى عارمة".

"لديكِ نظرة سوداوية عن الرومانسية".

"ليست سوداوية، بل واقعية. أخبرني عن شخصين تعرفهما مثل أبطال الحكايات. لا تجد، أليس كذلك!".

"في الواقع أنا أعرف أشخاصاً تحابّا واجتمعا ولم يتفرّقا".

"كم نسبة هؤلاء في كل من تعرف؟".

"ليست نسبة كبيرة".

"وهذا ما أعنيه. أنا لا أقول بأنه ليس هناك عشق، أو أنه لا يوجد حب قد يصل إلى درجة الحماقة والجنون، ما أقوله هو أن الحكايات المثالية ليست حقيقية، لأن البشر ليسوا مثاليين، ومعظم الأزواج يجتمعون بعد مساومة يتخلى فيها كل طرف عن أشياء ويتغاضى عن أشياء أخرى حتى تكون الرفقة مقبولة وممكنة".

"وما الذي يدفع شخصاً للمساومة والتخلي والتغاضي عن أشياء غير العشق!".

"لكن هذه القصص الحقيقية العادية ليست مادة تصلح لحكاية رومانسية. لن يكتب أحد قصة شخصين عاديين التقيا بشكل عادي ثم ارتبطا من دون تعقيدات درامية. القصص العادية لا تثير أحداً".

"في الحقيقة أنا لم أسألكِ عن رأيكِ في قصص الحب لأسمع نقداً أدبياً للقصص الرومانسية. أريد أن أعرف وجهة نظركِ في شخصين عاديين، ربما يجلسان مثلنا في مقهى عادي، يتبادلان أطراف الحديث وهما يتناولان الشاي الأخضر. ربما يهتم أحدهما بالآخر ويريد أن يتعرف أكثر على رفيقه. لنفترض جدلاً أن هذين الشخصين هما أنا وأنتِ، لنفترض ذلك، فما المانع في أن يتحول لقاءنا العادي إلى قصة حب خيالية نستمتع بكل لحظة فيها! وما المانع أن يمنح أحدنا الآخر لذة الوقوع في الحب ومتعة العشق وحلاوة الانتظار والتلاقي!".

"لنفترض جدلاً أن هذين الشخصين هما أنا وأنتَ، وسأتكلم عن نفسي وليس نيابة عن بنات جنسي، فأنا أعرف أنني لستُ مثالية ولا كاملة، ولذلك لا أمنّي نفسي بشئ كامل لا يوجد في أرض الواقع. وعلى الرغم من واقعيتي، فأنا - كغالبية بنات جنسي - أميل إلى الخيال أحياناً، فنحن نحب أن نرسم صورة فارس الأحلام القوي البنيان، الوسيم، الثري، الرقيق، الشجاع، وكل الصفات الرائعة التي يمكن أن تتواجد في إنسان، ومن لا تتمنّى أن تحصل على شخص رائع في كل شئ! لكن أرجع مجدداً وأأكد أن مثل هذا الشخص متكامل الروعة لا يوجد إلى على صفحات الكتب وفي خيال الفتيات الحالمات. سأخبركَ سراً، بعد أن ترسم كل فتاة صورة حبيبها الخيالي وتضعها بين النجوم، وتحرص على تلميعها والعناية بها، وتعيش أوقاتاً طويلة في أحلام يقظة مع هذا الشخص الساحر، بعد كل هذه الأحلام الرائعة تُفاجَأ الفتاة بشخص ربما لا يملك أي شئ من مواصفات فارسها الهمام، تفاجأ بأنها تكنُّ له شعوراً غريباً أقرب إلى الحموضة، وتشعر بأن موازينها قد اختلّت، وأنها لا تملك أي شئ سوى الوقوع في حب هذا الغريب! ولذلك يسمونه (وقوع) لأنكَ لا تملك عمل أي شئ حيال الأمر سوى الاستسلام لتأثير الجاذبية".

"وماذا يحدث بعد ذلك؟".

"ما يحدث بعد ذلك يتوقف على هذا الغريب، فالفتاة غالباً لن تصرّح بشئ، بل ستنتظر أن يحدث ما تتمناه، وهذا الغريب قد لا يشعر من الأساس بما تقاسيه هذه المسكينة، وقد يشعر ولا يستجيب، وقد يوافق شعورها شعوراً لديه، وقد يكون هو من زرع في قلبها بذرة هذا الحب، بنظرة مباشرة إلى روحها من خلال عينيها، بكلمة خرجت في وقت مثالي، بموقف لمع فيه، وهنا تنشأ حكايتهما الخاصة".

"وكيف يمكن لهذا الشخص، مع العلم بأنه ليس أحد أبطال القصص الخيالية المثاليين، أن يعرف ما يدور بداخل هذه الفتاة التي يحبها إذا كانت هي لن تفصح له بشئ؟".

"هي غالباً لن تتكلم ولن تصارحه بشعورها تجاهه قبل أن يصارحها هو أولاً. ولكن ما إن تبدأ شرارة الحب الأولى في قلب هذه الفتاة، فلا أحد يمكنه مواراة النار في طرف ثوبه! فبإرادتها أو رغماً عنها ستصدر عنها إشارات، كما تنشر الزهرة رحيقها، والإشارات كثيرة، وأحياناً تكون هذه الإشارات غامضة أو متضاربة، ولذلك ليس من الغريب أن يُجَنُّ العاشقون، فهم قبل المصارحة يعيشون في عالم مجهول المعالم، في قارب وسط محيط الشك والظنون. لكن، ربما تقبل هذه الفتاة دعوة هذا الشاب لتناول الشاي الأخضر في مقهى!".




18 يناير 2011

أنا والمطر

(Lightning - By: Mila Jones)



عند اشتدادِ المطرِ، ومع ومضاتِ البرقِ، وطلقاتِ الرعدِ المخيفةِ، يلفّني عادةً شعورٌ بالـ(شكر).


أرى النعمَ العديدة التي أنا غارقٌ فيها دون أن ألاحظ أهميتها. أراني في غرفتي الجميلة الدافئة تحت سقفٍ رائع أتابعُ المطرَ من نافذتي الرائعة ذات الإطلالة المذهلة، أتابعُ كمتفرّجٍ يشاهدُ قصة (البؤساء)، هؤلاء الذين لا سقفَ لهم ولا نافذة.


كم أنا سعيدُ الحظِ! أملكُ الكثيرَ وأنعمُ برزقٍ وفير. فما الذي يدعوني إلى ملاحظةِ الناقص القليل والتحسُّرِ على الفائتِ اليسير!
يا الله! كم هم حمقى أولائك الذين يقضون عمرهم في الشكوى ويضيّعون أوقاتهم في النظرِ إلى ما عند هذا وما لدى ذاك.


شعورٌ رائعٌ بالخوفِ والأيمان يتولّدُ داخلي مع صوتِ الرعدِ، ويقفزُ إلى عقلي قولُ الله تعالى: "هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّـهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾". إذا كان الرعدُ مع جلالهِ وهيبتهِ يسبحُ بحمدِ الله فلمَ لا أسبحُ أنا أيضاً وأنا الضعيفُ الهش! وإذا كان الله يرسلُ الصواعقَ فيصيبُ بها من يشاءُ وهو القادرُ المقتدرُ فسبحانهُ قادرٌ على العفوِ كما هو قادرٌ على العقوبة.


دوماً يغسلني المطر بهذه الطريقة الطيبة.



16 يناير 2011

وطني حُرْ

(Freedom Guide - By: Toni Littlejohn)




وطني حُر

اعرِبْ (وطني حُرٌّ)
(وطني) مبتدأُ التاريخِ
وبدايةُ دَهْرْ
مرفوعٌ فوقَ رؤوسِ بنيهِ
والضَّمُّ إلى الروحِ دليلٌ
من يومِ الميلادِ إلى القبرْ
و(حُرٌّ) في عِلْمِ النحوِ خَبَرْ
لكنّي حقاً لا أدري
أصحيحٌ هوْ!
أم أنّ الخبرَ النحويَّ صحيحٌ
والخبرَ الواقعَ بئسُ الأمرْ!
..
اعربْ (قَتَلَ)
(قَتَلَ) فعلٌ ماضٍ مبنٍ
والفتحُ الظاهرُ فوقَ الآخِرْ
خطأٌ يا ولدي
اعرِبْهُ وفاقاً للوقتِ الحاضرْ
(قَتَلَ) فعلٌ ماضٍ ومضارعْ
والمستقبلُ حتماً زاخِرْ
مبنٍ في أرضي بغباءٍ
مثلَ جدارِ العجزِ الفاصلْ
والفتحُ القادمُ متخاذِلْ
متكاسِلْ
..
صُنَّاعَ النحوِ
لقطاءُ الأرضِ يقولونَ
أنّ العربيّةَ صدأُ الدهرِ
أنّ العربيّةَ تاريخٌ ولّا
والوقتُ الحاضرُ للغاتٍ أُخرى
أنّ العربيّةَ قد ماتَتْ بمماتِ العَرَبِ
وحديثُ اليومِ أحِبّائي في عِلْمِ النحوِ
..
(وطني حُرْ)
وطني مرفوعٌ فوقَ رفوفِ التاريخِ
مرفوعٌ من خِدْمةِ شعبٍ مسكينٍ
مجموعُ أراضيهِ سيكفي
إطعامَ ملايينَ البشرِ
إسكانَ ملايينَ البشرِ
إسعادَ ملايينَ البشرِ
لكنْ في وطني النحوَ تغيّرَ
حُرٌّ خبرٌ في صفحاتِ جريدةْ
كلماتِ قصيدةْ
والواقعُ يشهدُ أنّ الحريةَ مفقودةْ
كلُّ الأشياءِ الموعودةِ
محدودةْ
حتّى الأفكارَ المولودةَ
موءودةْ
كلُّ الأحلامِ المنشودةِ
مردودةْ
كلُّ الطرقاتِ المقصودةِ
مسدودةْ
..
(وطني حُرْ)
يا ابنَ الخَطَّابِ
أبناءُ المجهولِ يقودونَ بلادَ الأعرابِ
جلسوا وقوائمُ عرشِ سيادتِهم
فوقَ الأعناقِ
وخَراجُ الدولةِ مخزونٌ خلفَ الأبوابِ
مخزونٌ يكفي إطعامَ ملايينَ الفقراءِ
ويتمُّ النقلُ سريعاً نحوَ بلادِ الأغرابِ
وإذا ما قُلنا (أينَ؟)
يمدّوا إلينا الكفَّ الفارغْ
وقالوا لو نملكُ قِرْشاً
ما كُنّا أبداً سنُمانعْ
..
(وطني حُرْ)
ولذلكَ يُمنعُ فيهِ لِباسُ اللابسْ
ويُباحُ الرقصُ إلى الراقصْ
وتُقامُ الأفراحُ مسارحْ
والمحتاجونَ يظنُّونَ
أنّ الحريةَ فعلٌ فاضحْ
فيبيتونَ الليلةَ جوعى
يتسلّونَ بقولٍ مازحْ
(وطني حُرْ)
ضحكٌ خافتْ
(وطني حُرْ)
ضحكٌ مرتفعٌ متواصلْ
..
الولدُ الخامسُ في المدرسةِ
في العامِ الخامسْ
يُذاكرُ كتبَ التاريخِ فيكتشفُ
أنّ الحريةَ حَقٌّ خالصْ
لا فضلَ ولا كرمَ السادةْ
لا صدقةَ مالٍ مُعتادةْ
هي حَقُّ الناسِ وفطرتُهم
زادُ الأحرارِ وخِلْقتُهم
والحُرُّ إذا شعرَ بجوعٍ
سيُحارِبُ وسيكسبُ زادَهْ
..
(وطني حُرْ)
يا سادةْ
لو أصررتُمْ أنّي حُرٌّ
في بلدٍ حُرٍّ
فأينَ الحريةْ المزعومةْ!
اعطوني منها قِنطاراً
أو حتّى جِراماً
استنشقُهُ كي أعرفَ رائحةَ الحريةْ
كي أُدمنُها مثل إدمانِ سيادتِكم للنقديةْ
كي أعرفَ طعمَ الوطنيةْ
وأذوقُ قليلاً كي أُقسمَ
أنّي من قبلِ تذوّقِها
لم أعرفْ للوطنِ قضيةْ
مغموسٌ في الأرضِ فلا أدري
موضعَ رأسي من رِجْليَّ
يا سادةْ
لا أطلبُ منكم معروفاً
لا أسألُكم شيئاً من قوتِ سيادتِكم
بل أطلبُ صورةْ
فيها الحريةْ المحظورةْ
فيها وطنٌ مكسورٌ
في زمنِ الأوطانِ المكسورةْ
..
(وطني حُرْ)
لكنّ الوطنَ الحُرَّ يعيشُ
مقسومَ الظَهَرْ
قعيداً في القَعْرْ
مهزومَ التاريخِ
مجهولَ المستقبلِ
والحاضرُ مُرْ
(وطني حُرْ)
نستمتعُ فيهِ بنكاتِ القهرْ
(لماذا التأخيرُ معاليكَ!
نحتاجُ مزيدَ مواليكَ
ليَصُبّوا الويلَ على الظهرْ)
نتغذّى ضحكاً
نعلمُ أنّ طعامَ البيتِ
لن يكفينا طولَ الشهرْ
..
وطني كالسمكِ المخدوعِ
ساقوه بمكرٍ للبَرْ
وأُحاولُ أنْ أجلبَ ماءً
حتّى أُرجعَهُ للبحرْ
وأقولُ ولا أخشى أحداً
(وطني حُرْ)
..

أحمد فايز

13 يناير 2011

الشتاء يأتي بلا معطف

(Homeless - By: O. G. Rejlander)


في طرقاتٍ صحراوية الملامح، تُفلتُ الشمسُ يدي، وتهرب. والليلُ لا يأتي برفيق.
الريحُ تعوي في ظلامٍ دامسٍ، والبردُ جلّادٌ غليظُ القلبِ والسوطِ.


النملُ يأوي إلى جحورهِ، وأنا بلا جُحْر!
والطيرُ يجمعُ الريشَ حولَ صغارهِ، ومن لي بريشٍ يواري عن الجلادِ الباردِ جسداً مهترئاً مرتعداً.
أتبعُ الكلابَ حتى مساكنهم، أخشى الاقترابَ منهم، أتكوّمُ إلى جوار شجيرةٍ خشنةِ الأغصانِ، أو أتلحّفُ بورقٍ ذراهُ الريحُ، والكلابُ تنظرُ لي ولا تكترثُ لوجودي، والبردُ يجمعنا على ارتعادِ فرائصٍ واصطكاكِ فكوك.


الليلُ طويل، والنومُ يأبى أن يزور. وقديماً قيلَ لي: لا ينامُ جائعٌ ولا خائف، وأنا رفيقيَّ جوعٌ وخوف!


مجرد تخيُّل أن تكونَ وحدكَ في ليلٍ باردٍ في العراءِ تجربةٌ مؤلمة، فكيف بمن يعيشُ هذه التجربة واقعاً!
إذا كانَ بالإمكانِ وضعُ معطفٍ على شريدٍ في ليلٍ باردٍ فنِعمَ الفعل، وإلا فدعاءٌ لكلِ من لا يجدُ الدفءَ في بردِ الشتاءِ، دعاءٌ بأن يخففَ عنهم الله ما هم فيه، ويكسوهم ويطعمهم، ونحمدُ الله على ما نحن فيهِ من نعمةٍ حمداً كثيراً.



10 يناير 2011

ثوب الزينة

(Pretty Prostitute - George Galic)




كانت تمشّط البلدة بثوبٍ مطرّزِ الحوافِّ، ثوبِ الزينة خاصّتها، وكانت إذا ما ارتدتْ ذلك الثوب فهي بذلك تعلن استعدادها للمغازلة.
في إحدى الطرقات، التقاها فتىً عمره فوق العاشرة ودون الخامسة عشر. لم يكن يعرف شيئاً عن المرأة ترتدي ثوب زينتها وتعلن استعدادها للمغازلة. لم يرَ سوى امرأة جميلة ترتدي ثوباً جميلاً مزركشاً مطرز الحواف. سار خلفها لدقائق معدودة، ولمّا التفتتْ إليه وصارت عيناها تنظر في قعر عينيه ارتسمَتْ على وجهه ابتسامة أقرب إلى الطفولة منها إلى الرجولة وأفصح لها عما يدور بخاطره.

"ثوبكِ يعجبني".

تعجّبتْ من قوله، وحارت في انتقاء رد مناسب، ربما لم تكن ذات خبرة في محاورة الفتيان، خصوصاً إذا أبدوا إعجابهم بزي زينتها.

"ما يعجبكَ فيه؟".

"يعجبني تنوّع لون نسيجه، والتطريز الجميل عند أطرافه".

تقترب منه وتتفحّص وجهه لعلها تجد فيه شعرة توحي ببلوغه مبلغ الرجال، فتجده فتىً أقرب إلى الطفولة منه إلى الرجولة.

"وماذا يعجبكَ أيضاً؟".

"يعجبني اتساع الأكمام، والكسرات عند الخصر، ونقش الورد اللامع عند الصدر".

تقترب منه أكثر.

"هل تريد أن تلمسه؟".

"حسناً".

ويبدأ في مدِّ يده ليلمس أحد الأكمام.

"ناعم الملمس".

"وهل تودّ لمس باقي الثوب؟!".

"يكفي ما وجدتُ، فكله مصنوع من نفس النسيج".

"كم عمركَ؟".

"لقد أتممتُ عامي الثاني عشر منذ أربعة أشهر تقريباً".

تجده طفلاً صغيراً.

"ربما حان الوقت لتذهب إلى بيتكَ".

"ولماذا حان الوقت؟".

"لأنه ليس من المفترض أن تقف معي وتتحدث إليّ".

"ولمَ ذاك؟".

"لأنكَ لازلتَ طفلاً صغيراً".

"وكيف يمنعني السنّ من الوقوف معكِ والحديث إليكِ؟!".

"لأنه لا يصح".

"ولمَ لا يصح؟ فأنا أقف مع الكثيرين وأتحدّث إلى الكثيرين".

"لكنني لستُ كالكثيرين الذين تقف معهم وتتحدث إليهم".

"ولمَ ذاك؟".

"هل تعرف معنى المرأة ترتدي ثوب زينتها المطرز الحواف تمشط البلدة؟!".

"امرأة ترتدي ثوباً جميلاً!".

"لا، إنها امرأة تدعو إلى المغازلة".

"وما المغازلة؟".

"ليس من الضروري أن تعرف".

"ولمَ لا؟".

"لأنك لازلتَ صغير السنّ".

"وما علاقة سنّي بمعرفتي بالمغازلة؟".

"لأن المغازلة من أمور الكبار".

"لا ضير من معرفة أمور الكبار، فكلنا نصير كباراً ذات يوم".

"كل أمر وله وقته".

"إذاً أنتِ تدعين إلى المغازلة؟".

"لا تردد كلمة مغازلة".

"ولمَ ذاك؟".

"أنتَ تسأل كثيراً".

"وما الضير في المعرفة؟".

"أنا لا أعرف كيف أجيب على أسئلتكَ".

"الأمر بسيط، إذا سألتكِ عن شئ قولي ما تعرفينه عنه".

"ليس الأمر بهذه البساطة".

"هل يمكن إذاً أن نبدأ المغازلة!".

"ماذا! لا".

"ولمَ لا؟".

"أنت لا تعرف أصلاً ما معنى المغازلة".

"سألتكِ ولم تخبريني".

"يجب أن ترحل الآن".

"لمَ الآن؟".

"لأنني ضقتُ ذرعاً بأسئلتكَ الكثيرة".

"لن أرحل حتى تخبريني ما هي المغازلة".

"وإذا أخبرتكَ ترحل؟!".

"أجل".

"ولا تخبر أحداً أني من أخبركَ هذا؟!".

"لن أخبر أحداً بذلك".

"أنا في هذا الوقت من اليوم أرتدي هذا الثوب الجميل والذي يعرفه الناس بثوب الزينة، أو ثوب المغازلة، أخرج إلى الطريق ويعرفني الناس أنني المرأة التي تغازل الرجال مقابل قدر من المال، فإذا ما كان هناك رجل يرغب فيّ، يأتي إليّ، وأسمح له بملامستي وملاطفتي بشكل حميم".

أطرق الفتى قليلاً.

"من دون زواج؟!".

"من دون زواج".

أخذ الفتى يقلّب الأمر في رأسه، يخطف نظرات إليها، ويوزّع باقي النظرات في الأرض.

"أليس هذا خاطئاً!".

بعد صمت.

"بلى".

"ولمَ إذاً تفعلينه؟".

"لأجد المال الكافي".

"ألا عائل لكِ؟".

"لا".

"فلمَ لا تعملين؟".

"لم أجد عملاً مناسباً".

"وهل ملامستكِ مقابل المال عملاً مناسباً!".

تصمت، وترسل نظراتها إلى الأرض.

"لمَ لم تجيبي سؤالي؟".

"لقد أوجعني سؤالكَ يا فتى"!


ومنذ ذلك اليوم الذي التقت الفتى فيه في طريق المصادفة لم ترتدي ثوب زينتها مجدداً ولم تدعُ بعدها أبداً إلى المغازلة.






سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك