05 فبراير 2011

طريق طويل من الألم

(Pain - By: Judi Davidson)


انتهى الطريق الطويل المؤدي إلى البناية الكائنة في آخر الشارع. الشارع الذي يحتوي على أكثر من مائة عامود من أعمدة الإنارة، و التي لم يبعث الضوء منها سوى عامود واحد. وصلتُ الآن إلى البناية التي أقصدها. البناية مكونة من أربعة طوابق، الطابق الأول يحتوي على عدة محال تجارية؛ محل بقالة، مركز اتصالات، مكتبة، و صيدلية. الساعة الآن الثانية و سبع دقائق، في ليلة من ليالي منتصف ديسمبر. بالإضافة إلى الظلام المنتشر، هناك برد شديد، زاد من شدته الرياح التي تمشـّط الطريق، و كذلك الخواء التام، حيث يأوي الناس إلى بيوتهم من بعد صلاة العشاء في الأيام العادية، و تغلق المحال أبوابها في حوالي العاشرة، و في طقس غير مناسب كطقس الليلة أفترض أن الجميع قد آثر دفء البيوت على الوجود في الخارج، و أغلق كل واحد باب بيته.


أنـا ...
أحمل على كتفي حقيبة سوداء، تحتوي على ...
تقدمتُ من البناية، و بنظرة مسحتُ الطريق و النوافذ، فلم يظهر أحد. شعرتُ بدفء داخلي، و اشتقتُ إلى كوب شاي ساخن، كالذي يعدّه الخفير علي أثناء حراسته الليلية للمركز الصحي بعد أن يغلق أبوابه. نفختُ في يديّ محاولاً بث بعض الحرارة لعلها تطرد البرد من أصابعي. ارتسمتْ على شفتيّ ابتسامة لم تنتشر في أرجاء وجهي الذي بقى عابساً حذِراً، حيث تذكّرتُ مقولة أمي لي حين كانت تودّعني صباحاً و أنا في طريقي إلى المدرسة، كانت تقول "ربنا يبعد عنك ولاد الحرام". اتسعتْ الابتسامة قليلاً، لكنها لازالت غير قادرة على تغيير نظرة الجدّية على وجهي. سمّيتُ، و توكلتُ على الله و أنا أتقدم من البناية، و لم أتمالك كبْت ضحكة خرجتْ من داخلي مجلجلة في هذا الصمت المطبق.


أولاد الحرام ..
كانت أمي تخشى عليّ من أولاد الحرام، و تعتبرني من أولاد الحلال، ربما لأنها تعرف أنني وُلدتُ في أسرة عادية يواظب فيها الأم و الأب على الصلاة. كانت أمي تردد كثيراً أنه بمجرد حصولي على شهادة (الدبلوم) ستبحث لي عن زوجة لتفرح بي قبل أن تموت. كانت أمي تقول الكثير من الأشياء. مثلاً كانت تقول أنني سأعوّض صبرها خيراً، و سأحقق لها الراحة و الطمأنينة التي فقدتها بعد وفاة والدي، و ذلك بعد أن تطمئن عليّ في عمل ذي دخل مناسب، و مع زوجة ابنة ناس طيبين، و يركض الأطفال في بيتي و يصيحون. أميّ كانت ابنة حلال، و لا أعتقد أن طريقة قدومنا إلى هذه الحياة هي ما تحدد كيف سنكون، فأنا على سبيل المثال وُلدتُ بعد زواج أبي بأمي زواجاً شرعياً، و رزقهم الله بي بعد أربع بنات. لكن، الأمهات يودّعن أبناءهن كل صباح و هنّ تدعين لهم بالبُعد عن أمثالي. احتفلتُ بعيد ميلادي السادس و الثلاثين على طريقة أولاد الحرام، مع كمية مناسبة من المُسْكِرات و المخدِّرات، و لازلتُ لم أتزوج بعد، و لم أحظَ بالولد، و لا عمل لي. لا شئ يا أمي مما تمنيتهِ لي قد تحقق. على العكس، أصبحتُ من الذين كنتِ تخافين عليّ منهم.


في الدور الثاني من هذه البناية توجد شقة مهندس و زوجته. سافرا أمس لحضور جنازة قريب لهما في الصعيد. أعطاني هذه المعلومات أحد عيال الشوارع مقابل القليل من المخدر. و كمحترف، أحضرتُ حقيبتي التي تحتوي العدة اللازمة للدخول إلى هذه الشقة، و الحصول على ما أقدر على حمله. عندما وقفتُ أمام هذه البناية، و هممتُ ببدأ ما أتيتُ من أجله، سمّيتُ و توكلتُ على الله، كأي شخص مؤمن يبدأ عمله. هذه الليلة لم أستطع مقاومة الرغبة في الضحك. مؤمن! أسمّي و أتوكل على الله و أدعو أن يوفقني الله فيما أفعل! لم أكن تحت تأثير أي مخدر هذه الليلة، فأنا لابد أن أبقى يقظاً، فعملي يتطلب يقظة و عقل واعٍ. ظلتْ كلمات أمي تتردد في عقلي (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). ماتت أمي حزينة بعدما أيقنتْ أنني لن أحقق لها شيئاً مما تمنته في حياتها. لا عمل، لا مال، لا زواج، و لا أولاد. و لا حتى سيرة طيبة تفتخر بها. ماتت بحسرتها كما يقولون. امتلأت عيناي بالدموع و أنا أتذكّر أمنيات أمي، و لمعة الإثارة في عينيها حين كانت تخبرني بكل ما تخطط له في المستقبل، و ما تحلم به لي. أعتقد أنني فقدتُ صبري و إيماني و لم أتمكن من انتظار عشرة أعوام أخرى لأحصل على ما كانت تعتقد أمي أنني سأحصل عليه بالصبر و الإيمان. بعد ابتسامي و ضحكي أمام هذه البناية لم يبقَ غير الدموع في عيني، و ضيق شديد في صدري يعتصر أحشائي. جلستُ في مكاني في الشارع الخاوي، و بعد ذلك استلقيتُ. السماء تبدو رمادية أقرب إلى السواد، و لا قمر هذه الليلة، و لا تظهر نجوم. هذا المنظر الكئيب زاد من ضيقي و حزني. نهضتُ غاضباً، و قررتُ أن أتم ما جئتُ من أجله. فليذهب هذا المهندس و زوجته إلى الجحيم، لا يهمني إن عادا فوجدا أن بعض ممتلكاتهما مفقودة، بالتأكيد سيتمكنا من العيش و لن يموتا من الجوع.


(ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). لازالت كلمات أمي تطنُّ في رأسي كصداع لا يفارق. كلما تقدمتُ خطوة تراجعتُ خطوتين، و وجدتني أبتعد عن البناية أكثر مما أقترب. (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). فلتكفـّي يا أمي بالله عليكِ، لا أستطيع العمل مع صوتكِ هذا. (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). ارحلي عنـّي يا أمي، أرجوكِ ارحلي. (ربنا يبعد عنك ولاد الحرام). فلتسكتي يا امرأة. آسف يا أمي، لم أقصد أن أتحدث إليكِ بهذه اللهجة غير المهذبة، لكنكِ ترين أنـّي أحاول العمل الآن، و لا أستطيع العمل في وجودكِ، و لا أدري لما أنتِ هنا هذه الليلة بالذات. آسف أنني نسيتُ يا أمي، لم أذكر أن اليوم يوافق يوم وفاتكِ. حسناً، سنعقد اتفاقـاً، سأبحث عن عمل، و بعد ذلك سأبحث عن زوجة ترضى بي، و سأحاول أن أنجب أولاداً، و سأسكن في مكان جديد لا يعرفونني فيه، لا يعرفون عنـّي سوى أنني رجل مسالم لا يفوّتُ فرضاً من الفروض، و في المقابل أريدكِ أن تكوني سعيدة. أعلم أن اتفاقنا هذا ربما يكون متأخراً، لكنني أعلم أنكِ بقلبكِ الكبير ستسامحينني على تأخيري و على الأخطاء الكثيرة التي وقعتُ فيها.



هناك تعليقان (2):

ايثار يقول...

نعم البشر لا يحدد مصيرهم من ميلادهم لا يوجد ابن حرام وآخر ابن حلال البشر بهم كل شيء كل الجيد كل السيء كل الأفكار والابتكارات وربما الأعطال لكن ما يفرق شخصًا عن آخر قدر ظهور هذه البشريات قدر طفوها على السطح..

WINNER يقول...



ايثار:

أهلاً و سهلاً.

أتفق معك أن كل إنسان بداخله خير و شر، و الفرق بين البشر هو قدرتهم على إظهار و تنمية الخير و كبح جماح الشر.


شرفتنا زيارتك يافندم.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك