28 فبراير 2011

ألم الروح

(Journey to the Soul - By: Douglas Duerring)


جلسَتْ على طرفِ السريرِ أمامي، وفي عينيها ترقُّبٌ ممزوجٌ بالرهبةِ. اقتربتُ منها، ابتسمتُ في وجهها، ومددتُ يدي فأمسكتُ يدها، أحسستُ بنبضها، قوياً ورقيقاً في ذاتِ الوقتِ. مسحتُ بكفّي على جبهتها، كانت دافئةً. في عينيها تساؤلٌ وانتظارٌ، وتسري في كفها رعدةٌ حاولتِ السيطرةَ عليها، وفشلـَتْ.

شرعَتْ في البكاءِ، وازدادَ ارتعادُ كفها في يدي، وتسارعَ النبضُ. حاولتُ تهدئتها، وأخبرتها أنّ كلَّ شئٍ على ما يرام. كانت بينَ الحينِ والحينِ ترفعُ كفها لتمسحَ دمعاتٍ على وجنتيها، وأحياناً تضعُ يديها على وجهها لتخفي عينين خائفتين حائرتين وحيدتين.

في حزنها وخوفها بدَتْ حركاتها طفولية. عينان زائغتان، ترفضُ الإجابةَ عن سؤالٍ بسيطٍ؛ (ما بكِ؟ لابد وأنّ هناك شيئاً أكبر من مجرد ألمٍ يجتاحكِ!)، على الأقل ليس جسدياً، هناك شئٌ في الروح يؤلمها.

اشتكتْ من أنّ قلبها ينتفضُ بداخلها، ضرباته سريعةٌ، وتنفّسها يزداد صعوبةً، وأحشاءها تشكو اضطراباً. تتكلمُ قليلاً، وتبكي قليلاً، ووجهها مرسومٌ عليه غُربةٌ تدلُّ على أنها وحيدةٌ في هذه الدنيا.

غِبْتُ لدقائقٍ، وعُدْتُ بحلٍّ سريعٍ مؤقتٍ لألمِ أحشائها المضطربةِ المتوجّعةِ. أمسكتُ كفها، ونظرتُ فيه بعمقٍ، ضغطتُ قليلاً حتى بدت عروقها أكثر وضوحاً، لمستُ عروقها برقّةٍ، واخترتُ أحد العروقِ، وغرستُ فيه إبرةً، يسري خلالها سائلٌ سحريٌّ مكوّنٌ من (بسكوبان، بريمبران، وزانتاك)!



22 فبراير 2011

الدور على من؟

 (الحصان العربي)


العالم العربي في مرحلة انسلاخ من جلده القديم الضيق.


تونس، مصر، اليمن، البحرين، الجزائر، ليبيا، سوريا، و...
استطاعت الثورة في كل من تونس ومصر أن تُسقِط الأنظمة السياسية غير المرغوبة، وبدا واضحاً جداً - رغم ردود الأفعال المضادة للثورة من قِبل هذه الأنظمة - أن الثورة في النهاية تحقق مطالبها، وأن رغبة الجماهير تفرض نفسها. لا أدري لماذا لا يدرك هؤلاء الحكام أن الأمور ستنتهي بنفس الطريقة! وأن الدور سيأتي عليهم! وأن فتيل الثورة ما إن يشتعل فلا سبيل لإطفائه سوى تحقيق إرادة الشعوب. لماذا لا يدرك هؤلاء الحكام أن حكمهم لابد وأن تكون له نهاية! وأن حكمهم الظالم المستبد حتماً سيفضي إلى غضب ثم ثورة المحكومين. لماذا يصرّون على كبت حرية الناس وقمعهم والتصدي لرغباتهم واستعمال كل الوسائل لحرمانهم من التعبير عن استيائهم؟ لماذ هم بهذا الغباء!


ستزول جميع الحكومات العربية الحالية، خلال هذا العام، خلال العشرة أعوام المقبلة، خلال المائة عام القادمة، حتماً ستزول. احسبها بأي طريقة تريد؛ بالمنطق، بالتاريخ، بعلم الاجتماع، بالإيمان بسنن الله. احسبها كيفما تشاء ستجد أن حكمهم زائل لا محالة. الحكومات الملكية، الحكومات الجمهورية، وأيّا كان نظام الحكم لديكم، فطالما حكمكم يتغاضى عن رغبات الناس، ويظن أن الحاكم فوق المحكومين، وأن البلاد بلاد السادة لا بلاد العامّة، فأبشروا بتغيير لا يُبقي ولا يذر منكم واحداً.


اللهم ارحم حيّنا وميّتنا. اللهم ارحم من ماتوا في سبيلك، وأنت أعلم بالنوايا، وارحمنا اللهم إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم اهلك الظالمين المفسدين المعتدين المتجبرين. اللهم اقسمهم بقوتك إنك أنت القوي المتين. اللهم اهدِ هذه الأمة أمر رشد، واجعل يُعَزُّ فيها أهل طاعتك، ويُهدى فيها أهل معصيتك، ويُؤمر فيها بالمعروف، ويُنهي فيها عن المنكر.


مصدر الصورة: من هنا


20 فبراير 2011

هيَ تعبثُ بـِكْ

(La Tombeuse - By: Miki De Goodaboom)

هيَ تعبثُ بِكْ

هي تعبثُ بِكْ
و ستعلمُ ذلكَ حينَ تعودُ إليكَ
و بعدَ قليلٍ ترحلُ عنكْ
و حينَ تقولُ كلامَ الحُبِّ لديكَ
ثم تديرُ الظهرَ و تسخرُ منكْ
..
هي تعبثُ بكْ
هي لا تهتمُّ بشئٍ من قلبِكْ
هي تقضي وقتاً في قُربِكْ
تستمتعُ بالوقتِ و لُطفِكِ
و تملُّ السُكّرَ في قولِكْ
فترحلُ و تغادرُ حُلمَكْ
..
هي تعبثُ بكْ
هي تملكُ جُرأةَ ألفِ امرأةٍ
و رِقّةَ ألفِ امرأةٍ
و قسوةَ موتٍ لن يستمعَ لِعُذرْ
هي تمشي مثلَ نسيمِ البحرْ
تتسلّلُ مثلَ شعاعِ الشمسِ
و تسكنُ وجهَكْ
و تبيتُ الليلةَ في جوفِكْ
و ذاتُ صباحٍ
تبحثُ عنها في صدرِكْ
تكتشفُ النُدبةَ
شقّاً طوليّاً
و رحيلاً يأكلُ في نفسِكْ
يهزمُكَ
يشكِّكُ في دنياكَ
في واقعِكَ
في كلِّ الدنيا من حولِكْ
..
هي تعبثُ بِكْ
..

أحمد فايز

17 فبراير 2011

الحب في زمن الثورة

(As One - Sharon Cummings)



( يعني لما اعوز اتجوز هتجوز ولا برضه هستنى لما الظروف تسمح )


" عقبالك ".

" امتى بقى هنفرح فيك " !

" أنا اتجوزت من سنتين و معايا بنت ".

" خطبت و الفرح شهر سبعة الجاي ".

" المرتب هيزيد. هيبقى تلتميت جنية " !

" بص يا أستاذ، فيه شقة أوضتين و صالة، ع المحارة، و بعد التشطيب هتبقى سوبر لوكس، و عشانك انت يبقى مية و عشرة، إنما لو هتاخدها و تشطبها انت يبقى تمانين بس " !

" أنا هسافر السعودية. فيه عقد عمل طالبين سواقين " !

" بصي. أنا قدامي سبع سنين لحد ما يبقى معايا فلوس أجيب بيها شبكة. و مش هقدر أشتري شقة بالأسعار دي، يعني مفيش قدامي غير إني أأجر شقة، و كمان شقة في مكان بعيد مقطوع عشان يبقى إيجارها بسيط. انتي عارفة أنا بقبض كام، و الفلوس ماتكفيش. هتنستني ؟! ".


. . . . .

16 فبراير 2011

شجرة التفاح

(Old Apple Tree - Anna Folkartanna Maciejewska-Dyba)


كانت شجرة التفاح الكبيرة تقف وسط الحديقة محمّلة بثمار خضراء غير ناضجة مُرّة و لذيذة في نفس الوقت. عندما كنا صغاراً كنا نقطف الثمار القريبة من الأرض قبل أن يكتمل نضجها، نأكل حتى تمتلأ أفواهنا بالطعم المُرّ اللاذع.

في الحادي عشر من الشهر السابق فقدتُ آخر ذكرى تربطني بالماضي، عندما كنتُ صغيراً.

رسمتُ شجرة التفاح عندما كان عمري ثمانية أعوام أو أقل قليلاً، و هذا ما جعلني أحتفظ بهذه الذكرى الوحيدة. يبدو واضحاً مرور الوقت على الورقة القديمة، و تظهر عليها ملامح الشيخوخة؛ البقع المتناثرة، الألوان الباهتة، و التجاعيد. لكن، عند رؤيتها - على الرغم من بساطة خطوطها - أنتقل إلى عمر أعرف أنني كنتُ فيه أكثر سعادة.

كان أحد الجيران العجائز - من زمن الطفولة - يغنـّي عصراً أثناء طوافه بالشوارع. " يا حلوة ياللي حمامك طار، قومي اعمليله بـِنـّيه ". و كان يضحك حتى تظهر لثته التي سقطتْ عنها معظم الأسنان. عندما مات شعرتُ أنني فقدتُ شيئـاً من معالم الحي، لم تعد الشوارع تغنـّي كما كانت قديماً.

ابتعتُ إطاراً لرسمة شجرة التفاح و علقتها على الجدار الفارغ في غرفتي الواسعة جداً. تبدو وحيدة جداً، و كأنها معزولة في صحراء الجدار. حاولتُ رسم المزيد من أشجار التفاح لعلها تبدد وحدة شجرة الماضي، لكن أصابعي لم تتحرك بالقلم، أصبحتْ يابسة، تـُصدِر صريراً كالباب القديم. كنتُ قد توقفتُ عن الرسم منذ أكثر من أربعين عاماً. اكتفيتُ بهذه الرسمة اليتيمة، و صرفتُ النظر عن تزويدها بصُحبة. كنتُ أمرُّ عليها فتخطف نظري، و كانت تشعرني بالحزن، و لا أدري لما تشعرني بالحزن، مع أنها الذكرى الوحيدة المتبقية من الزمن السعيد. ربما لأنها كانت وحيدة، مثلي !

يتمكن منـّي اليأس أحيانـاً. لكن، أمي كانت قد أهدتني عصا سحرية يمكنها طرد اليأس و الحزن، و أبي كان يسقيني ماءً مالحاً مقدَّساً يقي من الهم و الضيق.

شجرة التفاح الأخضر المحمّلة بالأحلام و الأمل ماتت منذ وقت طويل. أتخيلها أحيانـاً في أوقات تأملي الخاصة. أقنع نفسي أنها تقبع بداخلي مورقة مثمرة حلوة حيـّـة طفولية و خيـّـرة.



(لا زالَ في الروحِ غصنٌ مورقٌ رغمَ الجفافِ و الجَدْبِ)



15 فبراير 2011

ماذا عن الغـد؟

(Verbal Vomit - Jera Sky)



لا أريد أن أبدو متشائماً في ما سأقوله في السطور التالية. لا أريد أن أبدو متحاملاً على أي أحد أو أية فئة. لا أريد إلصاق تُهَم أو تشوية صورة شخص أو جهة معينة. اقرأ التالي، وفكر فيه، ثم فكر مجدداً، ثم يمكنك بعد ذلك قبوله أو رفضه. وبداية أريد التأكيد على أنني مصري، من الطبقة المتوسطة، لا أنتمي إلا حزب سياسي معين، لا أحمل أي أجندات أجنبية، ولم أتناول الكنتاكي من قبل في حياتي!



المصريون قبل الثورة.

بأمانة، صِفْ لي حال الشارع المصري والمصريين قبل الثورة. بخلاف الحياة السياسية والاقتصادية التي أجمع الكل على سوئها. أتكلم عن المجتمع بشخصيته وتصرفاته وسماته. الكل يعلم أن المصريين لم يكونوا في أفضل حالاتهم. جرّب أن تسير في شارع من شوارع مصر وراقب المكان ومن فيه. دعني بداية أأكد على أن الشارع المصري لازال يحتفظ بعادات وتقاليد طيبة. لكن، دقق النظر، ستجد صوراً قبيحة تسللت عبر السنوات لتصبح جزءاً من المجتمع. ربما هذا ضمن التغيرات العالمية التابعة للعولمة والأمركة والانفتاح  والثورة المعلوماتية والحريات وما إلى ذلك من المسميات. دعني أعدد بعض الصور من المجتمع والتي نراها جميعاً:

  • القمامة التي أصبحتْ جزءاً من الشارع. هي فعل من أفعال الناس، وهي تصرف غريب. أتعجب عندما يواظب الناس على إلقاء كل أنواع القمامة في الشوارع، والأغرب أن تجد من يرفض أن يعترف بأن هذا فعل خاطئ، ويتحجج بأن الجميع يفعلون ذلك، وكأن المكان الطبيعي للقمامة هو الشارع.
  • في الشارع قد نرى ملابس وتصرفات غريبة لشباب وشابات. عدم احترام آداب الطريق إلا من قلة من الناس. عدم احترام قواعد المرور من قائدي المركبات إلا خوفاً من تحرير مخالفة. الجميع يسيرون غرباء عن بعضهم البعض، حتى التحية والسلام لم نعد نسمعها كثيراً.
  • العلاقة بين مقدِّم الخدمة والعميل. الزبون يتصرف بعجرفة من منطلق أنه يملك المال والاختيار (بفلوسي)، والبائع يتصرف بتعالٍ من منطلق أنه صاحب السلعة والمتحكم وأنه لا يحتاج إلى مال هذا المشتري (غور انت وفلوسك). مقدم الخدمة والعميل يشمل كل من يقدم أي خدمة أو يبيع أي سلعة ومن يستفيد من خدمة أو يستهلك سلعة. على سبيل المثال العلاقة بين سائقي السيارات الأجرة وبين الركّاب، وعلاقة موظفي المصالح الحكومية بالمواطنين.
  • العلاقة بين أبناء المنطقة الواحدة، والشارع الواحد، وحتى البيت الواحد. هناك توتر في العلاقات، وشجارات على أتفه الأسباب، وعدم الشعور بالثقة والأمان مع الآخرين، بالإضافة إلى أن هناك اعتقاد سائد أن كل شخص يسعى على مصالحه الشخصية، وأن كل شخص يهتم بنفسه فقط. العلاقة الطيبة التي كنا نسمع عنها من أجدادنا أو التي نراها في الأفلام القديمة تبدو كذكرى من زمن جميل.
  • الأسعار التي ترتفع بسبب وبدون سبب، أحياناً بفعل التاجر الذي يرغب في ربح أكثر. احتكار السلع الغذائية الأساسية. الأسعار السياحية. تشعر أن هناك من يُصِرُّ على نهب أموالك بطريقة أو بأخرى، وأنت مرغم على الدفع.
  • علاقة المعلم بالتلميذ. باختصار، لا المعلم ظل معلماً، ولا التلميذ بقى تلميذاً.
  • علاقة الطبيب بالمريض. فكرة أن الطبيب هو السيد الفاهم العالم ذو المقام الرفيع، وأن المريض هو الجاهل والمسئول الأول عن مرضه. فكرة أن الطبيب هو شخص يتربّح من مهنته عن طريق جمع أموال الناس مقابل خدمة طبية سيئة، وليس الحكيم الذي يمتهن مهنة من أشرف المهن. فكرة أن الطبيب في مكانة مرتفعة تجعله لا يعبأ بارتكاب الأخطاء، ولا يوجد من يراقبه أو يقاضيه أو يثبت عليه شئ.
  • حالات الانتحار. خلال الأعوام القليلة السابقة قرأنا عن حالات انتحار كثيرة، يقال أنها بسبب الفقر. ومتى كان المصريون أثرياء! السبب الأساسي في انتشار الانتحار كظاهرة هو خلل مجتمعي بالإضافة إلى ضغوط أخرى كالحالة الاقتصادية، وذلك لأن مصر منذ أن القدم وهي تحمل على أرضها من يعيش يوماً بيوم ولا يملك شيئاً للغد، ولم يكن الانتحار كما نراه اليوم.
  • الدين في المجتمع. ربما يبدو المصريون متدينين، لكن إذا دققتَ أكثر تجد أن الغالبية متدينون بشكل جزئي، بمعنى أنهم متدينون في أشياء وفي أشياء أخرى تجدهم أبعد ما يكون عن الدين. ويظهر ذلك في عدم المحافظة على القواعد التي تدعو إليها الأديان في العبادات والتعاملات. محال بيع الخمور، الملاهي الليلة، والحفلات الصاخبة. انتقال الطابع الغربي الغريب وغير المتدين إلى أراضينا المتدينة. وأعرف جيداً أن الإسلام والمسيحية ضد الكثير من العادات الغربية المنتقلة إلى مجتمعاتنا، وأن التدين الوسط غير المتشدد يرفض التسيب والانحلال الذي نسمع عنه بل ونراه أحياناً في المجتمع. أشياء كثيرة دخيلة على المصريين ساعدَتْ على تشكيل وجه المجتمع ليصبح مشوَّهاً وغريباً.


هل كل ما كنا نحتاجه هو تغيير سياسي؟!

ما سبق ذكره هو بعض ما يمكن أن يلاحظه أي مصري، ولا أستثني نفسي، فبالتأكيد قد شاركتُ بشكل أو بآخر في هذه الصورة الغريبة لمجتمعنا. ولا أقصد التحامل على المجتمع، وإنما كيف يمكننا الإصلاح إن لم نعرف ما يحتاج إلى الإصلاح! وما سبق هو بعض ما يحتاج إلى الإصلاح والتغيير والتعديل لتكون الثورة شاملة، ليست فقط لإسقاط نظام سياسي، وإنما لتغيير كل الأوضاع السيئة، ومنها وضع المجتمع الذي من الواضح أنه ليس في أفضل حالاته.

أعتقد - وهذه وجهة نظري - أن التغيير السياسي مهم، من أجل تنظيم عملية التطوير والتقدم. لكن، ماذا يفعل النظام السياسي الجديد الجيد إذا كان الناس في الأصل ليسوا على مستوى التغيير والجودة؟! أعتقد أن المصريين يحتاجون أيضاً النظر إلى المجتمع لتغيير العديد من العادات والتصرفات، والتي في وجودها لن تنتقل مصر إلى أي مكان جيد. يجب تغيير الفكر وتطوير العقلية المصرية. يجب نشر ثقافة جديدة تحمل مفهوم الثورة على كل الأخطاء والسيئات في المجتمع. كما يتم كنس الشوارع من القمامة، يجب كنس المجتمع من أشياء كثيرة علقتْ به.


وأختم بقولي أن تسليطي الضوء على سيئات المجتمع ليس بغرض اتهام المجتمع - الذي أنا فرد من أفراده - وإنما لأنني أحلم بمجتمع أفضل، مجتمع جديد، مجتمع خالي من كل العيوب التي عشنا فيها خلال الفترات السابقة. ولا أقصد أن تظهر الصورة قاتمة، وإنما يحزنني وجود مثل هذه العيوب في المجتمع الذي أعيش فيه وأنتسب إليه، وأرجو أن أحيا لليوم التي نستطيع فيه أن نتلافى عيوبنا القابلة للتغيير، لنرتقي فعلاً كمجتمع. وما المجتمع إلا نحن! ولتغيير المجتمع يجب أن نتغير نحن، يجب أن نفرز أفعالنا، صحيح وخاطئ، ونقوم جميعاً بالتخلي عن الجوانب الخاطئة من تصرفاتنا وأفكارنا، وننتهج طريقة جديدة وفكراً جديداً جيداً، وعندها يصبح المجتمع الجديد جيداً.



12 فبراير 2011

فرص جديدة للحياة

(Heart - Andy Warhol)


دخلـَتْ غرفة مكتبي في العمل، و أغلقتِ البابَ خلفها، و راودتني عن نفسي !

و لـعِلـْمي مسبقـاً بما في يدورُ في رأسِها، دون تصوّرِ وقوعهِ على هذه الصورة، لم أندهشْ كثيراً، على الرغم من شعوري بالتوترِ و القلق. هي من فترة تتقرّبُ منـّي، و في نفسها شئٌ أرادتْ حدوثهُ، و انتظرتني حتى أقومَ بالخطوةِ الأولى. و لأنني لم أُبدِ أيَّ اهتمامٍ من جانبي قررَتْ هي أن تأخذ ما تريدُ بأيِّ طريقة.

قلتُ لها: " لن يحدثَ هذا و لو انطبقتِ السماءُ على الأرض ".

قالت: " إذاً أصرخُ، و أجمعُ الناسَ، و أقولُ أنكَ هممتَ بي، فتخسرُ عملكَ، و احترامَ الناسِ، و ربما ينتهي بكَ الأمرُ في السجن ".

فسألتها: " أتريدين ذلك حُبـّـاً فيَّ، أم لشهوة ؟ ".

قالت: " بل هو الحُب ".

قلتُ: " و تريدين أن تتهميني بالتعدّي عليكِ، تريدين أن أفقدَ عملي، أو أن يُزَجَّ بي في السجن! اعذريني إن كنتُ لا أصدقُ أنكِ تكنـّين لي حُـبـّـاً ".

سكتتْ، و انقلبتِ النظرةُ الخبيثةُ في عينيها إلى توتر، تحوّلتْ إلى جانبها الآخر. قالتْ: " لمَ تفعلُ بي ذلك ؟ ".

" ماذا أفعل ؟ ".

" تحيرني، و تجعلني أتصرّفُ كالمجنونة. قبل اليوم ما كنتُ أفكرُ أن أفعلَ ذلك، أو أقولَ ما قلتُ. الآن أضيفُ إلى حيرتي و انشغالي شعوراً بالخجل إذا ما نظرتُ إليكَ بعد اليوم و تذكرتُ موقفي هذا ".

" أتريدين أن أخبركِ لمَ لمْ أبدِ اهتماماً بكِ ؟ ".

" أخبرْني ".

" منذ خمسةِ أعوامٍ عرفتُ فتاةً في حيّنا، من أجمل بناتِ الحي. أغرمتُ بها مثل كثيرين غيري، و سهرتُ الليالي الطوالَ أحلمُ بها يقظـاً، و إذا ما نمتُ أتتني في الأحلام. و لأنها جميلة، و من عائلةٍ ميسورةِ الحال، كانَ الخُطـّابُ يحجّون إلى بيتها أفواجاً، يعرضون المالَ و الجاه، و يتفننون في استمالتها، و كانت ترفضُ هذا و تصدُّ ذاك. كنتُ وقتها شاباً تجاوزتُ العشرين بقليل، عملي يوفرُ لي مالاً يساعدني على المعيشة، لكن هذا المال لا يجعل منـّي ثرياً، و لا جاه في عائلتي البسيطة و لا سلطان، فكنتُ كطفلٍ منبوذٍ يقفُ عند نافذةِ دكان الحلوى، يسيلُ لعابهُ عليها، و لا يستطيع أن يخطو إلى داخل الدكان ليطلبَ شيئـاً، لعلمه يقينـاً أنه سيُطردُ شر طردة. كانتِ الجميلة لا تزالُ تصدُّ الراغبين بغرور، و لم يكن عشقي كما كانَ في بدايته، بل زادَ و طغى، حتى كرهتُ عيشتي و بيتي و عملي و نفسي، و قررتُ الهجرة. جئتُ إلى هذا البلدِ و ليس في عقلي غير شئٍ واحد؛ أن أجمعَ من المالِ ما يجعلني أستطيعُ أن أقفَ أمام أيِّ دكان حلوى و أنا أعلمُ جيداً أنني قادرٌ على شراءِ أيَّ قطعة حلوى تعجبني، بل شراء الدكان كله لو أردتُ. لا أقصدُ بذلك أن أشترى امرأةً أو حبها، بل أقصدُ أن أتخلصَ من شعوري بالنقصِ و العوز، و شعوري بالعجزِ و الانكسار. أقسمتُ ألا أفتحَ قلبي لأيِّ امرأةٍ حتى و إن كانتْ جميلة الجميلات، و أقسمتُ ألا أطاوعَ نفسي إذا ما اشتهتِ امرأة، أو اشتاقتْ للحضور الدافئ لأنثى. أعرفُ أنني في بعض الليالي حين يتملكني شعورٌ بالوحدةِ أبكي، و أسبُّ نفسي، و أسبُّ الفتاةَ الجميلة التي خرّبتْ قلبي و ملأتهُ بالصدأ. و في الصباح، أغسلُ وجهي، و أرتدي ابتسامتي المعتادة، و أخرجُ إلى الناس، أجمعُ المالَ الكثيرَ، أخزّنهُ، و لا أفعلُ به شيئـاً، و ماذا أفعل ! لا يوجدُ شئٌ يمكنهُ أن يجلبَ ليَ السعادة، أتناسى همومي بأن أتلذذ بطعامٍ شهيٍّ أو باللجوءِ إلى نومٍ طويل ".

كانتْ تنظرُ لي مثل أم، نظرة حانية، و لا أعرفُ كيف تجمعُ المرأةُ في داخلها كل هذه الشخصيات في جسدٍ واحد؛ أمّ تشعُّ حنانـاً على كلِّ من حولها، و فتاة لاهية تغازلُ الرجال، و عاملة مجتهدة تناطحُ الذكورَ و تتفوقُ عليهم، و فتاة صغيرة تبكي بشدة لأهونِ الأسباب. كل هؤلاء الأشخاص موجودون داخل المرأة الواحدة.

سادَ صمت. لم يبقَ لديّ شئٌ لأضيفه، و أعتقدُ أنها لم تجدْ ما تقوله. وجدَتْ في النهاية ما تقولُ قبل أن تنصرف.

" آسفـة ".

لا أعرفُ إن كانت تأسفُ لحالي و حكايتي، أم تبدي أسفها عن فعلتها المتهوّرة هذه الليلة، أم تعتذرُ باسم بناتِ جنسها عما حدثَ لي. ربما تقصدُ كل هذا.

رجعتُ إل بيتي هذه الليلة، أخرجتُ علبة اللبن من الثلاجة، و أفرغتُ بعضهُ في كوب. جلستُ على أريكتي المفضلة في ضوءٍ خافت، أفكرُ في ما حدثَ الليلة، و أفكرُ أكثر فيما قلته. من قبل لم أحكِ لأحدٍ حكايتي، كنتُ أحملُ كل شئ وحدي، و كنتُ أحسدُ زملائي في العمل و أصدقائي لأنهم يزورون أطباء نفسيين كعادةِ أهل هذه البلاد، و يحكون لهم عن كل شئ. أنا لم أرِدْ زيارة طبيب نفسي، و لا أعرفُ كيف يمكنني أن أجلسَ أمامهُ و أحكي له عن مكنوناتِ صدري. بعد أن أفرغتُ ما بداخلي اليوم، أراها ليست بفكرة سيئة أن يبحثَ الإنسانُ عن شخصٍ يحكي له، و لا بأس إن كان شخصاً غريباً يأخذ أجراً مقابل الاستماع.

ربما أصبحتُ إنسانـاً صدئَ القلبِ، ميتَ الشعور. ربما لم أعدْ أهتمُّ بالنساءِ. ربما انقضى من عمري أكثر مما تبقى فيه. ربما انغمستُ في الوحدةِ أكثرَ من اللازم، خاصة بعد أن قطعتُ اتصالي بأهلي و معارفي في وطني الأم، لم أردهم أن يذكـّروني بأيِّ شئٍ تركتهُ هناك و هربت. ربما أحتاجُ إلى فرصةٍ أخرى لأحيـا !

أثناء تفكيري في  الفرصةِ الأخرى تذكرتُ فتاة كانت تراودني عن نفسي منذ ساعاتٍ قليلة، كانت معجبة أو مُحِبـّة، مثلما كنتُ قديماً، و هداها تفكيرها إلى أخذ ما أرادت بطريقةٍ خاطئة، مثلما فعلتُ حين هربتُ و تركتُ كل شئ خلفي و بالغتُ في اليأس و الحزن. ربما إذا أردتُ فرصة أخرى فعليَّ أن أعطيها هي الأخرى فرصة ثانية، ربما تحسنُ استغلالها، ربما بعد ما عرفتْ ما أقاسيه تستطيع أن تساعدني على تخطـّي ما أنا فيه، ربما لم يكن مقدّراً لي أن أكونَ مع فتاةٍ جميلةٍ في وطني لأكونَ مع أخرى في وطنٍ آخر !

في اليوم التالي، عندما التقينا في العمل، لم تأتِ لتدورَ حولي و تتحدث إليّ كعادتها. لعلها تشعرُ بالخجلِ مما حدثَ بالأمس. ذهبتُ أنا إليها، و كان أول ما قلته لها: " هل تودّين تناول الطعام معي الليلة ؟ ".

و كان ردها: " نعم ".


( ربما نحتاجُ إلى فرصةٍ أخرى لنحيـا )



10 فبراير 2011

مصر في لحظات المخاض

(Expectations - Dena McMurdie)



مصرُ أمّـنـا .. أرضٌ حُبلى .. تصرخُ كلّ مائةِ عامٍ صرخةَ مخاضٍ .. لتلدَ طفلاً جديداً يقومُ على رعايتها .. حين يشيخُ أولادُها الأقدمون .. أو يموتون .. أو حين يكبرون أبناءً عاقـّين.



09 فبراير 2011

تذكّرتك اليوم

(Lost Love - Jesse Kuhn)



لم تعد تصدّق أيَّ كلمة أقولها، هل ذلك بسبب أنّي وعدتها بالحب الأبدي ثم رحلْت!

كنا قبل عامين على وفاق، وكنا بالإضافة إلى محبتنا أصدقاء، وكنا نهتم كثيراً بأنواع الزهور وخاصة الزنابق بأصنافها المتعددة. كانت لنا حديقة مسطّرة، نزرعها بالكلمات مساءً، ونحصد في اليوم التالي منها ثمراً طازجاً، نأكله، نصنع منه شراباً حلواً، ونخزّنه للذكرى.

كنتُ أبلغ من العمر خمسة أعوام، وفي صبيحة يوم وجدْتُني قد نضجتُ، كبرتُ ثلاثين عاماً، وفي يوم وليلة أصبحتُ شخصاً غير الشخص. هي كانت تبلغ من العمر عاماً واحداً، ولم يتمدد بها العمر لتلحق بي. أصبح عمري خمسة وثلاثين عاماً، وهي لا تزال ذات العام الواحد. أيقنتُ عندها أن قمصاني، سراويلي، جواربي وأحذيتي لم تعد تناسبني، وأنني لم أستعد بمال مدَّخَر ولا بعمل مفتخَر، لا أملك منزلاً رحباً ولا جذعاً صلباً، ليس عندي غير يدين اثنتين ورأس مفردة.

هل جرّبتم حَرَجَ نكث العهد!
لمّا وجدْتُني غير قادر على الوفاء بوعد قطعتُهُ، وعلى تلوين حلم رسمتُهُ، شعرتُ بخجل أمسكني بين أصبعين من أصابعه وضغط عليّ حتى حوّلني إلى كائن لا يمكن رؤيته بالعين المجردة. أعلم أنني إن أخبرتها بالحال، وتركتُ السؤال يجرّ السؤال، فلن أسلم من بقائها إلى جواري، جهلاً منها بحقيقة الأمر، أو اضطراراً. ولعلمي بما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، من إفاقة على واقع صلد بارد، آثرتُ الانتهاء من الأشغال الشاقة الآن قبل الغد، وافتعلتُ شجاراً ثم رحلْت.

يا عزيزتي، أعلم أنكِ بقلبكِ الصغير قد أحببتي ببراءةِ زهرةٍ تفتّحَتْ لتوّها، وأعلم أنكِ لن تقتنعي بحُجَجي وإن سُقتُها إليكِ أفواجاً. أعلم أن عود الثقاب الذي أشعلته ووضعته في كفكِ قد آلمكِ كثيراً، ولكن هذا ألم أهون من حريق كنتِ ستشعرين به يلتهمكِ كلّكِ، بكل ماضيكِ وحاضركِ، وحدائقكِ الخضراء، وفراشاتكِ الوردية، وهوائكِ المعطَّر. أعلم أنكِ ستغضبين جداً، بطفولة، وستقولين أنكِ تكرهينني، من شدة الحب، وستركضين بسرعة إلى فراشكِ، تخبئين وجهكِ بين الوسائد، وستقبعين هناك عاماً أو عامين، ثم سترفعين وجهكِ، تنظرين في كفكِ مكان الحرق، وستجدين أن الألم قد زال تماماً، أو خفَّ كثيراً، وستعودين بعدها للركض بين الزهور والفراشات كعادتكِ.

ربما لو كنا في حياة أخرى لكانت الأمور اختلفتْ. أعتذر إن كنتُ ألقي بالمسئولية على الظروف والأحوال وأُظهرني بريئاً مظلوماً لا حول لي ولا قوة. ولكن هل جرّبتي يوماً أن تموتي عطشاً في صحراء قاحلة! ماذا بيدكِ أن تفعلي! إنها قلة الحيلة المؤلمة التي نخشى أن نعترف بها، ولكن حين تطوّقنا نختنق، نفتح كفوفنا ونقف صامتين.

لا أدري لماذا أحكي لكِ الآن عمّا مضى، ولكن تذكرتكِ فلم أملك إلا أن أكتب لكِ. وعلى كل حال، أود أيضاً أن أضيف اعتذاراً. أنا آسف إن كان مروري بكِ أوجعكِ.



08 فبراير 2011

ثورة 25 يناير - العِبْرة



حرصَتْ وسائل الإعلام في معظم - إن لم يكن جميع - دول العالم على تغطية الأحداث في مصر. فقنوات الأخبار العالمية خصّصَتْ ساعات لمتابعة تطور الأحداث عن طريق البث المباشر من موقع الحدث، وكذلك البرامج الإخبارية التي تقدم تحليلاً لما يجري. والصحف جعلتْ أخبار الثورة المصرية على صفحاتها الأولى. ومواقع الإنترنت - الإخبارية وغيرها - سلّطتْ الضوء على الوضع المصري. مصر دولة معروفة عالمياً، إن لم يكن لتاريخها الطويل وآثارها التي يأتي إليها السائحون أفواجاً، فلموقعها في الشرق الأوسط، الموقع السياسي والاقتصادي والعسكري. ومصر كقوة اقتصادية كبيرة في المنطقة، وكقوة عسكرية ضخمة، وكقوة سياسية مؤثرة وفاعلة، فحدث هائل مثل قيام ثورة لهو حدث يلفت أنظار الجميع ويجعل الجميع يترقب ما الذي سيحدث وما الذي سينتج عن هذه الأحداث.


منذ اليوم الأول للثورة وحتى هذه اللحظة استطاعت الثورة أن تعطي دروساً وعِبَراً، ليس للمصريين فحسب وإنما للعالم أجمع، شعوباً وحكومات. ومن الدروس التي أظن أنني خرجتُ بها مما جرى في مصر الآتي:

1- قدرة الشعوب على إحداث التغيير: فأي دولة في العالم ما هي إلى شعب يحكمه أفراد من نفس الشعب، وقوة الأكثرية من العامة تفوق قوة الأقلية الحاكمة، حتى وإن كانت الأقلية الحاكمة تتمتع بنفوذ وسُلطة. وبالتالي، فأي شعب في العالم يمكنه إبداء رأيه وتحقيق مطالبه أياً كانت حكومته. النظام في مصر على درجة كبيرة من القوة، ويلجأ لوسائل عديدة لفرض نفوذه وتطبيق سياساته، وإذا كان المصريون قد استطاعوا تحدّي هذا النظام وفرض إرادتهم على إرادته فأي شعب في العالم يمكنه فعل المثل.

2- أهمية الإعلام ووسائل الاتصال: خلال السنوات القليلة الماضية استطاعت وسائل الإعلام المحلية والعالمية أن توسّع أفق المواطن البسيط وتعطيه صورة لما يحدث في العالم حوله. فاستطاع أن يتعرف على الاعتصامات والمظاهرات في الدول الغربية، وكيفية الحكم في البلاد التي يقولون عنها (متقدمة)، وحقوق الإنسان التي يتحدث عنها الجميع في العالم، وبدأ المواطن البسيط يسأل نفسه (أوَلستُ بشراً ومواطناً كهؤلاء البشر في هذه الدول المتقدمة!!). رأينا الاعتصامات في مصر والمظاهرات والإضرابات على غرار تلك التي تحدث في الغرب كتعبير عن حنق المواطنين ورغبتهم في الاستماع إلى مطالبهم وتنفيذها. استطاع الإعلام كذلك أن ينقل صورة مختلفة للوضع الداخلي للبلاد، فلم يعد المواطن يتابع فقط ما يبثه الإعلام الحكومي، وإنما أصبح المواطن البسيط جداً يتباع قنوات إخبارية غير محلية، ويتابع جرائد ومواقع أخبار عديدة لا تنقل له الحقائق منقوصة ولا مزوَّرة. استطاع المواطن أن يرى الفساد والظلم وسوء استغلال السُلطة وفشل النظام في توفير أبسط احتياجات البلاد. الإعلام اليوم جعل المواطن يعرف كل شئ.
بالنسبة لوسائل الاتصالات وخاصة الإنترنت، فالثورة المصرية بدأت على الإنترنت، ومن قبلها العديد من الأحداث كالوقفات الاحتجاجية والاعتصامات تم الترويج لها على الإنترنت. أصبح الخبر والمعلومة والفكرة تنتقل عبر ملايين الأشخاص بسرعة وبسهولة. ونظراً لأن كثير من المصريين الآن هم من الأجيال الجديدة التي على دراية بالتكنولوجيا الحديثة من هواتف نقالة وكمبيوتر وإنترنت، فليس من الغريب أن تختلف أساليب الشعوب في التعبير عن نفسها وفي المطالبة بحقوقها وحتى في القيام بثورة تم الترويج لها والتنظيم على شبكة الإنترنت.

3- لا يزال هناك أمل: شعر المصريون - وربما العرب جميعاً وشعوب أخرى - أن الأمل لا يزال موجوداً، وأن هذه الأمة العريقة لم تمت وتتوارى تحت التراب، وأننا لازلنا نتمتع بالقدرة على الارتقاء والتطور والتقدم، وأننا لا زلنا نتمتع بكرامة، ولازالت الحرية ترفرف داخل أنفسنا تأبى أن تخضع لقيد. استطاع الشعب أن يتنفس بعد كبت، وأن يتكلم بعد صمت، وأن يتخلص من خوف ظل ملازماً له لسنوات طويلة. فالشعور القبيح بالذل والمهانة والضعف في وطنك، وعدم وجود مخرج ولا منفذ، كل هذا قد زال، ويمكن أن نحلم من جديد بمستقبل أفضل نصنعه بأيدينا وفقاً لما نريد.


هذه ثلاثة دروس قيّمة من ثورة 25 يناير، وهناك غيرها الكثير من الدروس، عِبرة لمن يعتبر.


انتهي.



07 فبراير 2011

ثورة 25 يناير - المحنة

(Photo by Peter Macdiarmid/Getty Images)



كانت الثورة تتقدم بخطى ثابتة نحو المستقبل المشرق، نحو تحقيق مطالب بدت كثيراً وكأنها أحلام وأمنيات نأمل أن يأتي بها المستقبل المجهول. وكأي ثورة حالمة تواجه نظاماً مستبداً كان ولابد من وقوع مصادمات وسقوط ضحايا. الأمن المعروف طوال السنوات السابقة بأنه يحكم البلاد بقبضة من حديد، وبعصا وحذاء من فولاذ، لم يتوانى عن ممارسة عادة سحق الشعب تحت حذاء الأوامر وفكرة القوة المطلقة للنظام وآلاته.



الأمن يمسك العصا.

كما هو متوقع، وكما تعودنا، تصدت قوات الأمن الباسلة للمتظاهرين بقوة. العصي، خراطيم المطافي، الغاز المسيل للدموع، الرصاص المطاطي، والرصاص الحي. لم ينقصهم سوى استخدام القنابل اليدوية والنابالم لتكتمل المعركة! وما يدعو للسخرية أنه في نفس التاريخ الذي تصدت فيه قوات الشرطة المصرية لقوات الاحتلال في عام 1952، تصدت قوات الشرطة المصرية لجموع الشعب الأعزل الذي لا يطالب بشئ سوى بحقه في الحياة كباقي البشر المحترمين.



الأمن يختفي.

كلنا نتذكر اختفاء الجيش العراقي بعد دخول القوات الأمريكية، وكان من المستغرب اختفاء جيش من دون أي أثر. حدث المثل مع قوات الأمن، فمع تقدم المظاهرات وازديادها قوة، واختفاء الخوف لدى الشعب الذي عاش في خوف لسنوات طويلة، وجدتْ قواة الأمن أنها محاطة بأعداد هائلة من البشر المصمِّمة على نيْل حقوقها كاملة. من الواضح أن انسحاب الشرطة كان عملاً منظَّماً، فلا يمكن أن يختفي الجميع فجأة بلا أثر عن طريق الصدفة. من الواضح أن قراراً سياسياً من (فوق) أمر الشرطة بالانسحاب. الذي لا يملك أحد دليلاً عليه هو القصد من سحب عناصر الأمن، فهل المقصود هو ترك البلاد بلا أمن لتعم الفوضى ويسود الاضطراب فيتلهّى المواطنون بحماية بيوتهم وأنفسهم بدلاً من التظاهر؟! أم أن الأمر لا يتعدى كون شعور الشرطة بجرح مشاعرها بسبب رد المواطنين عليها بالوقوف بقوة وبحرق مركبات الشرطة والأقسام!



قطع الإنترنت.

إما قرار غبي أحمق أو حركة خبيثة فاسدة. جموع المتظاهرين يتجمعون وينظمون صفوفهم عن طريق الاتصال بالمواقع الاجتماعية كـ(الفيس بوك) و(تويتر)، وانقطاع وسيلة الاتصال هذه - بالإضافة إلى شبكات المحمول - من شأنه قطع التواصل، والذي يؤدي بدوره إلى انعدام التنظيم. وشاهدنا أنه خلال الثلاثة أيام الأولى - الثلاثاء والأربعاء والخميس قبل انقطاع النت يوم الجمعة في الثانية عشر والنصف صباحاً - كانت المظاهرات تتسم عامة بالنظام والاتجاه السلمي، وكانت الإرشادات والتنبيهات تحثُّ الجموع على التزام الأسلوب السلمي الحضاري في التظاهر حفاظاً على سلامة المتظاهرين وأرواحهم. وبعد انقطاع الاتصال، فإن الحركات الشبابية والمجموعات التي تحرك المتظاهرين وتنظم صفوفهم لم تجد طريقة للوصول لهذه الأعداد الغفيرة، فسادت الفوضى وخرجت الجموع بلا تنظيم وأصبح كل فرد يؤدي بشكل ارتجالي حسب الموقف، ورأينا المواجهات التي حدثت بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وكذلك اقتحام المتظاهرين لأقسام الشرطة وتحرير سجناء غير سياسيين بدون وعي وإدراك لكون بعض الأفعال تخرج عن الإطار الملائم لثورة شعبية هدفها رفعة شأن الوطن والمواطن.



سلب ونهب.

لا يمكن لشخصٍ واعٍ ومثقف خرج في مظاهرة من أجل المطالبة بحرية البلاد وكرامة العباد أن يقوم في نفس الوقت بالسطو على المحال التجارية من أجل الحصول على شئ لنفسه. بدأت الثورة بأبناء الطبقى الوسطى والفئات ميسورة الحال من الشباب الجامعي المتعلم المثقف الذي على دراية بالإنترنت. فمَن مِن هؤلاء سيقتحم متجراً من أجل الحصول على غسّالة يحملها على كتفه! ولذلك، فالسؤال الحقيقي هو: مَن هؤلاء الذين قاموا بعمليات السلب والنهب والتخريب وترويع المواطنين؟ ربما تبدو الإجابة عن هذا السؤال واضحة، ويزيد وضوحها ما بثته وسائل الإعلام وفضحه شهود العيان. ربما هم الغوغاء الذين قرروا الاستفادة من الموقف لتحقيق مكاسب شخصية سريعة كما تعوّدوا، هؤلاء الذي تراهم في الطريق تبدو على وجوههم علامات الشر وسوء النية. ربما هم المجرمون الذين تم إطلاق سراحهم من أقسام الشرطة ومن السجون. وربما هم عناصر أمن ينفذون خطة خبيثة. ربما كل هؤلاء، فلا أحد يستطيع الجزم بأن جهة معينة هي المسئولة، مع ميلي لتصديق أن الانتهازيين عديمي الضمير والوطنية قد استغلوا الموقف لنيل نصيبهم من غنيمة الوطن وهو في أكثر حالاته ضعفاً وحاجة إلى المساندة.



يُتبَع ...



06 فبراير 2011

ثورة 25 يناير - البداية

(First Tunisia, then Egypt - By: Carlos Latuff)


ثورة!

المصطلح المناسب لوصف ما حدث في 25 يناير هو (ثورة)، ويتفق معي في هذا موقع (ويكيبيديا). يقول الموقع في تعريف كلمة ثورة: "الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ من الوضع القائم. وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين ومفهومين، التعريف التقليدي القديم الذي وُضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثة هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته كالقوات المسلحة أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات، ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية. والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم ".
إذاً، ما حدث في 25 يناير هو ثورة.



لماذا ثار الشعب؟!

يمكن لأي شخص عاش في مصر خلال السنوات القليلة السابقة أن يخبرك لماذا ثار الشعب. وأقصد بـ(عاش) في مصر، أي عاش فعلاً كل ما مرّت به من ضيق وضغط وتغيير. يمكن لأي شاب بلغ الثلاثين من عمره من دون أن يجد عمل مناسب يُرضي طموحه ويكفي لبدأ حياة كريمة أن يخبرك لماذا ثار الشعب. يمكن لأي شخص عانى من تسلّط قوات الأمن، وقاسى الخوف من عناصر الشرطة، ولاقى اضطهاداً على يد من هم مسئولين عن حمايته وأمنه، يمكن أن يخبرك لماذا ثار الشعب. يمكن لأي رب أسرة فشل في توفير حياة مناسبة لأسرته بسبب الأسعار المتزايدة والدخل المتناقص أن يخبرك لماذا ثار الشعب. يمكن لأي شخص يشعر بدنو قيمته كفرد في مجتمعه، ويشعر بالخجل من جنسيته، ويشعر بعدم قدرته على حب بلد من المفترض أن يعشقها، يمكن أن يخبرك لماذا ثار الشعب. يمكن لأي شخص ملَّ من بطء صدور قرار إنصافه وبطء تنفيذه، وسأم ضياع حقوقه، وشعر أنه لا سند له على الأرض، وانسحق تحت رغبات فئات أعلى منه، يمكن أن يخبرك لماذا ثار الشعب.

سمعت كثيراً مقولة أن الشعب المصري كقِدر له غطاء مليئ بالثقوب، يستطيع التنفيس عن الضغط الواقع عليه. لكن، وكما نقول أن للصبر حدود، فإلى متى تستطيع هذه الثقوب والمنافذ أن تخفف الضغط الواقع على شعب من كل اتجاه! لابد أن هناك نقطة يتخطى فيها الضغط القدرة على تنفيسه، وهنا يحدث الانفجار.



مع الثورة/ ضد الثورة.

مع بداية الثورة، كان الجميع تقريباً مع الثورة، والجميع يبارك هذه الثورة الميمونة. كان الجميع على قناعة أن هذه الثورة التاريخية ستحقق جميع أهدافها المعلنة، ولن تتهاون ولن تفاوض ولن تتخلى عن استجابة لمطالبها. انتقل الجميع من مرحلة الحذر إلى عدم الخوف. ثم عندما ظهرت قوة النظام في الاحتفاظ بمكانته - وبكل سخرية - وجدنا انقسام هذه الجموع العريضة إلى أنصار ومعارضين، معارضين الثورة الذين سكتت أصواتهم في البداية، بل ومنهم من كان يهتف للثورة الميمونة، عندما وجدوا أن الموجة تتجه نحو شاطئ النظام، قرروا أنهم مع النظام.


يُتبَع..


05 فبراير 2011

طريق طويل من الألم

(Pain - By: Judi Davidson)


انتهى الطريق الطويل المؤدي إلى البناية الكائنة في آخر الشارع. الشارع الذي يحتوي على أكثر من مائة عامود من أعمدة الإنارة، و التي لم يبعث الضوء منها سوى عامود واحد. وصلتُ الآن إلى البناية التي أقصدها. البناية مكونة من أربعة طوابق، الطابق الأول يحتوي على عدة محال تجارية؛ محل بقالة، مركز اتصالات، مكتبة، و صيدلية. الساعة الآن الثانية و سبع دقائق، في ليلة من ليالي منتصف ديسمبر. بالإضافة إلى الظلام المنتشر، هناك برد شديد، زاد من شدته الرياح التي تمشـّط الطريق، و كذلك الخواء التام، حيث يأوي الناس إلى بيوتهم من بعد صلاة العشاء في الأيام العادية، و تغلق المحال أبوابها في حوالي العاشرة، و في طقس غير مناسب كطقس الليلة أفترض أن الجميع قد آثر دفء البيوت على الوجود في الخارج، و أغلق كل واحد باب بيته.


أنـا ...
أحمل على كتفي حقيبة سوداء، تحتوي على ...
تقدمتُ من البناية، و بنظرة مسحتُ الطريق و النوافذ، فلم يظهر أحد. شعرتُ بدفء داخلي، و اشتقتُ إلى كوب شاي ساخن، كالذي يعدّه الخفير علي أثناء حراسته الليلية للمركز الصحي بعد أن يغلق أبوابه. نفختُ في يديّ محاولاً بث بعض الحرارة لعلها تطرد البرد من أصابعي. ارتسمتْ على شفتيّ ابتسامة لم تنتشر في أرجاء وجهي الذي بقى عابساً حذِراً، حيث تذكّرتُ مقولة أمي لي حين كانت تودّعني صباحاً و أنا في طريقي إلى المدرسة، كانت تقول "ربنا يبعد عنك ولاد الحرام". اتسعتْ الابتسامة قليلاً، لكنها لازالت غير قادرة على تغيير نظرة الجدّية على وجهي. سمّيتُ، و توكلتُ على الله و أنا أتقدم من البناية، و لم أتمالك كبْت ضحكة خرجتْ من داخلي مجلجلة في هذا الصمت المطبق.


أولاد الحرام ..
كانت أمي تخشى عليّ من أولاد الحرام، و تعتبرني من أولاد الحلال، ربما لأنها تعرف أنني وُلدتُ في أسرة عادية يواظب فيها الأم و الأب على الصلاة. كانت أمي تردد كثيراً أنه بمجرد حصولي على شهادة (الدبلوم) ستبحث لي عن زوجة لتفرح بي قبل أن تموت. كانت أمي تقول الكثير من الأشياء. مثلاً كانت تقول أنني سأعوّض صبرها خيراً، و سأحقق لها الراحة و الطمأنينة التي فقدتها بعد وفاة والدي، و ذلك بعد أن تطمئن عليّ في عمل ذي دخل مناسب، و مع زوجة ابنة ناس طيبين، و يركض الأطفال في بيتي و يصيحون. أميّ كانت ابنة حلال، و لا أعتقد أن طريقة قدومنا إلى هذه الحياة هي ما تحدد كيف سنكون، فأنا على سبيل المثال وُلدتُ بعد زواج أبي بأمي زواجاً شرعياً، و رزقهم الله بي بعد أربع بنات. لكن، الأمهات يودّعن أبناءهن كل صباح و هنّ تدعين لهم بالبُعد عن أمثالي. احتفلتُ بعيد ميلادي السادس و الثلاثين على طريقة أولاد الحرام، مع كمية مناسبة من المُسْكِرات و المخدِّرات، و لازلتُ لم أتزوج بعد، و لم أحظَ بالولد، و لا عمل لي. لا شئ يا أمي مما تمنيتهِ لي قد تحقق. على العكس، أصبحتُ من الذين كنتِ تخافين عليّ منهم.


في الدور الثاني من هذه البناية توجد شقة مهندس و زوجته. سافرا أمس لحضور جنازة قريب لهما في الصعيد. أعطاني هذه المعلومات أحد عيال الشوارع مقابل القليل من المخدر. و كمحترف، أحضرتُ حقيبتي التي تحتوي العدة اللازمة للدخول إلى هذه الشقة، و الحصول على ما أقدر على حمله. عندما وقفتُ أمام هذه البناية، و هممتُ ببدأ ما أتيتُ من أجله، سمّيتُ و توكلتُ على الله، كأي شخص مؤمن يبدأ عمله. هذه الليلة لم أستطع مقاومة الرغبة في الضحك. مؤمن! أسمّي و أتوكل على الله و أدعو أن يوفقني الله فيما أفعل! لم أكن تحت تأثير أي مخدر هذه الليلة، فأنا لابد أن أبقى يقظاً، فعملي يتطلب يقظة و عقل واعٍ. ظلتْ كلمات أمي تتردد في عقلي (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). ماتت أمي حزينة بعدما أيقنتْ أنني لن أحقق لها شيئاً مما تمنته في حياتها. لا عمل، لا مال، لا زواج، و لا أولاد. و لا حتى سيرة طيبة تفتخر بها. ماتت بحسرتها كما يقولون. امتلأت عيناي بالدموع و أنا أتذكّر أمنيات أمي، و لمعة الإثارة في عينيها حين كانت تخبرني بكل ما تخطط له في المستقبل، و ما تحلم به لي. أعتقد أنني فقدتُ صبري و إيماني و لم أتمكن من انتظار عشرة أعوام أخرى لأحصل على ما كانت تعتقد أمي أنني سأحصل عليه بالصبر و الإيمان. بعد ابتسامي و ضحكي أمام هذه البناية لم يبقَ غير الدموع في عيني، و ضيق شديد في صدري يعتصر أحشائي. جلستُ في مكاني في الشارع الخاوي، و بعد ذلك استلقيتُ. السماء تبدو رمادية أقرب إلى السواد، و لا قمر هذه الليلة، و لا تظهر نجوم. هذا المنظر الكئيب زاد من ضيقي و حزني. نهضتُ غاضباً، و قررتُ أن أتم ما جئتُ من أجله. فليذهب هذا المهندس و زوجته إلى الجحيم، لا يهمني إن عادا فوجدا أن بعض ممتلكاتهما مفقودة، بالتأكيد سيتمكنا من العيش و لن يموتا من الجوع.


(ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). لازالت كلمات أمي تطنُّ في رأسي كصداع لا يفارق. كلما تقدمتُ خطوة تراجعتُ خطوتين، و وجدتني أبتعد عن البناية أكثر مما أقترب. (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). فلتكفـّي يا أمي بالله عليكِ، لا أستطيع العمل مع صوتكِ هذا. (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). ارحلي عنـّي يا أمي، أرجوكِ ارحلي. (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). فلتسكتي يا امرأة. آسف يا أمي، لم أقصد أن أتحدث إليكِ بهذه اللهجة غير المهذبة، لكنكِ ترين أنـّي أحاول العمل الآن، و لا أستطيع العمل في وجودكِ، و لا أدري لما أنتِ هنا هذه الليلة بالذات. آسف أنني نسيتُ يا أمي، لم أذكر أن اليوم يوافق يوم وفاتكِ. حسناً، سنعقد اتفاقـاً، سأبحث عن عمل، و بعد ذلك سأبحث عن زوجة ترضى بي، و سأحاول أن أنجب أولاداً، و سأسكن في مكان جديد لا يعرفونني فيه، لا يعرفون عنـّي سوى أنني رجل مسالم لا يفوّتُ فرضاً من الفروض، و في المقابل أريدكِ أن تكوني سعيدة. أعلم أن اتفاقنا هذا ربما يكون متأخراً، لكنني أعلم أنكِ بقلبكِ الكبير ستسامحينني على تأخيري و على الأخطاء الكثيرة التي وقعتُ فيها.



03 فبراير 2011

صورة ومساحة فارغة

(Mourning Dove on Barb Wire - Lori Presthus)



بسبب عدم القدرة على إيجاد كلمات مناسبة تعبّر عن كل ما يشغل العقل والفؤاد، أكتفي بصورة ومساحة فارغة.
..










..


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك