08 فبراير 2011

ثورة 25 يناير - العِبْرة



حرصَتْ وسائل الإعلام في معظم - إن لم يكن جميع - دول العالم على تغطية الأحداث في مصر. فقنوات الأخبار العالمية خصّصَتْ ساعات لمتابعة تطور الأحداث عن طريق البث المباشر من موقع الحدث، وكذلك البرامج الإخبارية التي تقدم تحليلاً لما يجري. والصحف جعلتْ أخبار الثورة المصرية على صفحاتها الأولى. ومواقع الإنترنت - الإخبارية وغيرها - سلّطتْ الضوء على الوضع المصري. مصر دولة معروفة عالمياً، إن لم يكن لتاريخها الطويل وآثارها التي يأتي إليها السائحون أفواجاً، فلموقعها في الشرق الأوسط، الموقع السياسي والاقتصادي والعسكري. ومصر كقوة اقتصادية كبيرة في المنطقة، وكقوة عسكرية ضخمة، وكقوة سياسية مؤثرة وفاعلة، فحدث هائل مثل قيام ثورة لهو حدث يلفت أنظار الجميع ويجعل الجميع يترقب ما الذي سيحدث وما الذي سينتج عن هذه الأحداث.


منذ اليوم الأول للثورة وحتى هذه اللحظة استطاعت الثورة أن تعطي دروساً وعِبَراً، ليس للمصريين فحسب وإنما للعالم أجمع، شعوباً وحكومات. ومن الدروس التي أظن أنني خرجتُ بها مما جرى في مصر الآتي:

1- قدرة الشعوب على إحداث التغيير: فأي دولة في العالم ما هي إلى شعب يحكمه أفراد من نفس الشعب، وقوة الأكثرية من العامة تفوق قوة الأقلية الحاكمة، حتى وإن كانت الأقلية الحاكمة تتمتع بنفوذ وسُلطة. وبالتالي، فأي شعب في العالم يمكنه إبداء رأيه وتحقيق مطالبه أياً كانت حكومته. النظام في مصر على درجة كبيرة من القوة، ويلجأ لوسائل عديدة لفرض نفوذه وتطبيق سياساته، وإذا كان المصريون قد استطاعوا تحدّي هذا النظام وفرض إرادتهم على إرادته فأي شعب في العالم يمكنه فعل المثل.

2- أهمية الإعلام ووسائل الاتصال: خلال السنوات القليلة الماضية استطاعت وسائل الإعلام المحلية والعالمية أن توسّع أفق المواطن البسيط وتعطيه صورة لما يحدث في العالم حوله. فاستطاع أن يتعرف على الاعتصامات والمظاهرات في الدول الغربية، وكيفية الحكم في البلاد التي يقولون عنها (متقدمة)، وحقوق الإنسان التي يتحدث عنها الجميع في العالم، وبدأ المواطن البسيط يسأل نفسه (أوَلستُ بشراً ومواطناً كهؤلاء البشر في هذه الدول المتقدمة!!). رأينا الاعتصامات في مصر والمظاهرات والإضرابات على غرار تلك التي تحدث في الغرب كتعبير عن حنق المواطنين ورغبتهم في الاستماع إلى مطالبهم وتنفيذها. استطاع الإعلام كذلك أن ينقل صورة مختلفة للوضع الداخلي للبلاد، فلم يعد المواطن يتابع فقط ما يبثه الإعلام الحكومي، وإنما أصبح المواطن البسيط جداً يتباع قنوات إخبارية غير محلية، ويتابع جرائد ومواقع أخبار عديدة لا تنقل له الحقائق منقوصة ولا مزوَّرة. استطاع المواطن أن يرى الفساد والظلم وسوء استغلال السُلطة وفشل النظام في توفير أبسط احتياجات البلاد. الإعلام اليوم جعل المواطن يعرف كل شئ.
بالنسبة لوسائل الاتصالات وخاصة الإنترنت، فالثورة المصرية بدأت على الإنترنت، ومن قبلها العديد من الأحداث كالوقفات الاحتجاجية والاعتصامات تم الترويج لها على الإنترنت. أصبح الخبر والمعلومة والفكرة تنتقل عبر ملايين الأشخاص بسرعة وبسهولة. ونظراً لأن كثير من المصريين الآن هم من الأجيال الجديدة التي على دراية بالتكنولوجيا الحديثة من هواتف نقالة وكمبيوتر وإنترنت، فليس من الغريب أن تختلف أساليب الشعوب في التعبير عن نفسها وفي المطالبة بحقوقها وحتى في القيام بثورة تم الترويج لها والتنظيم على شبكة الإنترنت.

3- لا يزال هناك أمل: شعر المصريون - وربما العرب جميعاً وشعوب أخرى - أن الأمل لا يزال موجوداً، وأن هذه الأمة العريقة لم تمت وتتوارى تحت التراب، وأننا لازلنا نتمتع بالقدرة على الارتقاء والتطور والتقدم، وأننا لا زلنا نتمتع بكرامة، ولازالت الحرية ترفرف داخل أنفسنا تأبى أن تخضع لقيد. استطاع الشعب أن يتنفس بعد كبت، وأن يتكلم بعد صمت، وأن يتخلص من خوف ظل ملازماً له لسنوات طويلة. فالشعور القبيح بالذل والمهانة والضعف في وطنك، وعدم وجود مخرج ولا منفذ، كل هذا قد زال، ويمكن أن نحلم من جديد بمستقبل أفضل نصنعه بأيدينا وفقاً لما نريد.


هذه ثلاثة دروس قيّمة من ثورة 25 يناير، وهناك غيرها الكثير من الدروس، عِبرة لمن يعتبر.


انتهي.



ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك