16 فبراير 2011

شجرة التفاح

(Old Apple Tree - Anna Folkartanna Maciejewska-Dyba)


كانت شجرة التفاح الكبيرة تقف وسط الحديقة محمّلة بثمار خضراء غير ناضجة مُرّة و لذيذة في نفس الوقت. عندما كنا صغاراً كنا نقطف الثمار القريبة من الأرض قبل أن يكتمل نضجها، نأكل حتى تمتلأ أفواهنا بالطعم المُرّ اللاذع.

في الحادي عشر من الشهر السابق فقدتُ آخر ذكرى تربطني بالماضي، عندما كنتُ صغيراً.

رسمتُ شجرة التفاح عندما كان عمري ثمانية أعوام أو أقل قليلاً، و هذا ما جعلني أحتفظ بهذه الذكرى الوحيدة. يبدو واضحاً مرور الوقت على الورقة القديمة، و تظهر عليها ملامح الشيخوخة؛ البقع المتناثرة، الألوان الباهتة، و التجاعيد. لكن، عند رؤيتها - على الرغم من بساطة خطوطها - أنتقل إلى عمر أعرف أنني كنتُ فيه أكثر سعادة.

كان أحد الجيران العجائز - من زمن الطفولة - يغنـّي عصراً أثناء طوافه بالشوارع. " يا حلوة ياللي حمامك طار، قومي اعمليله بـِنـّيه ". و كان يضحك حتى تظهر لثته التي سقطتْ عنها معظم الأسنان. عندما مات شعرتُ أنني فقدتُ شيئـاً من معالم الحي، لم تعد الشوارع تغنـّي كما كانت قديماً.

ابتعتُ إطاراً لرسمة شجرة التفاح و علقتها على الجدار الفارغ في غرفتي الواسعة جداً. تبدو وحيدة جداً، و كأنها معزولة في صحراء الجدار. حاولتُ رسم المزيد من أشجار التفاح لعلها تبدد وحدة شجرة الماضي، لكن أصابعي لم تتحرك بالقلم، أصبحتْ يابسة، تـُصدِر صريراً كالباب القديم. كنتُ قد توقفتُ عن الرسم منذ أكثر من أربعين عاماً. اكتفيتُ بهذه الرسمة اليتيمة، و صرفتُ النظر عن تزويدها بصُحبة. كنتُ أمرُّ عليها فتخطف نظري، و كانت تشعرني بالحزن، و لا أدري لما تشعرني بالحزن، مع أنها الذكرى الوحيدة المتبقية من الزمن السعيد. ربما لأنها كانت وحيدة، مثلي !

يتمكن منـّي اليأس أحيانـاً. لكن، أمي كانت قد أهدتني عصا سحرية يمكنها طرد اليأس و الحزن، و أبي كان يسقيني ماءً مالحاً مقدَّساً يقي من الهم و الضيق.

شجرة التفاح الأخضر المحمّلة بالأحلام و الأمل ماتت منذ وقت طويل. أتخيلها أحيانـاً في أوقات تأملي الخاصة. أقنع نفسي أنها تقبع بداخلي مورقة مثمرة حلوة حيـّـة طفولية و خيـّـرة.



(لا زالَ في الروحِ غصنٌ مورقٌ رغمَ الجفافِ و الجَدْبِ)



ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك