10 يناير 2011

ثوب الزينة

(Pretty Prostitute - George Galic)




كانت تمشّط البلدة بثوبٍ مطرّزِ الحوافِّ، ثوبِ الزينة خاصّتها، وكانت إذا ما ارتدتْ ذلك الثوب فهي بذلك تعلن استعدادها للمغازلة.
في إحدى الطرقات، التقاها فتىً عمره فوق العاشرة ودون الخامسة عشر. لم يكن يعرف شيئاً عن المرأة ترتدي ثوب زينتها وتعلن استعدادها للمغازلة. لم يرَ سوى امرأة جميلة ترتدي ثوباً جميلاً مزركشاً مطرز الحواف. سار خلفها لدقائق معدودة، ولمّا التفتتْ إليه وصارت عيناها تنظر في قعر عينيه ارتسمَتْ على وجهه ابتسامة أقرب إلى الطفولة منها إلى الرجولة وأفصح لها عما يدور بخاطره.

"ثوبكِ يعجبني".

تعجّبتْ من قوله، وحارت في انتقاء رد مناسب، ربما لم تكن ذات خبرة في محاورة الفتيان، خصوصاً إذا أبدوا إعجابهم بزي زينتها.

"ما يعجبكَ فيه؟".

"يعجبني تنوّع لون نسيجه، والتطريز الجميل عند أطرافه".

تقترب منه وتتفحّص وجهه لعلها تجد فيه شعرة توحي ببلوغه مبلغ الرجال، فتجده فتىً أقرب إلى الطفولة منه إلى الرجولة.

"وماذا يعجبكَ أيضاً؟".

"يعجبني اتساع الأكمام، والكسرات عند الخصر، ونقش الورد اللامع عند الصدر".

تقترب منه أكثر.

"هل تريد أن تلمسه؟".

"حسناً".

ويبدأ في مدِّ يده ليلمس أحد الأكمام.

"ناعم الملمس".

"وهل تودّ لمس باقي الثوب؟!".

"يكفي ما وجدتُ، فكله مصنوع من نفس النسيج".

"كم عمركَ؟".

"لقد أتممتُ عامي الثاني عشر منذ أربعة أشهر تقريباً".

تجده طفلاً صغيراً.

"ربما حان الوقت لتذهب إلى بيتكَ".

"ولماذا حان الوقت؟".

"لأنه ليس من المفترض أن تقف معي وتتحدث إليّ".

"ولمَ ذاك؟".

"لأنكَ لازلتَ طفلاً صغيراً".

"وكيف يمنعني السنّ من الوقوف معكِ والحديث إليكِ؟!".

"لأنه لا يصح".

"ولمَ لا يصح؟ فأنا أقف مع الكثيرين وأتحدّث إلى الكثيرين".

"لكنني لستُ كالكثيرين الذين تقف معهم وتتحدث إليهم".

"ولمَ ذاك؟".

"هل تعرف معنى المرأة ترتدي ثوب زينتها المطرز الحواف تمشط البلدة؟!".

"امرأة ترتدي ثوباً جميلاً!".

"لا، إنها امرأة تدعو إلى المغازلة".

"وما المغازلة؟".

"ليس من الضروري أن تعرف".

"ولمَ لا؟".

"لأنك لازلتَ صغير السنّ".

"وما علاقة سنّي بمعرفتي بالمغازلة؟".

"لأن المغازلة من أمور الكبار".

"لا ضير من معرفة أمور الكبار، فكلنا نصير كباراً ذات يوم".

"كل أمر وله وقته".

"إذاً أنتِ تدعين إلى المغازلة؟".

"لا تردد كلمة مغازلة".

"ولمَ ذاك؟".

"أنتَ تسأل كثيراً".

"وما الضير في المعرفة؟".

"أنا لا أعرف كيف أجيب على أسئلتكَ".

"الأمر بسيط، إذا سألتكِ عن شئ قولي ما تعرفينه عنه".

"ليس الأمر بهذه البساطة".

"هل يمكن إذاً أن نبدأ المغازلة!".

"ماذا! لا".

"ولمَ لا؟".

"أنت لا تعرف أصلاً ما معنى المغازلة".

"سألتكِ ولم تخبريني".

"يجب أن ترحل الآن".

"لمَ الآن؟".

"لأنني ضقتُ ذرعاً بأسئلتكَ الكثيرة".

"لن أرحل حتى تخبريني ما هي المغازلة".

"وإذا أخبرتكَ ترحل؟!".

"أجل".

"ولا تخبر أحداً أني من أخبركَ هذا؟!".

"لن أخبر أحداً بذلك".

"أنا في هذا الوقت من اليوم أرتدي هذا الثوب الجميل والذي يعرفه الناس بثوب الزينة، أو ثوب المغازلة، أخرج إلى الطريق ويعرفني الناس أنني المرأة التي تغازل الرجال مقابل قدر من المال، فإذا ما كان هناك رجل يرغب فيّ، يأتي إليّ، وأسمح له بملامستي وملاطفتي بشكل حميم".

أطرق الفتى قليلاً.

"من دون زواج؟!".

"من دون زواج".

أخذ الفتى يقلّب الأمر في رأسه، يخطف نظرات إليها، ويوزّع باقي النظرات في الأرض.

"أليس هذا خاطئاً!".

بعد صمت.

"بلى".

"ولمَ إذاً تفعلينه؟".

"لأجد المال الكافي".

"ألا عائل لكِ؟".

"لا".

"فلمَ لا تعملين؟".

"لم أجد عملاً مناسباً".

"وهل ملامستكِ مقابل المال عملاً مناسباً!".

تصمت، وترسل نظراتها إلى الأرض.

"لمَ لم تجيبي سؤالي؟".

"لقد أوجعني سؤالكَ يا فتى"!


ومنذ ذلك اليوم الذي التقت الفتى فيه في طريق المصادفة لم ترتدي ثوب زينتها مجدداً ولم تدعُ بعدها أبداً إلى المغازلة.





هناك تعليقان (2):

الحسينى يقول...

حلوة جداً
تحياتى

WINNER يقول...



الحسيني:

شكراً جداً.

شرفتنا.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك