07 فبراير 2011

ثورة 25 يناير - المحنة

(Photo by Peter Macdiarmid/Getty Images)



كانت الثورة تتقدم بخطى ثابتة نحو المستقبل المشرق، نحو تحقيق مطالب بدت كثيراً وكأنها أحلام وأمنيات نأمل أن يأتي بها المستقبل المجهول. وكأي ثورة حالمة تواجه نظاماً مستبداً كان ولابد من وقوع مصادمات وسقوط ضحايا. الأمن المعروف طوال السنوات السابقة بأنه يحكم البلاد بقبضة من حديد، وبعصا وحذاء من فولاذ، لم يتوانى عن ممارسة عادة سحق الشعب تحت حذاء الأوامر وفكرة القوة المطلقة للنظام وآلاته.



الأمن يمسك العصا.

كما هو متوقع، وكما تعودنا، تصدت قوات الأمن الباسلة للمتظاهرين بقوة. العصي، خراطيم المطافي، الغاز المسيل للدموع، الرصاص المطاطي، والرصاص الحي. لم ينقصهم سوى استخدام القنابل اليدوية والنابالم لتكتمل المعركة! وما يدعو للسخرية أنه في نفس التاريخ الذي تصدت فيه قوات الشرطة المصرية لقوات الاحتلال في عام 1952، تصدت قوات الشرطة المصرية لجموع الشعب الأعزل الذي لا يطالب بشئ سوى بحقه في الحياة كباقي البشر المحترمين.



الأمن يختفي.

كلنا نتذكر اختفاء الجيش العراقي بعد دخول القوات الأمريكية، وكان من المستغرب اختفاء جيش من دون أي أثر. حدث المثل مع قوات الأمن، فمع تقدم المظاهرات وازديادها قوة، واختفاء الخوف لدى الشعب الذي عاش في خوف لسنوات طويلة، وجدتْ قواة الأمن أنها محاطة بأعداد هائلة من البشر المصمِّمة على نيْل حقوقها كاملة. من الواضح أن انسحاب الشرطة كان عملاً منظَّماً، فلا يمكن أن يختفي الجميع فجأة بلا أثر عن طريق الصدفة. من الواضح أن قراراً سياسياً من (فوق) أمر الشرطة بالانسحاب. الذي لا يملك أحد دليلاً عليه هو القصد من سحب عناصر الأمن، فهل المقصود هو ترك البلاد بلا أمن لتعم الفوضى ويسود الاضطراب فيتلهّى المواطنون بحماية بيوتهم وأنفسهم بدلاً من التظاهر؟! أم أن الأمر لا يتعدى كون شعور الشرطة بجرح مشاعرها بسبب رد المواطنين عليها بالوقوف بقوة وبحرق مركبات الشرطة والأقسام!



قطع الإنترنت.

إما قرار غبي أحمق أو حركة خبيثة فاسدة. جموع المتظاهرين يتجمعون وينظمون صفوفهم عن طريق الاتصال بالمواقع الاجتماعية كـ(الفيس بوك) و(تويتر)، وانقطاع وسيلة الاتصال هذه - بالإضافة إلى شبكات المحمول - من شأنه قطع التواصل، والذي يؤدي بدوره إلى انعدام التنظيم. وشاهدنا أنه خلال الثلاثة أيام الأولى - الثلاثاء والأربعاء والخميس قبل انقطاع النت يوم الجمعة في الثانية عشر والنصف صباحاً - كانت المظاهرات تتسم عامة بالنظام والاتجاه السلمي، وكانت الإرشادات والتنبيهات تحثُّ الجموع على التزام الأسلوب السلمي الحضاري في التظاهر حفاظاً على سلامة المتظاهرين وأرواحهم. وبعد انقطاع الاتصال، فإن الحركات الشبابية والمجموعات التي تحرك المتظاهرين وتنظم صفوفهم لم تجد طريقة للوصول لهذه الأعداد الغفيرة، فسادت الفوضى وخرجت الجموع بلا تنظيم وأصبح كل فرد يؤدي بشكل ارتجالي حسب الموقف، ورأينا المواجهات التي حدثت بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وكذلك اقتحام المتظاهرين لأقسام الشرطة وتحرير سجناء غير سياسيين بدون وعي وإدراك لكون بعض الأفعال تخرج عن الإطار الملائم لثورة شعبية هدفها رفعة شأن الوطن والمواطن.



سلب ونهب.

لا يمكن لشخصٍ واعٍ ومثقف خرج في مظاهرة من أجل المطالبة بحرية البلاد وكرامة العباد أن يقوم في نفس الوقت بالسطو على المحال التجارية من أجل الحصول على شئ لنفسه. بدأت الثورة بأبناء الطبقى الوسطى والفئات ميسورة الحال من الشباب الجامعي المتعلم المثقف الذي على دراية بالإنترنت. فمَن مِن هؤلاء سيقتحم متجراً من أجل الحصول على غسّالة يحملها على كتفه! ولذلك، فالسؤال الحقيقي هو: مَن هؤلاء الذين قاموا بعمليات السلب والنهب والتخريب وترويع المواطنين؟ ربما تبدو الإجابة عن هذا السؤال واضحة، ويزيد وضوحها ما بثته وسائل الإعلام وفضحه شهود العيان. ربما هم الغوغاء الذين قرروا الاستفادة من الموقف لتحقيق مكاسب شخصية سريعة كما تعوّدوا، هؤلاء الذي تراهم في الطريق تبدو على وجوههم علامات الشر وسوء النية. ربما هم المجرمون الذين تم إطلاق سراحهم من أقسام الشرطة ومن السجون. وربما هم عناصر أمن ينفذون خطة خبيثة. ربما كل هؤلاء، فلا أحد يستطيع الجزم بأن جهة معينة هي المسئولة، مع ميلي لتصديق أن الانتهازيين عديمي الضمير والوطنية قد استغلوا الموقف لنيل نصيبهم من غنيمة الوطن وهو في أكثر حالاته ضعفاً وحاجة إلى المساندة.



يُتبَع ...



ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك