12 فبراير 2011

فرص جديدة للحياة

(Heart - Andy Warhol)


دخلـَتْ غرفة مكتبي في العمل، و أغلقتِ البابَ خلفها، و راودتني عن نفسي !

و لـعِلـْمي مسبقـاً بما في يدورُ في رأسِها، دون تصوّرِ وقوعهِ على هذه الصورة، لم أندهشْ كثيراً، على الرغم من شعوري بالتوترِ و القلق. هي من فترة تتقرّبُ منـّي، و في نفسها شئٌ أرادتْ حدوثهُ، و انتظرتني حتى أقومَ بالخطوةِ الأولى. و لأنني لم أُبدِ أيَّ اهتمامٍ من جانبي قررَتْ هي أن تأخذ ما تريدُ بأيِّ طريقة.

قلتُ لها: " لن يحدثَ هذا و لو انطبقتِ السماءُ على الأرض ".

قالت: " إذاً أصرخُ، و أجمعُ الناسَ، و أقولُ أنكَ هممتَ بي، فتخسرُ عملكَ، و احترامَ الناسِ، و ربما ينتهي بكَ الأمرُ في السجن ".

فسألتها: " أتريدين ذلك حُبـّـاً فيَّ، أم لشهوة ؟ ".

قالت: " بل هو الحُب ".

قلتُ: " و تريدين أن تتهميني بالتعدّي عليكِ، تريدين أن أفقدَ عملي، أو أن يُزَجَّ بي في السجن! اعذريني إن كنتُ لا أصدقُ أنكِ تكنـّين لي حُـبـّـاً ".

سكتتْ، و انقلبتِ النظرةُ الخبيثةُ في عينيها إلى توتر، تحوّلتْ إلى جانبها الآخر. قالتْ: " لمَ تفعلُ بي ذلك ؟ ".

" ماذا أفعل ؟ ".

" تحيرني، و تجعلني أتصرّفُ كالمجنونة. قبل اليوم ما كنتُ أفكرُ أن أفعلَ ذلك، أو أقولَ ما قلتُ. الآن أضيفُ إلى حيرتي و انشغالي شعوراً بالخجل إذا ما نظرتُ إليكَ بعد اليوم و تذكرتُ موقفي هذا ".

" أتريدين أن أخبركِ لمَ لمْ أبدِ اهتماماً بكِ ؟ ".

" أخبرْني ".

" منذ خمسةِ أعوامٍ عرفتُ فتاةً في حيّنا، من أجمل بناتِ الحي. أغرمتُ بها مثل كثيرين غيري، و سهرتُ الليالي الطوالَ أحلمُ بها يقظـاً، و إذا ما نمتُ أتتني في الأحلام. و لأنها جميلة، و من عائلةٍ ميسورةِ الحال، كانَ الخُطـّابُ يحجّون إلى بيتها أفواجاً، يعرضون المالَ و الجاه، و يتفننون في استمالتها، و كانت ترفضُ هذا و تصدُّ ذاك. كنتُ وقتها شاباً تجاوزتُ العشرين بقليل، عملي يوفرُ لي مالاً يساعدني على المعيشة، لكن هذا المال لا يجعل منـّي ثرياً، و لا جاه في عائلتي البسيطة و لا سلطان، فكنتُ كطفلٍ منبوذٍ يقفُ عند نافذةِ دكان الحلوى، يسيلُ لعابهُ عليها، و لا يستطيع أن يخطو إلى داخل الدكان ليطلبَ شيئـاً، لعلمه يقينـاً أنه سيُطردُ شر طردة. كانتِ الجميلة لا تزالُ تصدُّ الراغبين بغرور، و لم يكن عشقي كما كانَ في بدايته، بل زادَ و طغى، حتى كرهتُ عيشتي و بيتي و عملي و نفسي، و قررتُ الهجرة. جئتُ إلى هذا البلدِ و ليس في عقلي غير شئٍ واحد؛ أن أجمعَ من المالِ ما يجعلني أستطيعُ أن أقفَ أمام أيِّ دكان حلوى و أنا أعلمُ جيداً أنني قادرٌ على شراءِ أيَّ قطعة حلوى تعجبني، بل شراء الدكان كله لو أردتُ. لا أقصدُ بذلك أن أشترى امرأةً أو حبها، بل أقصدُ أن أتخلصَ من شعوري بالنقصِ و العوز، و شعوري بالعجزِ و الانكسار. أقسمتُ ألا أفتحَ قلبي لأيِّ امرأةٍ حتى و إن كانتْ جميلة الجميلات، و أقسمتُ ألا أطاوعَ نفسي إذا ما اشتهتِ امرأة، أو اشتاقتْ للحضور الدافئ لأنثى. أعرفُ أنني في بعض الليالي حين يتملكني شعورٌ بالوحدةِ أبكي، و أسبُّ نفسي، و أسبُّ الفتاةَ الجميلة التي خرّبتْ قلبي و ملأتهُ بالصدأ. و في الصباح، أغسلُ وجهي، و أرتدي ابتسامتي المعتادة، و أخرجُ إلى الناس، أجمعُ المالَ الكثيرَ، أخزّنهُ، و لا أفعلُ به شيئـاً، و ماذا أفعل ! لا يوجدُ شئٌ يمكنهُ أن يجلبَ ليَ السعادة، أتناسى همومي بأن أتلذذ بطعامٍ شهيٍّ أو باللجوءِ إلى نومٍ طويل ".

كانتْ تنظرُ لي مثل أم، نظرة حانية، و لا أعرفُ كيف تجمعُ المرأةُ في داخلها كل هذه الشخصيات في جسدٍ واحد؛ أمّ تشعُّ حنانـاً على كلِّ من حولها، و فتاة لاهية تغازلُ الرجال، و عاملة مجتهدة تناطحُ الذكورَ و تتفوقُ عليهم، و فتاة صغيرة تبكي بشدة لأهونِ الأسباب. كل هؤلاء الأشخاص موجودون داخل المرأة الواحدة.

سادَ صمت. لم يبقَ لديّ شئٌ لأضيفه، و أعتقدُ أنها لم تجدْ ما تقوله. وجدَتْ في النهاية ما تقولُ قبل أن تنصرف.

" آسفـة ".

لا أعرفُ إن كانت تأسفُ لحالي و حكايتي، أم تبدي أسفها عن فعلتها المتهوّرة هذه الليلة، أم تعتذرُ باسم بناتِ جنسها عما حدثَ لي. ربما تقصدُ كل هذا.

رجعتُ إل بيتي هذه الليلة، أخرجتُ علبة اللبن من الثلاجة، و أفرغتُ بعضهُ في كوب. جلستُ على أريكتي المفضلة في ضوءٍ خافت، أفكرُ في ما حدثَ الليلة، و أفكرُ أكثر فيما قلته. من قبل لم أحكِ لأحدٍ حكايتي، كنتُ أحملُ كل شئ وحدي، و كنتُ أحسدُ زملائي في العمل و أصدقائي لأنهم يزورون أطباء نفسيين كعادةِ أهل هذه البلاد، و يحكون لهم عن كل شئ. أنا لم أرِدْ زيارة طبيب نفسي، و لا أعرفُ كيف يمكنني أن أجلسَ أمامهُ و أحكي له عن مكنوناتِ صدري. بعد أن أفرغتُ ما بداخلي اليوم، أراها ليست بفكرة سيئة أن يبحثَ الإنسانُ عن شخصٍ يحكي له، و لا بأس إن كان شخصاً غريباً يأخذ أجراً مقابل الاستماع.

ربما أصبحتُ إنسانـاً صدئَ القلبِ، ميتَ الشعور. ربما لم أعدْ أهتمُّ بالنساءِ. ربما انقضى من عمري أكثر مما تبقى فيه. ربما انغمستُ في الوحدةِ أكثرَ من اللازم، خاصة بعد أن قطعتُ اتصالي بأهلي و معارفي في وطني الأم، لم أردهم أن يذكـّروني بأيِّ شئٍ تركتهُ هناك و هربت. ربما أحتاجُ إلى فرصةٍ أخرى لأحيـا !

أثناء تفكيري في  الفرصةِ الأخرى تذكرتُ فتاة كانت تراودني عن نفسي منذ ساعاتٍ قليلة، كانت معجبة أو مُحِبـّة، مثلما كنتُ قديماً، و هداها تفكيرها إلى أخذ ما أرادت بطريقةٍ خاطئة، مثلما فعلتُ حين هربتُ و تركتُ كل شئ خلفي و بالغتُ في اليأس و الحزن. ربما إذا أردتُ فرصة أخرى فعليَّ أن أعطيها هي الأخرى فرصة ثانية، ربما تحسنُ استغلالها، ربما بعد ما عرفتْ ما أقاسيه تستطيع أن تساعدني على تخطـّي ما أنا فيه، ربما لم يكن مقدّراً لي أن أكونَ مع فتاةٍ جميلةٍ في وطني لأكونَ مع أخرى في وطنٍ آخر !

في اليوم التالي، عندما التقينا في العمل، لم تأتِ لتدورَ حولي و تتحدث إليّ كعادتها. لعلها تشعرُ بالخجلِ مما حدثَ بالأمس. ذهبتُ أنا إليها، و كان أول ما قلته لها: " هل تودّين تناول الطعام معي الليلة ؟ ".

و كان ردها: " نعم ".


( ربما نحتاجُ إلى فرصةٍ أخرى لنحيـا )



هناك تعليقان (2):

طالبة مقهورة ..درجة أولى يقول...

رائعة يا وينر..
فعلا بنحتاج فرص تانية عشان منظلمش نفسنا

WINNER يقول...



أشكرك يا رضوى.


من حق الجميع فرصة تانية.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك