15 فبراير 2011

ماذا عن الغـد؟

(Verbal Vomit - Jera Sky)



لا أريد أن أبدو متشائماً في ما سأقوله في السطور التالية. لا أريد أن أبدو متحاملاً على أي أحد أو أية فئة. لا أريد إلصاق تُهَم أو تشوية صورة شخص أو جهة معينة. اقرأ التالي، وفكر فيه، ثم فكر مجدداً، ثم يمكنك بعد ذلك قبوله أو رفضه. وبداية أريد التأكيد على أنني مصري، من الطبقة المتوسطة، لا أنتمي إلا حزب سياسي معين، لا أحمل أي أجندات أجنبية، ولم أتناول الكنتاكي من قبل في حياتي!



المصريون قبل الثورة.

بأمانة، صِفْ لي حال الشارع المصري والمصريين قبل الثورة. بخلاف الحياة السياسية والاقتصادية التي أجمع الكل على سوئها. أتكلم عن المجتمع بشخصيته وتصرفاته وسماته. الكل يعلم أن المصريين لم يكونوا في أفضل حالاتهم. جرّب أن تسير في شارع من شوارع مصر وراقب المكان ومن فيه. دعني بداية أأكد على أن الشارع المصري لازال يحتفظ بعادات وتقاليد طيبة. لكن، دقق النظر، ستجد صوراً قبيحة تسللت عبر السنوات لتصبح جزءاً من المجتمع. ربما هذا ضمن التغيرات العالمية التابعة للعولمة والأمركة والانفتاح  والثورة المعلوماتية والحريات وما إلى ذلك من المسميات. دعني أعدد بعض الصور من المجتمع والتي نراها جميعاً:

  • القمامة التي أصبحتْ جزءاً من الشارع. هي فعل من أفعال الناس، وهي تصرف غريب. أتعجب عندما يواظب الناس على إلقاء كل أنواع القمامة في الشوارع، والأغرب أن تجد من يرفض أن يعترف بأن هذا فعل خاطئ، ويتحجج بأن الجميع يفعلون ذلك، وكأن المكان الطبيعي للقمامة هو الشارع.
  • في الشارع قد نرى ملابس وتصرفات غريبة لشباب وشابات. عدم احترام آداب الطريق إلا من قلة من الناس. عدم احترام قواعد المرور من قائدي المركبات إلا خوفاً من تحرير مخالفة. الجميع يسيرون غرباء عن بعضهم البعض، حتى التحية والسلام لم نعد نسمعها كثيراً.
  • العلاقة بين مقدِّم الخدمة والعميل. الزبون يتصرف بعجرفة من منطلق أنه يملك المال والاختيار (بفلوسي)، والبائع يتصرف بتعالٍ من منطلق أنه صاحب السلعة والمتحكم وأنه لا يحتاج إلى مال هذا المشتري (غور انت وفلوسك). مقدم الخدمة والعميل يشمل كل من يقدم أي خدمة أو يبيع أي سلعة ومن يستفيد من خدمة أو يستهلك سلعة. على سبيل المثال العلاقة بين سائقي السيارات الأجرة وبين الركّاب، وعلاقة موظفي المصالح الحكومية بالمواطنين.
  • العلاقة بين أبناء المنطقة الواحدة، والشارع الواحد، وحتى البيت الواحد. هناك توتر في العلاقات، وشجارات على أتفه الأسباب، وعدم الشعور بالثقة والأمان مع الآخرين، بالإضافة إلى أن هناك اعتقاد سائد أن كل شخص يسعى على مصالحه الشخصية، وأن كل شخص يهتم بنفسه فقط. العلاقة الطيبة التي كنا نسمع عنها من أجدادنا أو التي نراها في الأفلام القديمة تبدو كذكرى من زمن جميل.
  • الأسعار التي ترتفع بسبب وبدون سبب، أحياناً بفعل التاجر الذي يرغب في ربح أكثر. احتكار السلع الغذائية الأساسية. الأسعار السياحية. تشعر أن هناك من يُصِرُّ على نهب أموالك بطريقة أو بأخرى، وأنت مرغم على الدفع.
  • علاقة المعلم بالتلميذ. باختصار، لا المعلم ظل معلماً، ولا التلميذ بقى تلميذاً.
  • علاقة الطبيب بالمريض. فكرة أن الطبيب هو السيد الفاهم العالم ذو المقام الرفيع، وأن المريض هو الجاهل والمسئول الأول عن مرضه. فكرة أن الطبيب هو شخص يتربّح من مهنته عن طريق جمع أموال الناس مقابل خدمة طبية سيئة، وليس الحكيم الذي يمتهن مهنة من أشرف المهن. فكرة أن الطبيب في مكانة مرتفعة تجعله لا يعبأ بارتكاب الأخطاء، ولا يوجد من يراقبه أو يقاضيه أو يثبت عليه شئ.
  • حالات الانتحار. خلال الأعوام القليلة السابقة قرأنا عن حالات انتحار كثيرة، يقال أنها بسبب الفقر. ومتى كان المصريون أثرياء! السبب الأساسي في انتشار الانتحار كظاهرة هو خلل مجتمعي بالإضافة إلى ضغوط أخرى كالحالة الاقتصادية، وذلك لأن مصر منذ أن القدم وهي تحمل على أرضها من يعيش يوماً بيوم ولا يملك شيئاً للغد، ولم يكن الانتحار كما نراه اليوم.
  • الدين في المجتمع. ربما يبدو المصريون متدينين، لكن إذا دققتَ أكثر تجد أن الغالبية متدينون بشكل جزئي، بمعنى أنهم متدينون في أشياء وفي أشياء أخرى تجدهم أبعد ما يكون عن الدين. ويظهر ذلك في عدم المحافظة على القواعد التي تدعو إليها الأديان في العبادات والتعاملات. محال بيع الخمور، الملاهي الليلة، والحفلات الصاخبة. انتقال الطابع الغربي الغريب وغير المتدين إلى أراضينا المتدينة. وأعرف جيداً أن الإسلام والمسيحية ضد الكثير من العادات الغربية المنتقلة إلى مجتمعاتنا، وأن التدين الوسط غير المتشدد يرفض التسيب والانحلال الذي نسمع عنه بل ونراه أحياناً في المجتمع. أشياء كثيرة دخيلة على المصريين ساعدَتْ على تشكيل وجه المجتمع ليصبح مشوَّهاً وغريباً.


هل كل ما كنا نحتاجه هو تغيير سياسي؟!

ما سبق ذكره هو بعض ما يمكن أن يلاحظه أي مصري، ولا أستثني نفسي، فبالتأكيد قد شاركتُ بشكل أو بآخر في هذه الصورة الغريبة لمجتمعنا. ولا أقصد التحامل على المجتمع، وإنما كيف يمكننا الإصلاح إن لم نعرف ما يحتاج إلى الإصلاح! وما سبق هو بعض ما يحتاج إلى الإصلاح والتغيير والتعديل لتكون الثورة شاملة، ليست فقط لإسقاط نظام سياسي، وإنما لتغيير كل الأوضاع السيئة، ومنها وضع المجتمع الذي من الواضح أنه ليس في أفضل حالاته.

أعتقد - وهذه وجهة نظري - أن التغيير السياسي مهم، من أجل تنظيم عملية التطوير والتقدم. لكن، ماذا يفعل النظام السياسي الجديد الجيد إذا كان الناس في الأصل ليسوا على مستوى التغيير والجودة؟! أعتقد أن المصريين يحتاجون أيضاً النظر إلى المجتمع لتغيير العديد من العادات والتصرفات، والتي في وجودها لن تنتقل مصر إلى أي مكان جيد. يجب تغيير الفكر وتطوير العقلية المصرية. يجب نشر ثقافة جديدة تحمل مفهوم الثورة على كل الأخطاء والسيئات في المجتمع. كما يتم كنس الشوارع من القمامة، يجب كنس المجتمع من أشياء كثيرة علقتْ به.


وأختم بقولي أن تسليطي الضوء على سيئات المجتمع ليس بغرض اتهام المجتمع - الذي أنا فرد من أفراده - وإنما لأنني أحلم بمجتمع أفضل، مجتمع جديد، مجتمع خالي من كل العيوب التي عشنا فيها خلال الفترات السابقة. ولا أقصد أن تظهر الصورة قاتمة، وإنما يحزنني وجود مثل هذه العيوب في المجتمع الذي أعيش فيه وأنتسب إليه، وأرجو أن أحيا لليوم التي نستطيع فيه أن نتلافى عيوبنا القابلة للتغيير، لنرتقي فعلاً كمجتمع. وما المجتمع إلا نحن! ولتغيير المجتمع يجب أن نتغير نحن، يجب أن نفرز أفعالنا، صحيح وخاطئ، ونقوم جميعاً بالتخلي عن الجوانب الخاطئة من تصرفاتنا وأفكارنا، وننتهج طريقة جديدة وفكراً جديداً جيداً، وعندها يصبح المجتمع الجديد جيداً.



ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك